على مشارف العام الجديد.. أكره العنب

أقلّب في هاتفي مثلما أفعل في كلّ ليلة بعد يوم عملٍ طويل، أنجز بعض المهام عند عودتي إلى المنزل، ثمّ أتفرّغ لنفسي. حان الآن موعد الـ “me time”. أحتسي الأعشاب الساخنة، أشعل المدفأة، وأستهلّ جولتي المعتادة في المنصّة المفضّلة لديَّ “إنستَغرام”، مدّة تقلّ عن ساعة قبل الخلود إلى النوم. هي لحظاتي الأحبّ التي أعتدت أن أكون وحدي.

خلال الأسبوع الماضي وبسبب خوارزميّات المحتوى الذي توقّفت عنده كثيرًا، تكرّر أمامي مشهد بائع العنب الذي سيجني أرباحًا طائلةً بسبب ترند “أكل العنب تحت الطاولة” عند الدقيقة الأولى من السنة الجديدة، هذا الترند الذي غزا وسائل التواصل الاجتماعيّ كنوع من الكوميديا السوداء التي تحمل في ظاهرها رسائل سخريّة ومزاح، بينما هي تحمل في باطنها معان أسمح لنفسي وصفها بالرديئة، مفادها سهولة السيطرة على عقول الإناث وسهولة تأثّرهنّ وانجرارهنّ بموجات وسائل التواصل والحملات الرقميّة.

يأتي توقيت ترند “الأسطورة الإسبانيّة” أو “التقليد الإسبانيّ” تزامنًا مع اقتراب نهاية العام، وعلى مشارف العام الجديد، تتجهّز الإناث لمراسم أكل العنب عند الساعة الــ 12 منتصف الليل. تقول هذه الأسطورة إنّه يتوجّب على الفتاة الجلوس تحت طاولة وأخذ 12 حبّة عنب وكتابة 12 أمنية. أمّا شرط استحقاق هذه الأمنيات هو أكل حبّات العنب في غضون دقيقة واحدة فقط.

روايتان وعنب

لكن كيف بدأت هذه العادة ومن أطلقها؟ بعد بحث صغير توصّلتُ إلى روايتين، اقتنعت بإحداها كوني أومن بأنّ التسويق يبدأ من اللعب على المشاعر والاستفادة من الأزمات.

تقول الرواية الأولى إنّ التقليد بدأ في العام 1909، عندما حصل فائض في إنتاج العنب في مدينة أليكانتي الإسبانيّة، وجد المزارعون أنّ الطريقة الأمثل لتصريفه هو التسويق له كفاكهة تجلب الحظّ، ومنذ ذلك الحين اعتمد تقليدًا لرأس السنة. أمّا الرواية الثانية فتعود إلى العام 1882 عندما شعرت الطبقة الوسطى في مدينة مدريد بشيء من الغيرة والحسد من الطبقة البرجوازيّة التي كانت تتناول العنب مع الحكول في هذه الليلة، ليجتمع الناس في “بويرتا ديل سول” ويأكلون العنب مع كلّ دقّة من دقّات الساعة.

التطوّر الذي حصل أنّ شبكات التواصل الاجتماعيّ هي التي أدّت بهذه العادة إلى الانتشار، بعدما كانت وعلى مدى سنوات طويلة عادة مجتمعيّة تقتصر على المجتمع الإسبانيّ حصرًا.

من جميع أنحاء العالم، كثيرات وثّقن الأمنيات التي تحقّقت خلال العام الماضي بمقاطع فيديو قصيرة (ريلز). لاحظت من خلال تصفّحي أنّ الأمنية التي تكرّرت في معظمها كانت واحدة تمحورت حول الزواج، المواعدة، البدء بعلاقة جديدة، أو الاحتفال بخطوبة.

أكره العنب

غصّت صناديق الرسائل بمقاطع الفيديو، دعت كثيرات، أصدقاء، أقارب، وزملاء العمل للمشاركة فيه.

كان لديّ جواب على كلّ الرسائل التي وصلتني، “أكره العنب”.

لتجيبني إحداهنّ: “اجبري نفسك”.

ذكّرتني بطفولتي حينما كانت تحاول أمّي جاهدةً إقناعي بضرورة تناول الدواء السائل ذي اللون الأبيض عندما كانت تثقل الحمّى جسدي ورأسي، مرارة الدواء وطعمه البشع كانا يخففان من فكرة الألم والأوجاع. فلماذا آكل العنب؟ وهل لو كانت الأسطورة ستقترح علينا نوعًا آخر من الفاكهة سنكون مستعدّين لذلك؟

لماذا تنسلب طاقة الإناث أمام هذا المحتوى، ما الذي ينقصهنّ؟ الأمان؟ الحاجة الملحّة إلى الحبّ؟ هل الخوف؟ التنشئة؟ أم التربية التي علمتهنّ العيب والحرام؟

غلبني النعاس، لكنّني قاومت، أخذتُ أفكر، كثيرةٌ هي المغريات: استقرار، زواج، ثراء، سيّارة، مجوهرات، أحلام وأمنيات وحياة هانئة، وكثير منها قبل أن نصل إلى الرقم 12. والجميعُ يتعامل معه وكأنّه فانوس سحريّ، إطلب تُعطى!

