علي مواسي.. حكاية التراب والزرع والموت على طريق عيترون

الحروب، لا تحصد المقاتلين فقط، بل تحصد أشخاصًا عاديّين جدًّا، هم نجوم في حيواتهم، كانوا يعيشون رواياتهم ويحاولون الانتقال نحو حياة أفضل. علي مواسي كان واحدًا من هؤلاء.

شاب من عيثرون (بنت جبيل)، يعمل منسّق حدائق، مهنته بسيطة وجميلة، يزرع شجرة هنا، يقصّ غصنًا هناك، ويجعل الأرض تبدو أكثر لطفًا، والذي يعمل في الحدائق يتعلّم الصبر ويتعلّم أنّ الحياة تحتاج إلى وقت كي تنمو، لكنّ الحرب لا تمنح الوقت.

علي ابن عائلة فقيرة، بدأ العمل منذ سنّ مبكّرة، كان نشيطًا فوق العادة، وصاحب ذراع كما يقول أهل القرى، شاب يعتمد عليه في العمل، وفي الشدّة.

كان محبوبًا من أهل الضيعة، خدومًا يتطوّع لمساعدة الآخرين، على رغم حاجته أحيانًا إلى من يساعده. لم يكن من النوع الذي يطلب شيئًا من أحد، كان يعمل بصمت، ويكافح كي لا يمدّ يده.

مشروع صغير.. وحرب ونزوح

قبل حرب الإسناد، كان يعمل مع صديقه يوسف عبّاس في مشروع مشتل صغير. كان المشروع يكبر تدريجًا، وصار علي مسؤولًا عن العمّال فيه.

كان يشعر أنّ شيئًا ما يبدأ أخيرًا في حياته (عمل ثابت، خبرة تتراكم، مستقبل واضح)، لكنّ الجنوب لم يُترك ليهدأ.

مع بداية الإسناد، اضطرّ علي إلى أن ينزح إلى مدينة صور وبقي فيها مدّة طويلة، هناك حاول أن يخترع لنفسه عملًا جديدًا. اشترى بضائع بسيطة، ألعابًا للأطفال وأدوات منزلية، وصار يدور بها على المحال كي يبيعها.

حين اشتدّت الحرب العام 2024، نزح مرّة أخرى إلى البرجين في إقليم الخروب في الشوف، فتح متجرًا صغيرًا يبيع فيه البضائع نفسها، لم يكن هذا العمل الذي حلم به، لكنّ عليَّا كان من أولئك الذين يعرفون كيف يبدأون من جديد، من الصفر كلّ مرّة.

العودة إلى عيثرون

بعد انتهاء الحرب الماضية، عاد علي إلى عيثرون، حاول أن ينهض من جديد في مهنته الأصليّة، صيانة الحدائق والأعمال الزراعيّة. لكنّ الأفق كان مسدودًا. البيوت التي كان يعمل في حدائقها دمّرتها الحرب والعدوان الإسرائيليّ المستمر منذ سنوات، والناس الذين كانوا زبائنه صاروا مثله يبحثون عن طرق للعيش.

كان يعمل في مهنة مرتبطة بالبيوت المزدهرة، وحين تتعب البيوت تتعب معها الحدائق. في تلك الفترة، كان علي يتواصل مع فتاة تعيش في ألمانيا، كبر الحلم بينهما تدريجًا، كان حلمه بسيطًا، أن يعمل قليلًا هنا، يتزوّجها، ثمّ تأتي ويستقرّان معًا، لكنّ الواقع كان أقسى من الأحلام.

في النهاية، اضطرّ ّإلى أن يقلب المعادلة، بدلًا من أن يبني حياته في الجنوب صار عليه أن يهاجر.

زواج وانتظار

تزوّج علي، وبدأ يسعى بكلّ طاقته ّإلى إنجاز معاملات لمّ الشمل، جهّز أوراقه، وتعلّم اللغة الألمانيّة، وانتظر التأشيرة انتظارًا طويلًا يعرفه كلّ من حاول أن يعبر من حياة إلى أخرى.

ثمّ جاءت لحظة صغيرة، ربّما تبدو تفصيلًا عاديًّا في حياة أيّ إنسان: اتّصلت به السفارة الألمانيّة، طلبوا إليه أن يحضر جواز سفره. إنّه “تفصيل بسيط” ورقة صغيرة تختصر مصير إنسان، لكنّ جواز السفر لم يكن معه. كان قد نسيه في البيت، في عيثرون. حاول عدّة مرّات أن يصل إليه ولم يستطع.

في تلك الفترة كان يتنقّل بين أماكن النزوح، مرّة في صور ومرّة في البرجين. لكنّ الهدف كان واحدًا دائمًا: أن يسافر.

لكي يؤمّن بعض المال، صار يتردّد مع بعض الشباب إلى القرى الحدوديّة. كانوا يذهبون لإحضار سيّارات تركها أصحابها هناك مقابل بدل مادّيّ. مخاطرة صغيرة لكنّها كانت السبيل الوحيد لكسب شيء من المال في هذه المرحلة الصعبة.

الرحلة الأخيرة

في الرحلة الأخيرة، ذهب عليّ ولم يعد. كان في الطريق قرب بنت جبيل حين قصفت طائرة سيّارة رابيد كان فيها ابن عمّه حسن. حين رأى السيّارة المصابة، لم يتردّد فنزل من سيارته وركض ليحاول إنقاذ حسن، هكذا كان علي دائمًا، حاضرًا لمساعدة الآخرين قبل أن يفكّر بنفسه، لكنّ الطائرة عادت مرّة ثانية بغارة أخرى.

في تلك اللحظة، انتهت الحكاية. استشهد عليّ ومعه ابن عمّه حسن.

المفارقة القاسية في الحروب أنّ التفاصيل الصغيرة تتحوّل إلى قدر (جواز سفر منسيّ لحظة النزوح في بيت صامد في الجنوب، موعد مع سفارة، طريق يجب أن يُقطع بسرعة) أشياء عاديّة جدًّا، لكنّها في زمن الحرب يمكن أن تصبح اللحظة الأخيرة في حياة إنسان.

علي كان يعمل في تنسيق الحدائق، وظيفة هادئة، مرتبطة بالحياة والنموّ. الذي يزرع شجرة لا يفكّر بالموت، يفكّر بالظلّ الذي ستعطيه بعد سنوات، لكنّ الحرب تقطع كلّ هذا فجأة وتترك الأشجار التي زرعها أصحابها (إن عبرت) بلا أصحاب.

عند ذكر علي سيبقى دومًا حديثنا عن شابّ بسيط، عزيز النفس، كان يعمل بين التراب والزرع، ويحاول أن يبني مستقبله بهدوء. عن شاب صمد حتّى استشهد حين كان يبحث عن معنى آخر للعيش، شاب حلم ببيت، وزوجة، وحديقة خاصّة صغيرة في بلد بعيد. لكنّ الحرب والعدوان الإسرائيليّ حالا دون ذلك، والطريق إلى تلك الحياة انتهت على طريق عيثرون.

دُفن عليّ وحسن كودائع في تبنين على أمل أن يعودا يومًا إلى قريتهما. أمّا جواز السفر الذي ذهب عليّ ليحضره، فبقي في عيثرون، بينما بقيت قصّته هنا بين الناس ممّن يعرفون أنّ الحرب لا تقتل المحاربين وحسب، بل تقتل أيضًا الحيوات التي كانت على وشك أن تبدأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى