في الحرب خطوطٌ بدل الكلمات

أجلس في المقهى الذي أصبح مكاني المعتمد، وركنًا أساسيًا من روتيني اليومي. أرسم خطوطًا أسميها “زيوحًا”… خطوطٌ هي خطوطي، و”زيوحٌ” هي “زيوحي”.

كنت قد بدأتُ رسمها قبل الحرب، ولكنها اتخذت شكلًا مكثفًا ومعانيَ جديدة خلال الحرب. “الزيوح” التي أرسمها كانت موجودة على امتداد سنوات حياتي؛ قمصاني، و”تيشيرتاتي”، وجواربي، وصحوني، وفناجيني.. كلها لا تخلو من الخطوط، ولأجل الخطوط أقتنيها.

لكن حبي للخطوط لم يُختزل فقط بوجودها المادي على الأشياء؛ فخلال محاولاتي شرح مشاعري، لطالما ربطتُ بينها وبين الخطوط الرفيعة التي يحدثها قلم رصاصٍ مبريٍّ جداً، مرسومٍ قرب خطٍّ آخر وآخر وآخر. خطوط رقيقة وقريبة يصعب شرح كلٍّ منها، ويصعب فصلها وتفرقتها عن الأخرى؛ لأنها تتمةٌ لبعضها، ومعًا تشكّل حالتي ومشاعري كلها.

المسافة الدقيقة بين الخط والخط تُصعّب وصف خطٍّ دون الاقتراب من الخطوط الأخرى. رقة الخط تجعله أقرب للذوبان منه إلى الشرح. “زيوح” رقيقة، حسّاسة، هشّة وقويّة، قريبة من بعضها البعض، تشكل نسيج المشاعر بكل حساسياتها وتنوعاتها، رقتها وصلابتها… فكيف أشرحها؟ نسيجٌ من المشاعر… مشاعري. نسيجٌ من “الزيوح”… “زيوحي”.

هذا الشغف تحول إلى هوس؛ هوسٍ بالدقة والرقة والحساسية العالية التي لا يمكنني شرحها.. فأرسمها. في الحرب كثرت “زيوحي”، وصارت أرفع وأكثر التصاقًا. اتسعت مساحتها على الورق وعلى روحي. القلق أصبح زيوحًا، الخوف أصبح زيوحًا. الفراغ، المشاعر المتناقضة، الغضب، الهدوء، اللايقين، اللامبالاة… أصبحت كلها خطوطًا.

أرى استغراب رواد المقهى الذي أرتاده وهم يشاهدونني مع “زيوحي” وأوراقي وأقلامي الخشبية الملوّنة. يريحني أنّهم لا يسألونني عنها؛ فلو سألوني، سأخبرهم أنني أرسمها لأنني لا أعرف كيف أشرحها. أنا أرسم ما لا يمكن لكلماتي شرحه.

في الحرب، كل يوم أجلس في المقهى. كل يوم أشرب “كورتادو”. كل يوم أرسم “زيوحًا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى