شوارع بيروت وأحلام الشباب… المدينة كما يقرؤونها يوميًّا

في بيروت، يروي كلّ شارعٍ قصّة ويحمل كلّ جدارٍ رسالة، ويضيف كلّ إعلانٍ طبقةً إلى سرديّة المدينة المعقّدة. بالنسبة إلى الشباب تصبح المدينة أكثر من مجرّد فضاء للعيش والتنقّل، هي صفحة مفتوحة يمكن قراءتها يوميًّا.

في تنقّلاتهم اليوميّة بين الجامعة والعمل والمقهى، يلحظ الشباب تفاصيل صغيرة تشكّل هويّتهم وفهمهم لبيروت. الغرافيتّي التي تصرخ بالاحتجاج، لافتات الإعلانات التي تحاول بيعهم الأحلام، المباني المهجورة التي تذكّرهم بأزمات الماضي والحاضر، وزحمة السير التي لا تنتهي.

تقول ليلى (20 عامًا) لـ “مناطق نت”: “أتوقّف أحيانًا أمام جدارٍ ملوّن بالغرافيتّي، وأشعر أنّ المدينة تروي لي قصص من يعيشون فيها”. وتضيف: “لكن أحيانًا أشعر بالإحباط من المباني المهجورة والأرصفة المكسورة التي تجعل حتّى أبسط التحرّكات اليوميّة تحدّيًا”.

ويشعر أحمد (32 عامًا)، في حديثه لـ “مناطق نت” أنّ “هذه الجدران تحكي شيئًا عن مدينتي، وعن الناس الذين فقدوا الأمل وضاعت أحلامهم، وعنّا نحن الذين نحاول إيجاد مكاننا وسط كلّ فوضى هذه المدينة، أشعر أنّ بيروت تقتل طموحاتنا أكثر ممّا تمنحنا فرصًا”.

من هذه الملاحظات اليوميّة، يولد فهم الشباب للمدينة وهويّتهم، فيصبح كلّ شارعٍ وجدارٍ ولحظة، تجربةً تتجاوز مجرّد التنقل.

المدينة كتجربة يوميّة

يحمل كلّ شارعٍ في بيروت إيقاعه الخاص، من حركة الباعة المتجوّلين الذين يحتلّون الأرصفة، إلى ضوضاء السيّارات والدرّاجات الناريّة، مرورًا بالأسواق التي تنبض بالحياة. الطريق الذي يُغلق فجأة بسبب أشغال، الإعلانات التي تتبدّل أسبوعيًّا والأرصفة المكسورة، جميعها تفاصيل صغيرة تجعل كلّ تنقّل تجربةً فريدة، لكنّها تعكس أيضًا فوضى مستمرّة وصعوبات يوميّة يواجهها الشباب.

نادر: شوارع بيروت تعلّمنا كيف نلاحظ العالم من حولنا، وكيف نفهم مدينتنا بشكلٍ أعمق

فهم يراقبون هذه التفاصيل بعناية، يحاولون فهم ما وراءها وكيف تُوزَّع القوّة والخدمات في المدينة، وأين تظهر الفجوة بين الأحياء المختلفة، بين من يملك النفوذ ومن لا يملكون شيئًا. في كلّ يوم، يجدون في شوارع بيروت فرصةً للتفكير في حياتهم اليوميّة، في روتينهم وفي كيفيّة التكيّف مع المدينة التي تفرض إيقاعها على الجميع.

فيقول سامر (24 عامًا) لـ “مناطق نت” إنّ “اللافتات والمباني المهجورة تجعلني أفكّر بكيفيّة تشكّل حياتنا بين هذه التفاصيل اليوميّة، وتذكّرني بإمكانيّة ضياع أحلامنا في هذه المدينة القلقة”. أمّا نادر (30 عامًا) فيرى في حديثه لـ “مناطق نت” أنّ “شوارع بيروت تعلّمنا كيف نلاحظ العالم من حولنا، وكيف نفهم مدينتنا بشكلٍ أعمق”. ويضيف: “لكنّها تظهر لي أيضًا صعوبة التكيّف مع واقعنا اليوميّ، من زحمة السير إلى الخدمات غير المستقرّة، ومن الفوضى إلى تدهور العمران والبنى التحتيّة”.

حتّى سلوك الناس في الشوارع يُعطي لمحةً عن الحياة اليوميّة في بيروت. صفوف السيّارات التي تنتظر الإشارة الضوئيّة بلا انضباط، الشباب الذين يركضون للالتحاق بالحافلات، وكبار السنّ الذين يراقبون التحرّكات من المقاهي، جميعها تعكس قدرة المدينة على فرض روتينها الخاصّ، وتختبر الشباب في كيفيّة التكيّف مع حالة عدم الاستقرار المستمرّة.

الغرافيتّي وصوت المدينة المخفيّ

أمّا الغرافيتي، فليست مجرّد فنّ على الجدران بل لغة احتجاجٍ ورسائل تخاطب الشباب مباشرةً. فتُعلن جداريّة في منطقة مار مخايل أنّ “الحلم لم يمت بعد”، بينما أخرى على جدار في الأشرفيّة تقول على لسان شابّة: “ليلي بعدهن هون منكن لحالكن أنا كمان مش فالّة”. وكلّ واحدةٍ منها تمنح هؤلاء الشباب شعورًا بالارتباط في المدينة، لكنّها أيضًا تذكّرهم بفشل النظام والأزمات المتراكمة والمتتالية.

يزور الشباب أحيانًا المباني المهجورة أو الأزقّة المنسيّة ويلاحظون الحياة الخفيّة فيها، مثل أطفال يلعبون بين ركام خلّفته الحرب، فتصبح هذه الأماكن مسرحًا لتجربة المدينة. وتوضح ليلى أنّ “المكان المهجور يخبرني كثيرًا عن الماضي، ويُشعرني بالإحباط تجاه مستقبلي.” أمّا أحمد فيعتبر أنّ “المباني القديمة والمهجورة تُدرّبنا على كيفيّة التعامل مع الفراغ “، وقال إنّ “هذه الأماكن تذكّرني بالفشل المؤسّساتيّ والخدمات المهترئة في هذه المدينة”.

المدينة والهويّة

من خلال هذه الملاحظات اليوميّة، يحاول الشباب فهم مدينتهم وهويّتهم، ونسج علاقة متشابكة بين المكان والحياة، وبين وجودهم الشخصيّ والسرد الجمعيّ للمدينة. كلّ شارع وجدار ولحظة تصبح تجربةً فريدةً، وتشكّل فرصةً للتأمّل في الواقع المحيط بهم. يقول أحمد: “أجد في الجدران المهجورة أكثر ممّا تعلّمته في الكتب عن تاريخ مدينتي، لكنّها أيضًا تظهر كم هو صعب التكيّف مع المدينة”.

لذلك، تعكس تجربة الشباب في بيروت فكرة أنّ المدينة ليست مجرّد فضاءٍ جغرافيّ، بل إنّها مكان حيّ يتفاعلون معه يوميًّا. وتشير ليلى إلى أنّه “يكفي أحيانًا أن أشاهد لافتةً قديمةً أو جدارًا متهالكًا لأدرك كيف تعيش بيروت في فوضى مستمرّة”. وتضيف: “نحن في محاولات مستمرّة للتأقلم مع مدينة لا تمنح فرصًا متساوية للجميع، وكذلك نحاول أن نترك أثرنا في هذه المساحات”.

المدينة مساحة للمقاومة والإبداع

حين يتعلّم الشباب قراءة المدينة وفهم تفاصيلها اليوميّة، تتحوّل مساحاتها إلى فضاءات للتعبير والمقاومة. الغرافيتّي والموسيقى الحيّة والأنشطة الثقافيّة أو حتّى التظاهرات، تصبح أدواتٍ لإعادة تشكيلها، والتعبير عن مطالبهم الاجتماعيّة والسياسيّة والحياتيّة.

في هذا السياق، يحوّل بعض الشباب التحدّيات اليوميّة إلى فرصٍ للإبداع. تصميم مشاريع فنّيّة في الأزقّة المهجورة، تصوير الواقع بطريقةٍ نقديّة، أو إنشاء منصّاتٍ رقميّة توثّق حياة المدينة من منظورهم الخاص. وجميعها أدوات تمنحهم شعورًا بالقدرة على المشاركة في تشكيل بيروت.

يقول أحمد: “أجد نفسي أحيانًا أرسم على حائطٍ مهجور، ليس فقط للتعبير عن نفسي بل لأترك أثرًا صغيرًا في المدينة التي تعلّمت أن ألاحظها”. ويوضح نادر أنّ “كلّ مشروع أو فكرة صغيرة أشارك فيها تجعلني أشعر بأنّني جزء من مدينتي، وأنّنا قادرون على إعادة صياغتها بالطريقة التي نريدها.”

مدينة الأحلام والمخاوف

تحتضن شوارع بيروت إذن، بأزقّتها الضيّقة وساحاتها المفتوحة، أحلام الشباب ومخاوفهم على حدٍّ سواء. كلّ ركنٍ منها يحمل تذكيرًا صامتًا بالفرص الضائعة، وبالتحدّيات اليوميّة. لكنّه يفتح لهم، في الوقت نفسه، مجالًا لتخيّل ما يمكن أن يكون.

فترى ليلى في بيروت “المدينة التي أستطيع فيها رؤية مستقبلي حتّى وسط الفوضى. كلّ جدارٍ ملوّن أو حديقة مهجورة تذكّرني أنّ هناك إمكانيّات لم تُستغلّ بعد”. أمّا أحمد فيقول: “حين أمشي في شارعٍ فارغ أو أرى غرافيتّي على حائط مهجور، أشعر أنّ المدينة تعكس مخاوفي وطموحاتي معًا، وأنّ لدي فرصة لأترك بصمتي فيها”.

هكذا تصبح بيروت مرآة للشباب، فيها يواجهون الواقع بما فيه من قيود وفوضى، مع الاحتفاظ بالخيال والحلم والأمل. المدينة لا تُفرض عليهم فقط، بل تمنحهم فرصة لتشكيل مستقبلهم وصياغة أحلامهم، وتعرّضهم إلى اختبارٍ مستمرٍّ لقدرتهم على التكيّف والمقاومة، وعلى تحويل كلّ زاوية إلى مساحةٍ يمكنهم فيها إعادة كتابة قصصهم الخاصّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى