طواحين يونين إرث تاريخي ينهار بصمت فمن يحمي الذاكرة والمكان؟ (ڤيديو)

ليست طواحين يونين (بعلبك- الهرمل) مجرّد حجارة قديمة أو أبنية مهجورة عند أطراف البلدة، بل هي شاهد حيّ على ذاكرة مكان وتاريخه الاقتصاديّ والاجتماعيّ الذي شكّل عصب حياة ورافعة أساسية لعلاقة يونين بالقرى المجاورة. ومع ذلك، تقف هذه الطواحين اليوم على حافّة السقوط، تشكو الإهمال والنسيان، في مشهد يعكس مأزق التراث غير المحميّ في لبنان: معرفة بوجوده، اعترافًا بقيمته، لكن من دون أيّ إجراء حقيقيّ لإنقاذه.

في السنوات الأخيرة، كُتب كثير عن طواحين يونين، لكنّ السؤال اليوم لم يعد عمّا هي الطواحين؟ بل: لماذا تُترك حتّى الموت؟ ومن المسؤول عن هذا الإهمال المتراكم؟

أربع طواحين وذاكرة تتآكل

اليوم، يوجد في يونين أربع طواحين فقط. وفي حين يقول أبناء البلدة إنّها خمس، تُوضح البلدية أنّ الخامسة ليست طاحونة بل معصرة عنب. من بين الطواحين الأربع، ثمّة اثنتان دُمِّرتا بالكامل، أمّا الاثنتان المتبقيّتان فمهدّدتان بالسقوط.

تعود ملكيّة الطواحين في يونين إلى عائلات زغيب وغصن وصوّان، وهي خضعت لعمليّات ترميم متفرّقة على يد متموّلين من البلدة وأصحاب الطواحين أنفسهم، بدءًا من خمسينيّات القرن الماضي وحتّى التسعينيّات، ومنذ ذلك الحين لم تُنفّذ أيّ أعمال صيانة أو ترميم.

اليوم، الطواحين تبدو مهجورة، بعضها مُدمّر بالكامل، وبعضها الآخر أجريت فوقه أعمال بناء، ومنها ما تحوّل إلى مكبّ للنفايات، في مشهد يختصر قسوة الإهمال أكثر ممّا تختصره الكلمات.

 إحدى طواحين بلدة يونين في منطقة بعلبك وقد أكلها الإهمال
أين الدولة والبلديّة؟

يؤكّد رئيس بلديّة يونين محمّد صبحي زغيب لـ “مناطق نت” أنّه لا توجد أيّ إجراءات قانونيّة تحمي الطواحين، ولم تُجرَ أيّ دراسات تقنيّة أو تقييم للحالة الإنشائيّة لها، كذلك فإنّها غير مدرجة في أيّ خطط أو موازنات بلديّة أو وزاريّة.

في المقابل، أدرجت وزارة السياحة طواحين يونين على لائحة الجرد العام للآثار القديمة التي تخضع لقوانين حماية التراث، إلّا أنّ هذا الإدراج بقي دون أيّ أثر فعليّ على الأرض. وهنا تبرز المفارقة: اعتراف رسميّ بالقيمة التراثيّة، يقابله غياب كامل للحماية والتنفيذ.

من جهته يلفت عضو مجلس بلديّة يونين تيسير سلهب إلى أنّ “ما وصلت إليه الطواحين اليوم هو نتيجة إهمال الناس قبل إهمال الدولة، فالتعدّيات العمرانيّة القائمة قديمة جدًّا، ولا علاقة للبلديّة الحاليّة بها، وأنّ أشخاصًا في الماضي بنوا على آثار الطاحونة ولم يردعهم أحد”.

جذور تاريخيّة بلا تواريخ

بحسب رئيس البلديّة زغيب، “تعود الطواحين في بنائها إلى العهدين المملوكيّ والعثمانيّ، إلّا أنّه لا توجد سجلّات رسميّة أو تواريخ دقيقة تؤرّخ إلى إنشائها، إذ إنّ هذا التاريخ مات مع كبار رجال القرية ومع إهمال هذا الجيل”. ويتابع لـ “مناطق نت”: “العائلات المؤسّسة للطواحين، هي من عائلات تعود جذورها إلى تلك الحقبات، من دون معرفة أسماء محدّدة، بنتيجة الإهمال ذاته الذي طمس الأسماء كما طمس الحجر”.

ولم تشهد الطواحين عبر الزمن مراحل بناء أو تجديد كبيرة، بل بقيت تعمل بالآليّات التقليديّة نفسها: حجر طاحون دائريّ، وأكوار من خشب اللزاب، وحبال من الليف، وتعتمد في تشغيلها حصرًا على تدفّق المياه، من دون أن تعمل أيّ جهة على تطويرها.

كانت الطواحين متاحة للجميع، فمن لا يملك المال كان يدفع من محصوله، فيطحن كيس قمح ويعطي صاحب الطاحونة جزءًا منه كأجرة

قلب الحياة اليوميّة

لم تكن الطواحين مجرّد منشآت إنتاجيّة، بل شكّلت محورًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا أساسيًّا في حياة أهالي يونين والقرى المجاورة. فقد كانت تؤمّن الطحين والأعلاف للمواشي، وتغطّي كلّ ما يتعلّق بالحبوب من قمح وشعير وعدس وحمّص وذرة.

وكانت الطواحين، وفق سلهب “بركة البيوت، وعلاقة حميمة يصعب وصفها بالكلمات، حينها كان الناس يلتقون، ويتبادلون الأخبار، وكانت السبيل الوحيد لتأمين الطحين والأعلاف وكلّ ما يلزم في مجال الحبوب”.

قيم وعادات اندثرت

ارتبطت الطواحين بعادات اجتماعيّة ذات دلالة ثقافيّة عميقة، فعندما كانت تحتاج إلى ترميم، كان أهالي القرية يهبّون لمساعدة أصحابها دون أيّ مقابل، في تعبير واضح عن روح التكافل الاجتماعيّ، وهذا ما ساهم في ترسيخ الطواحين كجزء أساس من هويّة يونين في علاقتها مع القرى المجاورة، وساهمت أيضًا في تمتين الروابط العائليّة والاقتصاديّة بينها وبين محيطها، من خلال تبادل الحبوب والأعلاف، حيث كان التبادل تسوده الثقة وليس المال فقط.

أمّا الاستفادة منها، فكانت متاحة للجميع، فمن لا يملك المال كان يدفع من محصوله، فيطحن كيس قمح ويعطي صاحب الطاحونة جزءًا منه كأجرة، في نظام اقتصاديّ بسيط لكنّه عادل.

كان الطحين المستخرج نقيًّا ولا مثيل له اليوم، لأنّ خير الحبّة كان يبقى فيها، وكذلك الأعلاف التي كانت تُجرش وتُترك بكامل قيمتها الغذائيّة، بعكس ما يحصل في الصناعات الحديثة.

كنّا نسمعها ونشمّها قبل رؤيتها

قبل أن تنهار حجارة طواحين يونين، انهارت الأصوات التي كانت توقظ الصباح، وروائح الخبز التي كانت تعبر السهل. حمود سلهب، أبو عبدالله، ابن الثمانين عامًا وابن يونين، لا يتحدّث عن الطواحين كأثرٍ قديم، بل ككائنٍ حيّ رافقه عمرًا كاملًا، ثمّ انسحب بصمت.

يعدّد أبو عبدالله الطواحين الأربع كما لو أنّه يستحضر أشخاصًا غابوا: “طاحونة آل زغيب، وكان يشرف عليها أحمد الشيخ زغيب؛ طاحونة آل سلّوم بإشراف عبدالله إبراهيم حيدر صوّان؛ طاحونة آل غصن وكان يديرها أحمد خليل صوّان؛ وطاحونة آل حرب التي كان يشرف عليها عقيل الطحّان”. يتابع أبو عبدالله لـ “مناطق نت”: “أسماء لم تُكتب في دفاتر الدولة، لكنّها كانت مكتوبة على الحجر والماء”.

يتذكّر أبو عبدالله كيف توقّفت الطواحين واحدة تلو الأخرى، لا لأن الحجر تعب، بل لأنّ الناس تبدّلت “لم يعد أحد يزرع القمح أو يخزّنه في البيوت، والطحين صار يُشترى جاهزًا، والمياه التي كانت تصل بنحو 14 إنشًا شحّت، فبردت الرحى وسكتت”.

الطاحونة ساحة لقاء

لم تكن الطاحونة مكان طحن وحسب، بل ساحة لقاء. يروي أبو عبدالله متابعًا “كان الناس يأتون ومعهم سبعة أو ثمانية “مداد” من القمح، يدفعون الأجرة طحينًا أو مالًا، وكان الطحّان يعيد نقش حجر الطاحونة دوريًّا ليبقى الطحين ناعمًا”. ويضيف: “حتّى تعبئة الطحين كانت طقسًا خاصًّا، باستخدام “راحة” خشبيّة تشبه الشفّاطات الحديثة، لكن بروح اليد لا الآلة.”

أكثر ما يعلق في ذاكرة أبو عبدالله ليس الصوت، بل الرائحة. يقول: “كنّا نعمل في السهل، على بعد كيلومترات من الضيعة، ونشمّ رائحة الخبز المخبوز على التنّور، كأنّنا هناك”. ويشرح أنّ “طحن القمح على حجر الماء كان يُبقي الطحين باردًا، محافظًا على طعمه ورائحته، بعكس طحين اليوم الذي يخرج ساخنًا من طاحونة النار، بلا نكهة ولا روح”.

يتوقّف أبو عبدالله عند صورة لا تغيب عن ذاكرته: “أحمد الشيخ زغيب، المشرف على طاحونة آل زغيب، يحمل حجر الطاحونة الثقيل على خاصرته، يرميه على الأرض ثم يعيده إلى مكانه بدقّة، على رغم أنّ وزنه يحتاج إلى أكثر من رجل”. يهزّ رأسه ويتحسّر “هذه الرجال ذهبت كما ذهبت الطواحين ولم يعد منها شيء”.

رغبة شعبيّة وغياب القرار

يؤكّد أهالي يونين رغبتهم في إعادة تشغيل ما تبقّى من الطواحين، ليس لأهداف تجاريّة، بل لتبقى ذكرى حيّة ومعلمًا تراثيًّا وسياحيًّا في البلدة، إلّا أنّ العائق الأساس يبقى غياب أيّ قانون واضح يحميها. أمّا تحويل الطواحين إلى موقع سياحيّ، فيتطلّب دراسة جدّيّة، خصوصًا في ظلّ ضيق المساحات والبناء العشوائيّ المحيط بها اليوم، وهو واقع لم يكن قائمًا في الماضي.

وطواحين يونين لا تنهار بضربة واحدة، بل تموت ببطء حجرًا تلو حجر، وذاكرة بعد ذاكرة. والمفارقة أنّ كلفة ترميم ما تبقّى منها ليست خياليّة، لكنّها تفتقد القرار وليس المال. فهل تبقى هذه الطواحين مجرّد صور وفيديوهات مرفقة بمقال؟ أم تتحول إلى قضيّة رأي عامّ تعيد الاعتبار لذاكرة بلدة، قبل أن تُمحى نهائيًّا؟

لا يترك أبو عبدالله مساحة للوهم حين يُسأل عن الترميم، فيجيب بلا تردّد “حتّى لو رمّمنا الطواحين اليوم، لن تعمل، فالمياه لم تعد موجودة، وكلّ ما يذهب… لا يعود”.

جملة تختصر مصير طواحين يونين، التي لم تتوقف تعبًا، بل انطفأت ببطء، كما تنطفئ ذاكرة قرية حين يغيب من يتذكّرها أو يحكي ذكرياتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى