خلف شاشات النزوح الدراسة عن بُعد تعمّق المعاناة

مع اقتراب موعد الامتحانات الرسميّة، يعيش طلّاب المرحلة الثانويّة في لبنان ظروفًا استثنائيّة بسبب الحرب والنزوح، حيث تتحوّل الدراسة عن بُعد إلى تحدٍّ يوميّ بفعل عوامل كثيرة منها ضعف الإنترنت، وانقطاع الكهرباء، وغياب الاستقرار. لكنّ المفارقة تكمن في الأوضاع المتفاوتة للطلّاب بين من يعيش أوضاعًا “جحيميّة” جرّاء الحرب وبين من يتابع دراسته كالمعتاد. هذا الواقع يطرح تساؤلات عدّة، أوّلها حول عدالة التعليم وقدرة المعنيّين بذلك، وعلى رأسهم الدولة، على إنقاذ عام دراسيّ مهدّد بالانهيار.
“الترمينال” بين النزوح والدراسة
عبر شاشة الحاسوب تتابع زهراء، التي نزحت من الضاحية الجنوبيّة، دراستها عن بُعد يوميًّا من الساعة التاسعة صباحًا حتّى الواحدة ظهرًا. زهراء طالبة في السنة الثانويّة الثالثة، كانت تأمل أن تجمع ذكريات مع أساتذتها وزملائها خلال عامها الدراسي الأخير، إلّا أنّ الحرب أجبرتها على الابتعاد عن المدرسة. وعلى رغم أنّ هذه ليست تجربتها الأولى مع التعليم عن بُعد بسبب الحرب السابقة، فإنّ القلق اليوم يبدو أكبر، مع النزوح واقتراب نهاية العام الدراسيّ، لا سيّما وأنّها تستعدّ للامتحانات الرسميّة.
إلى جانب ظروف صعبة تعيشها زهراء، منها ضعف الإنترنت وغياب الخصوصيّة والمساحة المناسبة للدراسة، يبرز العامل النفسيّ كأحد أبرز التحدّيات أمام الطلّاب. عن ذلك تقول زهراء “حتّى قبل الحرب التي تجدّدت في الثاني من آذار (مارس) الماضي، عندما كنا نتابع التعليم حضوريًّا، كان القلق الدائم يرافقنا”. تتابع لـ”مناطق نت”: “كنت أحتفظ بهاتفي في الصف، وأرفض تسليمه للإدارة، هذا كان قبل الحرب، فكيف الآن؟”.
تضيف زهراء “لم أعد أملك الطاقة على التفكير بالمستقبل، هذا يشكّل ضغطًا نفسيًّا كبيرًا عليّ، فهناك كثير من الأمور التي نقلق بشأنها، بالإضافة إلى الدراسة. لم يعد معدّلي أولويّة، أفكّر فقط: كيف سأعيش؟ هل سأتمكّن من العودة إلى المدرسة؟ هل سأعوّض ما فاتني؟”.
على رغم نزوح زهراء، وخسارتها منزلها في الحرب السابقة، لم يقتصر ذلك على ما تعيشه من معاناة، بل امتدّ أيضًا إلى تفكيرها بزملائها من الطلّاب الصامدين في الجنوب. تستحضر تجربة صديقتها، وهي طالبة في السنة الثانويّة الثالثة، عاشت سلسلة نزوح متكرّر خلال الحرب الماضية؛ إذ انتقلت من بلدة مركبا إلى النبطيّة، ثمّ اضطرّت لاحقًا إلى اللجوء إلى مدرسة في بيروت، قبل أن تعود مجدّدًا إلى النبطيّة. واليوم، تعيش هذه الطالبة في مدينة لا تزال تشهد اعتداءات إسرائيليّة يوميّة، ما يجعل استقرارها الدراسيّ والنفسيّ شبه مستحيل، في ظلّ تنقّل دائم بين الخوف والنزوح وفقدان أيّ قدرة على الاستمرار بتلقّي الدراسة.
طلّاب في مراكز إيواء
من جهتها وفّرت وزارة التربية 20 “جيغابايت” من الإنترنت كخطوة دعم للأساتذة والطلّاب، إلّا أنّها لا تعمل إلّا على تطبيقي “تيمز” أو “زووم”، في حين أنّ مدرسة زهراء لا تعتمد هذين التطبيقين، ما يجعل هذه الخدمة غير مجدية بالنسبة إليها وإلى غيرها من الطلّاب ممّن يتلقّون دروسهم على تطبيقات مغايرة.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي يعانيها الطلّاب، إلّا أنّها تتضاعف لدى الطلّاب النازحين في مراكز إيواء. أحمد طالب “ترمينال” واحد من هؤلاء، والمفارقة أنّ أحمد بدلًا من أن يكون حاضرًا في الصفّ يتابع دروسه حضوريًّا في المدرسة، ها هو نازح فيها. يواجه أحمد مجموعة من الصعوبات في متابعة دراسته عن بعد، مثل انقطاع التيّار الكهربائيّ، بالإضافة إلى أنّ الإنترنت يتوافر في ملعب المدرسة فقط. وبالتالي يجلس جميع الطلّاب ممّن يتابعون دراستهم عن بعد في الملعب نفسه المكتّظ بالنازحين.

يحاول أحمد التأقلم مع الظروف التي يعيش فيها. يحتاج الحاسوب المحمول إلى الكهرباء، وهذا غير متوافر بسبب انقطاع التيّار الكهربائيّ، لذلك انتقل إلى الهاتف، لكنّ “الدراسة عن بُعد أصعب عبر الهاتف” بحسب تعبيره، لذا يضطرّ إلى استخدام سمّاعات ليخّفف الضجيج من حوله في الملعب.
دراسة وتطوّع
يتابع أحمد لـ”مناطق نت”: “أحيانًا يصعب عليّ التركيز بسبب الضوضاء، خصوصًا وأنّي غير معتاد على الدراسة في مكان يفتقر إلى الهدوء، وبالتأكيد نسبة التركيز أثناء التعليم عن بعد هي أقلّ من الحضوريّ”.
إضافة إلى ذلك، يؤدّي ازدياد عدد مستخدمي الإنترنت وتوزّعه على عدد كبير من الناس، إلى انقطاع متكرّر في الشبكة، الأمر الذي يؤدّي إلى تعذّر متابعة أحمد للحصّة، فينتظر حتّى صباح اليوم التالي، حين يكون الضغط أقلّ، ليقوم بتحميل الحصص المسجلّة سابقًا ومتابعتها.
عن ذلك يعبّر أحمد قائلًا: “الطالب يفقد شغفه بالدراسة، ولا يعود يشعر بالحافز نفسه، على رغم أنّني من الطلّاب الذين يقدّرون أهمّيّة العلم. لم أعد مندفعًا كما في السابق، وأحيانًا أتهرّب من الدراسة إلى أمور أخرى، مثل التطوّع، حيث انضممت إلى جمعيّة ‘بنين‘ للمشاركة في العمل التطوّعي داخل المدرسة كي أخفّف عن نفسي قليلًا من القلق والضغط”.
يرى أحمد أنّ الطالب في هذا العمر يدرك مصلحته ويعلم أنّ الدراسة في صالحه، لكن أحيانًا تكون الظروف أقوى منه، وهذا الظرف تحديدًا هو الأقسى. ويشير إلى أنّه في حال إجراء الامتحانات الرسميّة، يجب أن تكون مع مراعاة هذه الظروف، سواء من خلال التأجيل، أو تخفيف الدروس، أو حتّى اعتماد مواد اختياريّة.
تدريس في زمن النزوح
ليس الطلّاب وحدهم من يواجه صعوبات التعلّم عن بُعد، فالأساتذة أيضًا يواجهون هذه التحدّيات، فكيف إذا كان الأستاذ نازحًا أيضًا؟ الأستاذ محمّد طفيلي واحد من الأساتذة الذين اضطرّوا إلى النزوح، وهو يواصل التدريس على رغم المعوّقات نفسها التي يعيشها طلّابه.
يقول طفيلي: “أقيم في منزل يجمع ثلاث عائلات، لذا من الطبيعيّ أن يكون هناك ضغط أثناء محاولة التعليم. وأواجه صعوبات إضافيّة بسبب ضعف شبكة الإنترنت والكلفة المترتّبة على ذلك، خصوصًا وأنّني أدرّس على منصّة مختلفة عن ‘تيمز‘ و‘زووم‘، ولكن لا يمكن التوقّف، يجب أن نستمّر وإلّا نكون قد هُزمنا”.
يشير طفيلي إلى أنّ العامل النفسيّ لدى الطلاب يُعدّ من أبرز التحدّيات اليوم، مضيفًا لـ”مناطق نت”: “الطالب الذي نزح أو دُمّر منزله، كيف يمكن تحفيزه للعودة إلى التعلّم والاستمرار في حياته؟ هذا ليس أمرًا سهلًا”. ويؤكّد أنّه يحاول دعم طلابه نفسيًّا في ظلّ حال عدم اليقين التي يعيشونها، إذ لا يعرف كثير منهم إن كانوا قد خسروا منازلهم أو أحد أفراد عائلاتهم.
وحول الامتحانات الرسميّة، يلفت طفيلي إلى أنّه “لا يوجد وضوح حتّى الآن، في ظلّ استمرار الحرب، لكنّه يرجّح التوجّه نحو تقليص المنهاج، مشددًا على أنّ العامل النفسيّ سيبقى عنصرًا أساسيًّا حتّى في حال العودة إلى التعليم الحضوريّ، إذ يحتاج الطلّاب إلى وقت لاستعادة قدرتهم على الاستيعاب والتأقلم”.
الأستاذ محمد طفيلي: الطالب الذي نزح أو دُمّر منزله، كيف يمكن تحفيزه للعودة إلى التعلّم والاستمرار في حياته؟ هذا ليس أمرًا سهلًا
أزمة إدارة أم أزمة أدوات؟
حاولنا التواصل مع وزيرة التربية ريما كرامي للحصول على مداخلة حول آليّة التعليم وجدواه والخطّة الموضوعة خصوصًا إذا ما استمرّت الحرب وضبابيّة مصير الامتحانات الرسميّة، إلّا أنّنا لم نتلقَّ أيّ ردّ.
من جهته يوضح الباحث التربويّ في مركز الدراسات اللبنانيّة، نعمة نعمة، أنّ التحضيرات اللوجستية غير كافية، مشيرًا إلى وجود فجوة في التواصل مع الطلّاب. يتابع لـ”مناطق نت”: “لا يمكن أن يتمّ التعليم من دون وجود شبكة تواصل فعّالة بين الطلاب والأساتذة، وهذه الشبكة لا تزال غير مكتملة. قد نتمكن من تغطية نحو 40 في المئة مثلًا، لكن لا نعرف النسبة بدقّة، فيما هناك شريحة كبيرة من الطلاب غير قادرة على التواصل”.
ويشير نعمة وبحسب تقديرات أوّليّة، إلى أنّ “هناك نحو 300 ألف تلميذ نازح، إضافة إلى مناطق متأثّرة في الحرب غير قادرة على فتح المدارس، سواء لوقوعها على خطوط المواجهة أو في مناطق حدوديّة أو معرّضة للخطر، ما يحول دون استئناف التعليم فيها”.
ويضيف نعمة أنّ المشكلة لا تقتصر على التواصل، بل تشمل غياب التخطيط للأزمة، موضحًا “لم توضع خطّة متكاملة تضمن إنشاء شبكة تواصل فعّالة، على رغم إدراك الدولة لإمكانيّة اندلاع الحرب في أيّ لحظة. الخطّة كانت ناقصة، ولا يكفي تزويد التلاميذ بـ20 ‘جيغابايت‘ من الإنترنت وطلب الدخول إلى المنصات”.
جدوى التعلّم عن بُعد
ويشير نعمة كذلك إلى عائق نقص الأجهزة، خصوصًا لدى العائلات التي تضمّ أكثر من طالب، لافتًا إلى أنّ “الأجهزة اللوحيّة التي وُزّعت خلال الحرب السابقة لم يُعرف مصيرها لاحقًا، ما حرم الطلّاب من وسائل تواصل أساسيّة في وقت الحاجة”.
أمّا من حيث فعاليّة التعليم عن بُعد، فيؤكّد نعمة أنّه محدود الجدوى مقارنة بالتعليم الحضوريّ، مستندًا إلى تجربة جائحة كورونا، حيث لم تتجاوز نسبة الاستفادة 10 إلى 15 في المئة، نتيجة الظروف النفسيّة والمعيشيّة الصعبة، إضافة إلى غياب التجهيزات الكافية وفق حديثه.
ولا يقتصر التقصير، بحسب نعمة، على وزارة التربية، بل يشمل الحكومة ككلّ، في ظلّ غياب التخطيط الجماعيّ الفعّال، خصوصًا في ما يتعلّق بالطلّاب من ذوي الاحتياجات الخاصّة، الذين لم تُؤخذ احتياجاتهم بعين الاعتبار، سواء من حيث أماكن الإيواء أو ملاءمة التعليم عن بُعد لهم.
ويختم بالإشارة إلى أنّه “كان من المفترض وضع خطط مسبقة لإدارة الأزمات، بما في ذلك تجهيز مراكز بديلة لاستقبال النازحين بدل اعتماد المدارس كملاجئ، بخاصّة مع وجود مبانٍ كان يمكن تجهيزها مسبقًا”.
تعلّم أم إقصاء
بين طلّاب يدرسون في ظروف غير مستقرّة، وأساتذة يحاولون الاستمرار على رغم النزوح وضعف الإمكانيّات، تتّسع الفجوة بين من يستطيع التعلّم ومن يُقصى عنه، ليصبح التعليم حقًّا غير متكافئ في ظلّ هذه الظروف.
ومع استمرار الغموض حول الامتحانات الرسميّة ومصير العام الدراسيّ، يبقى السؤال الأساس: هل يُمكن إنقاذ هذا العام فعلًا، أم أنّ جيلًا كاملًا سيدفع ثمن غياب الاستعداد للأزمات؟ في ظلّ هذا الواقع، لا يبدو الحلّ تقنيًّا فقط، بل يتطلّب مقاربة شاملة تضع الطالب والأستاذ في صلب العمليّة التعليميّة، قبل أن تتحوّل الخسارة التعليميّة إلى واقع طويل الأمد.