الطوق الذهبي

في بلاد الشام ارتبطت بعض العادات الشعبيّة المسلّية بالنساء حصرًا، لعل أشهر العادات هي التبصير في فنجان القهوة، التي تتعلّمها النسوة من خلال استخدام رموز لها دلالات مثل العين والحسد، الطيور والسفر، القلب والحبّ، إضافة إلى استخدام الحدس والإدّعاءات والتوقّع وهو الأكثر انتشارًا ورواجًا، بالإضافة إلى عادات أخرى أتذكّر منها مراسم توقّع العمر الذي ستتزوّج فيه الفتاة، وعدد أولادها، وتوقع جنس كلّ مولود.

من بين هذه العادات، عادة استخدام الطوق الذهبيّ الذي تربطه إحدى السيّدات في الجلسة بخاتم يشترط أيضًا أن يكون ذهبًا. وتقوم بوضعه فوق يد الفتيات بشكل مسطّح، ثم تُحرّك الطوق فوق يدها بشكل دائري. وفي حال تحرّك الخاتم من اليمين إلى اليسار، تقول العادات إنّ المولود سيكون فتاة، أما إذا تحرّك من الأمام إلى الخلف، فيُعتقد أنّها ستنجب في المستقبل صبي. إضافة إلى التاروت وكثير من الأساليب التي تلجأ إليها بعض النساء لمعرفة الغيب.

في خمس ثوانٍ

إحدى النظريّات الفلسفية تقول: إنّه حين تستفزتك فكرة أو سلوك ما، فعليك أن تعود إلى داخلك، ولا علاقة لأيّ طرف خارجي بما انتابك. حاولتُ تفسير المعضلة في خمس ثوان، وخرجتُ بخلاصة مفادها أنّه ربّما كانت إحدى نسخي القديمة جدًّا ستتأثّر بمثل هذا الترند، وربّما ستلهث لتجريبه وتصديقه.

تستفزني أساليب التسويق و”الترندات” و”الهوكات” التي فيها ابتزاز غير معلن للفتيات، للوقوف عند المحتويات التي تأتي على هيئة حلول للمشكلات الحياتيّة الخاصّة، والتي تستغلّ ضعفهنّ وتفكيرهنّ الزائد بكلّ شيء، عودة الزوج، أو الحبيب، كيف تجعلينه يحبّك أكثر؟ هذه علامات ستعرفين من خلالها أنّه لك! وكثير من المحتويات التي تذهب viral، وتحصد أرقامًا كبيرة لا تتناسب مع سخافة المحتوى. إليك الآية القرآنيّة التي ستعيده، إليك طريقة مضمونة ليرفع البلوك، إليك إليك إليك..

وأسأل نفسي لماذا مثلًا اختارت عالمات الطاقة هذه المواضيع دونًا عن غيرها إلّا لتحقيق المشاهدات؟ ولماذا لا تأتي خبيرة الأبراج وعالمة الفلك إلّا بهذا النوع من الأسئلة لكي تجمع على ظهر الفتيات الأرقام والأرباح؟ لماذا لا يسوّق هذا المحتوى للذكور؟

على مشارف العام الجديد

ما الذي ينقص الفتاة؟ سؤال خارج صراعات الـ “هوك”، والـ “ترند”، والمشاكسات والفوضى الرقميّة.

ولماذا تنسلب طاقة الإناث أمام هذا المحتوى، ما الذي ينقصهنّ؟ الأمان؟ الحاجة الملحّة إلى الحبّ؟ هل الخوف؟ التنشئة؟ أم التربية التي علمتهنّ العيب والحرام ونسيت أن تعلمهنّ كيف يحبون أنفسهنّ؟ ولماذا العنب!

أكره كلّ ما يصنّف بأنه “ترند” وأشعر بشيءٍ من الاشمئزاز تجاه كلّ من يمتلك وقتًا لصناعة المحتوى فيقرّر أن يجعله تافهًا وسفيهًا، من خلال نشر يوميّاته، ومشاركة تفاصيل حياته التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لأنّنا أعتدنا بشكل أتوماتيكيّ على أنّه مقبول، ونسينا أنّ أعدادًا هائلة ستعتاد على ما لا يتوجب اعتياده.

وما زلتُ أغضب ولا أطلق أحكامًا، أنتقد ولا أجلد، أجادل ثمّ أتعاطف معهنّ. وعلى مشارف العام الجديد، سأعطي نفسي وكلّ شيءٍ يدور حولي فرصة أخرى، إلّا أكل العنب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى