زيارة بيتي الثانية تبدأ بالفول الأخضر وتنتهي بالفرار

زرت ضيعتي مرّة ثانية بعد أسبوعين من الزيارة الأولى، و33 يومًا من بدء الحرب. 33 يومًا هي أيضًا  عدد أيّام حرب 2006، ونصف عدد أيّام حرب 2024 وحتّى الآن لا أعرف دلالته بالنسبة إلى حرب 2024.

جيراني الذين بقوا في ضيعتنا يستقبلونني بحرارة وبكثيرٍ من الابتسامات والقبلات. ربّما يشعرون ببعض الأنس القادم صوبهم من مكان آخر يظنّونه أكثر أمنًا من مكانهم. عندما دخلت بيتي هذه المرّة شعرت كمن يدخل إلى مكان تغيّرت لأسباب طارئة وظيفته. الستائر المعدنيّة التي أنزلتها قبل المغادرة لا تزال تُظلم البيت، وبيتنا في الأحوال الطبيعيّة يطلّ نور كبيرُ من شبابيكه الكبيرة والكثيرة عادة.

ولأنّني خلال الـ 33 يومًا اكتفيت بما استطعت أخذه معي عندما غادرت، صرت وأنا أجول في البيت أجد مفاجآت بكلّ جارور أفتحه، وكلّ درفة خزانة وكلّ غرفة. وجدت حزامًا أبيض كنت قد نسيت أنّني أقتنيه، فوضعته جانبًا لأخذه معي عندما أغادر.

وجدت في مرسمي ألوان أقلام وقياسات أوراق غير تلك التي أخذتها معي إلى بيروت، قرّرت أن أرسم. جلست في الحديقة تحت الشمس ورسمت.

“بيرة وجريش وبيض بلدي”

احتسيت زجاجة بيرة وأكلت فولًا أخضر. أخبرني أخي الذي رافقني (بالأحرى أنا رافقته لكن بسيّارتي) أنّ أبا وديع سيعجن عجينة “جريش” لأجلي لأجل “ترويقة” الغد.

أحضر لي أخي كرتونة بيض بلديّ من نهاد الذي بقي بالضيعة. في أوّل المساء سمعنا ستّ مرات متلاحقة دوي اختراق الطائرات جدار (حاجز) الصوت، ظننت كلّ واحدة منها غارة، ولكن بما أنّ كلّ صوت يليه صوت بعد لحظات، أدركت أنّها دوي ثلاث مرات لطائرتين وليست ستّ غارات. أيضًا قصفوا الصرفند قبيل المساء. مُسح البيت المقصود. قالوا إنّه كان خاليًا.

أمضيت الأمسية كلّها مستلقية على كنبتي في الغرفة الصغيرة أمام التلفاز. تصلني أخبار غارات كثيرة في بيروت. ولأوّل مرة منذ 33 يومًا نمت في غرفتي وعلى سريري في الطابق العلويّ، بعد أن اطمئنّ أخي إلى أنّني لن أخاف.

“صعتر ومناقيش وكمّونة”

صباحًا  انضم من بيروت إلى الفطور معنا أقارب لنا من قرية أخرى: سامي وحسام وبشير، أولاد “بو سامي” بكسر السين مع التخفيف.

أحضروا معهم “لحم بعجين” وأنا أخذت زعتراتي (من صعتر) لإعداد المناقيش عند أبو وديع. “تروّقنا” في الحديقة والطقس المشمس. التقطنا صورًا، وأرسلنا واحدة لأختي.

خبزت “مشاطيح جريش” كي آخذهم لصديقي عبّاس في بيروت. قررت أن أحضّر “كمونة” لأنّني اشتريت لحمة مدقوقة من جزّار الضيعة لآخذها معي إلى بيروت.

عندي حبق ومردشوش (مش مردكوش) وبصل ونعنع وبقدونس وبرش حامض وحرّ وملح و”تحويجة” (مستلزمات) الكبّة… حضّرتها ونسيت إضافة “العطراية”.

“لحم مشويّ وعرق”

أخي هشام اقترح أن أبقى لليوم التالي بما إنّني لم أخف في الليلة السابقة، فوافقت. أبلغني بأنّه سيأتي مع الأصحاب كي نشوي للغداء عندنا في الحديقة. قشرت البطاطا وقطعتها في الجنينة تحت الشمس. سمعت صوت صاروخ وشاهدت مساره في السماء فوقي، ثم سمعت صوت انفجاره.

جاء أخي والشباب، طلبت من محمّد صديق أخي أن يحضر لي “عطراية” كي أضيفها إلى الكمونة عندما ذهب ليحضر لنا من أرضه فولًا أخضر.

أخي “شكّ سياخ اللحمة” ثم جىة شيّها. أكلنا وشربنا كؤوس عرق، التقطنا كذلك صورًا وأرسلنا منها إلى بقيّة الأصحاب على مجموعة “واتس آب” الحي.

طلبوا إليّ أن أغادر بأسرع وقت لأن الوضع الأمني سوف يسوء أكثر. قلت لهم إنّ موقعي في بيروت ليس أكثر أمنًا منه هنا في اللوبية (الزهراني)، فمازحونا بأنّ الصورة التي التقطتها وشاركتها ستنفع لورقة نعي بعد استشهادنا، وطلبوا أخرى تظهر ابتسامات الجميع. ابتسمنا، تصوّرنا وشاركت الصورة من جديد.

هدّدوا اللوبية

دخلت كي آخذ قيلولتي اليوميّة فوق كنبتي. لم أنم. وصلتني رسائل كثيرة من علي، من عبّاس، من صلاح وحازم تسأل: “بعدك بالضيعة؟ هدّدوا اللوبية، يللا انزلي”.

نهضت، مجدّدًا بعد المغادرة الأولى كان عليّ أن أقنع أخي بأن يغادر. أراد البقاء، لكنّني ذكّرته بأنّنا كنّا سنغادر في اليوم التالي بكلّ الأحوال. لم يقتنع لكن أراد أن يعفيني من القلق فحضّر حقيبته.

في أثناء المغادرة التقينا بالجيران ممّن لم ولن يغادروا: “يلّلا بسرعة ليش بعدكن هون؟ يلّلا انزلوا لإن هدّدوا الضيعة. خدوا الطريق البحريّة وليس الأوتوستراد”.

كانت لحظة سورياليّة ومربكة. هم قلقون علينا، كأنّ من قرّر البقاء محصّن ولا خطر عليه. أو ربّما يعتقدون أنّنا لا قدرة لنا -كوننا أصلًا غادرنا قبل الآن- على أن نتحمل ما أصبح بإمكانهم هم تحمّله حتّى الغارات!

شعرت بانزعاج أخي من تلك المغادرة السريعة، ومن انصياعه إلى قلقي.

أنا أغادر لأن المنطق من جديد يفرض عليّ المغادرة، وكوني كنت في الأصل سوف أغادر في اليوم التالي، ولأنّني لا أريد لأصدقائي أن يقلقوا عليّ.

مجدرة حمراء و”طزّ” بالمنطق

أحضرنا الحاجّة أم وائل التي كانت قد عادت من منزل ابنتها في اليوم نفسه. أخبرتنا في السيّارة أنّها كانت تنوي أن تطبخ مجدّرة حمراء في اليوم التالي. ربّما سوف تطبخها في بيروت بعد الآن، على رغم رائحة البصل المقليّ التي ستعبق في المبنى كلّه.

لم نتحدّث كثيرًا في طريق العودة، إلّا كي نردّ على ما تقوله الحاجّة أم وائل. إلى حين شعرت هي بالملل وسكتت مثلنا.

عندما وصلت طمأنت الجميع.

ندمت على أنّ وجودي مع أخي فرض عليه مجدّدًا أن يغادر. وعدت نفسي ألّا أكرّر هذا الضغط. سأحرّره منّي في المرّة القادمة. أفهمه، وسأنصاع أنا إلى رغبته التي أحترمها وأفهمها على رغم عدم منطقيّتها.

أصلًا  “طز” بالمنطق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى