في الحرب تفتقد النساء أنفسهنّ وخصوصيّاتهنّ ومساحاتهنّ المقدّسة

بعد أن حطّ شبح الحرب فوق قُرانا، واضطررنا إلى النزوح هربًا من القصف والموت. وجدنا أنفسنا في وسط المعركة نعدّ الخسائر اليوميّة: الأرواح، البيوت، والأرزاق، لكن ماذا عن الخسائر غير المرئيّة؟
في ليلة النزوح الأولى، رأيت نساءً يقدن سياراتهنّ المحمّلة بالأغراض والحقائب والأطفال لساعات. نساءٌ يؤمّنّ مكانًا آمنًا، ثم يحاولن جعله يبدو آمنًا. يخفّفن من هلع الأطفال وهنّ خائفات، وتحاول إحداهن إقناع طفلها بأنّ هذا الصاروخ لن يقتله.
في الصباح الأوّل، حاولت النساء تأمين أبسط الاحتياجات: إعداد الطعام، والحفاظ على نظافة المكان، مهما اتّسع ومهما ضاق. ومنهن من أتت دورتهنّ الشهريّة في غير موعدها، لكن مع كلّ الضغط النفسيّ والجسديّ، والتقلّبات الهرمونيّة المعتادة، تخرج المرأة من خلف الستار وتبعث الأمل في الجميع.
أن تكوني امرأة في حرب، يعني أنّ الانهيارات مؤجّلة، والراحة مؤجّلة، والحياة بكلّ تفاصيلها الخاصّة مؤجّلة. ويبقى السؤال: ما أكثر شيء فقدته النساء في الحرب؟ لكن، جاءت الإجابات أثقل من الحرب نفسها.
فقدان الأمان والخصوصيّة
تقول آية فوّاز، النازحة من تبنين (بنت جبيل) إلى جبيل “فقدتُ الأمان الداخليّ الذي كان يمنحني إيّاه بيتي، وقريتي، ومجتمعي الصغير”. تتابع لـ”مناطق نت”: “حتّى وأنا أعيش تحت القصف، وأسمع دويّ الانفجارات وسقوط الضحايا من حولي، لم أفقد هذا الشعور كما فقدته بعد النزوح”. تضيف “الألفة والطمأنينة في مساحتنا الخاصّة، والوجوه التي اعتدناها، كلّ ذلك اختفى، الآن أشعر بأنّني غريبة بين أشخاصٍ لا يفهمون غربتي، كذلك أواجه استغلالًا لمعاناتي…”.
عن الموضوع نفسه، الخصوصيّة، تقول بتول (فضّلت عدم الإفصاح عن اسمها الثاني) وهي ناشطة في المجال الاجتماعي، نازحة إلى صور: “أصعب ما مررتُ به كان ليلتي الأولى في مركز إيواء بلا كهرباء ولا ماء. كنت أُصارع لأؤجّل دخولي إلى الحمّام إلى أطول وقت ممكن”.
تتابع لـ”مناطق نت”: “أعيش قلقًا من دورتي الشهريّة الطبيعيّة، في وضع أفتقد فيه لأدنى المتطلّبات. أفتقد خصوصيّتي وطقوسي، من تجهيز السرير واختيار البيجاما والملابس الداخليّة الخاصّة، إلى مشروبي المفضّل، وحمّامي الخاصّ”.
أمّا زينب وهي أمّ لطفلين، نازحة من الضاحية الجنوبيّة إلى عاليه (جبل لبنان)، فتختصر الأمان بقولها “بين جدران حمّامي الخاصّ، والانتظار في طابور الحمّام في مركز الإيواء، شعرتُ بانعدام كامل للأمان”. تتابع لـ”مناطق نت”: “كلّ ما أريده هو أن أُغلق الباب على نفسي، أتنفّس ببطء، أهدّئ جهازي العصبيّ، وأقول لنفسي ما أحتاج سماعه بعيدًا من العمل والأطفال والمطبخ، ودون أن أفكّر بمن ينتظر خلف الباب”.
نكبر والحروب لم تتوقف
بين أحياء مدينة صور التي صُنّفت ضمن دائرة الخطر، بقيت حوراء (متخصّصة في الارشاد والتوجيه، نفسي اجتماعي) في منزلها، لكنّها اختارت أن تعيش تجربة النزوح مع أهالي قريتها بتأمين احتياجاتهم بشكل يوميّ. تقول “نسيت نفسي، وفي محاولة لتعويض ما فقده الآخرون، لم أعد أعرف ما فقدته أنا”.
ما تقوم به لا تعدّه إلهاءً، بل شعورًا منها بمسؤوليّة الفرد تجاه الجماعة، وأنّ هذا مكانها وما يتوجّب عليها القيام به، مثل كثير من النساء اللواتي يأخذن على عاتقهنّ المسؤوليّة.
تتابع حوراء بعد صمت لـ”مناطق نت”: “أفتقد فرصتي بأن أكون أمًّا، مثل أيّ فتاة تُولد، وتحمل دميتها، وتكبر وهي تتخيّل نفسها أمًّا، لكنّنا نكبر ونكبر، والحروب لم تتوقّف يومًا. كلّ ما نريده هدنة طويلة لنصبح أمّهات، دون تأجيل، دون خوف، ودون شعور بالذنب، وأنّ الحروب تجبرنا على التخلّي عن حقّنا بالأمومة”.
وتختم حوراء “نحن ثكالى… حتّى لو لم نُنجب”.

فقدان العلاقات والقرب
تقول زينب (فضّلت عدم الإفصاح عن اسمها الثاني) وهي نازحة من الضاحية الجنوبيّة إلى عاليه “أكثر ما أفتقده هو السند العاطفي. أن يكون هناك من يخفّف خوفي وقلقي”. وتضيف لـ”مناطق نت”: “يمكن الإنسان أن يواجه المصائب ويتخطّى الخسائر طالما أنّه ليس وحيدًا. أفتقد الأمان العاطفيّ، والحضن في لحظات الخوف”.
تتابع “يتركّز الدعم العاطفيّ غالبًا على الأطفال، وتجبر النساء على إخفاء مشاعرهنّ أو تجاهلها، ما يولّد ردّة فعل داخليّة أعنف وأصعب”.
تختم زينب “يجب أن نأخذ هذا الدعم حتّى نستمرّ في العطاء، حتّى لو تعرّضت لقصف مباشر، يكفي أن يكون بقربي من أحبّ”.
فقدان المساحة والروتين
“في الحرب، تفقدين مساحتك الخاصّة ويختفي روتينك، وتصبحين جزءًا من فوضى النجاة”. هذا ما تقوله جنى بزّي وهي صحافيّة، نازحة من الضاحية الجنوبيّة. ثمّ تتابع لـ”مناطق نت”: “فقدتُ مساحتي المقدّسة، حيث كنت أستمع للموسيقى، أشرب قهوتي، وأعمل براحة وخفّة، ومعها فقدتُ ما لم أستطع أخذه بحقيبة اليد: كتبي، صور الطفولة، ذكرياتي مع أختي”.
تضيف “اختفى روتيني الذي يجعلني سعيدة: النادي الرياضيّ، الكورال، ساعة الاستحمام اليوميّة بعد نهار عملٍ مرهق، وروتين العناية ببشرتي. كذلك لم أعد أهتمّ بما آكله، ولا أن أُحضّر الطعام المناسب لجسدي، أيضًا فقدتُ شهيّتي”.
من ناحيتها تعبّر سكينة حمّود وهي متخصّصة نطق ولغة، نازحة من بيت ليف (بنت جبيل) عن الموضوع نفسه لـ”مناطق نت” بالقول: “لم أفتقد الأمان والطمأنينة وحسب، بل بساطة الحياة. أن أذهب إلى عملي، أن أُحضّر لجلساتي دون خوف، سعادتي في انتهاء الدوام، والمتعة في الإنجازات البسيطة. أن أعود إلى البيت وأخطّط ليومي التالي. أفتقد يومًا عاديًّا، فقط ليوم عاديّ”.
فقدان الحرّيّة
“تقيّدنا الحرب بمساحات ضيّقة، وتحدّ من حرّيّتنا في التنقّل والعمل والعيش”. هذا ما قالته فاطمة وهي طالبة طبّ، نازحة إلى عرمون، لـ “مناطق نت”، وتابعت “عدتُ من السفر لأقضي شهر رمضان مع عائلتي وأصدقائي، فوجدتُ نفسي نازحة في منطقة أخرى، وأعيش في بيت واحد مع العائلة الممتدّة، غير قادرة على السفر، ولا الخروج من المنزل وحدي وقت ما أشاء”.
أضافت “فقدتُ حرّيّتي، اعتدت أن أعيش وحدي، أُحضّر الطعام لنفسي، أخرج متى أشاء، وأقرّر كلّ شيء بنفسي. أمّا الآن، فأنا مرتبطة بكلّ التفاصيل دون أن يُسأل عن رأيي. ولأنّني الأخت الكبرى، عليّ أن أطبخ، وأقوم بالمهام المنزليّة، وأنتبه للأطفال، كذلك أعاني من تفاصيل ذكوريّة لم أكن لأعاني منها لولا ظرف الحرب وانعدام الاستقلاليّة”.
تفتقد فاطمة أشياء كثيرة وعنها تقول: “أفتقد الرحلات القصيرة في السيّارة في النبطيّة، مع كوب قهوتي المفضّلة، وقائمة أغانيّ. أمّا هنا، فأشعر بأنّني عالقة في مكان لا يشبهني، وبين أشخاص لا أعرفهم، وعلى طرقات لا آلفها”.
في هذه الحرب، وكلّ حرب، تجتمع النساء على أشياء مشتركة: فقدان الأمان والمساحة. وأن تكوني امرأة، يعني أن تجتهدي دائمًا لتحصلي على مساحة تخصّك، تمارسين فيها طقوس راحتك وروتينك الخاصّ دون مساءلة، وهذا ما لا تفهمه الحرب، ولا القائمون على تخفيف معاناتنا. سوف تنتهي الحرب يومًا ما، لكنّ ما فقدته النساء يبقى إمّا وقتًا ضائعًا من أعمارهنّ، أو تجربة تُروى، أو صدمةً يختزنها الجسد، إلى لأبد.



