متى يغدو العلاج النفسيّ عبئًا على طالبيه؟

“لو كانت لديكِ عائلة تسمعكِ لما كنتِ الآن هنا”.. هذا ما قالته لي معالجتي النفسيّة باسكال ذات مرّة. وبينما أكملتْ عملها وروتينها اليوميّ بشكل طبيعيّ، رحتُ أنا أفكّر وأردّد بصمت: “كان بإمكانها أن تكون ألطف قليلًا مع شخص وحيد ومنبوذ داخل عائلته”.
حيث يُفترض أن يكون الإصغاء والدعم والاحتضان، لا تجد مكانك. الكلمة وخز بارد. وكلمات مثل: “خلّيك قوي، إنت ذكيّ وقدّها” تتحوّل إلى سكاكين في المعدة. تبحث عن مكان تستريح فيه حكايتك وتُسمع. لتجد نفسك تتنقّل من عيادة إلى أخرى بحثًا عن خلاص يتحوّل إلى دوّامة، إلى سراب تلاحقه دون هوادة.
خلف بابٍ أبيض، ثمّة حكايات سوداء، أطبّاء نفسيّون ومعالجون يلبسون نظّارات توحي بحكمة ما، وعلى الطاولة معقّم يدين. يُفحص المرء كأنّه حشرة تحت العدسة، تُطهّر الأيدي، لكنّ الجرح يستمرّ بالنزف. حكايات لا يراها أحد. على المقلب الآخر يفيض المجتمع تفاهة وتسطيحًا، كلّ شخص تقابله قبل أن يصافحك، يطالعك بمعادلة “ضعفان نصحان”، يسلخ منك آدميّتك ويحوّلك إلى كائن مجرّد. كأنّك طاولة أو كرسيّ بالنسبة إليه. لكن حتّى الطاولة تنكسر، فكيف بالإنسان؟
علاج نفسيّ ونيتشه
معالجون يروّجون للـ False positivity (إيجابيّة مزيّفة) لكنّ كلماتهم تزيد من معاناتنا داخل حكايات نحملها على ظهورنا ونمشي كالسلاحف.
قرأت مرّة لنيتشه يقول: “أعِنْ نفسك أيّها الطبيب، لتتمكّن من إعانة مريضك، إنّ خير ما تبذله من معونة لهذا المريض هو أن يرى بعينه أنّك قادر على شفاء نفسك”. قبل أن تسأل: ما خطب المريض؟ نيتشه يسأل “من هذا الذي يعالِج؟”.
كتبت لعل الكتابة تكون دواء لي، ولمن يعاني من التنقّل من عيادة إلى أخرى بحثًا عن حياة حلوة، يُسمع فيها صوتنا وتُحترم معاناتنا.
كتبت لعل الكتابة تكون دواء لي، ولمن يعاني من التنقّل من عيادة إلى أخرى بحثًا عن حياة حلوة، يُسمع فيها صوتنا وتُحترم معاناتنا.
ما عبّرت عنه ليس سوى عيّنة من قصص كثيرة، لمعاناة يرويها مصابون بمشاكل نفسيّة واضطرابات، منها يستوطن منذ سنوات طوال، ومنها حالات زادت من أرقامها الحروب والأوضاع الاقتصاديّة والتفكّك الاجتماعيّ.
هذا ما حدث معهم
كُثُر رووا عن حكايات خرجت من العيادات أكثر تعبًا ممّا دخلت. فليست كلّ الأبواب التي تُغلق تفعل ذلك لكي تحمي.
سام (اسم مستعار) شاب في مقتبل العمر، فضّل عدم ذكر اسمه، مصاب بالوسواس القهريّ، يسرد تجربته مع طبيبه النفسيّ، يقول إنّه بعد أن طلب منه طبيبه النفسيّ تغيير جرعة دوائه، شعر بخوف كبير، وعند مراجعته أخذ الطبيب يسخر منه، ويصرخ عليه ويصفه بالـ “خوّيف”. يتابع سام لـ “مناطق نت”: “منذ ذلك الوقت توقّفت عن الذهاب إلى طبيبي، وبدأت برحلة بحث في بيروت عن طبيب نفسيّ مناسب”.
ما حصل مع سام ليس وحيدًا بالتأكيد؛ تحكي إحدى السيّدات عن تجربتها مع معالجتها النفسيّة، تصفها بأنّها مؤذية. تقول: “نصحتني المعالجة أن أتوقّف عن الذهاب إلى أماكن لا أحبّها ولا أشعر بالارتياح فيها. ابتسمتُ للنصيحة، وأخذتُها حرفيًّا كما تُؤخذ الوصايا التي تُقال دون أن يتوقّع قائلها أن تُطبَّق عليه.” تتابع لـ “مناطق نت”: “كانت عيادتها من تلك الأماكن التي أجلس فيها كغريبة عن نفسيّ، أعدّ الثواني، وأرتّب الكلمات مثلما يُرتَّب الأثاث في منزلٍ ليس لي. لم أكن أشعر بالارتياح، ولا بالصدق، ولا حتّى بالجنون النظيف الذي أبحث عنه.”
أختبئ من العالم
تضيف السيدة: “فعلتُ ما يجب على مريضةٍ مطيعة أن تفعله “توقفتُ عن الذهاب إليها. ربّما شُفيتُ قليلًا، وربّما بدأتُ علاجًا من نوعٍ آخر، أن أُصدّق إحساسي.” وتردف “أذكر أنّها كانت تنصحني بممارسة الرياضة وأنا في تلك المرحلة لم أكن أستطيع المشي، وكانت تأمرني بالضحك في ظلّ بكاء صامت يلازمني. كان اكتئابي آنذاك كفيل يجثم فوق صدري، لم أكن أستطيع وقتها أن أرتدي ثيابي “كأنّ القماش ثِقلًا إضافيًّا على جسد بالكاد يحتمل وجوده، ولا أن أتواصل مع أيّ مخلوق.”
تروي تلك السيدة حديثها بوجع، تقول: “اللغة كانت بعيدة، والأصوات حادّة، والوجوه مرايا لا أملك طاقة النظر فيها. كنتُ أختبئ من العالم كما يختبئ الجرح من الهواء، لا كرهًا بالحياة، بل تعبًا منها. كلّ حركة كانت قرارًا شاقًّا، وكلّ كلمة معركة مؤجّلة، فاخترتُ الصمت والابتعاد عن عيادتها، ليس هروبًا، بل محاولة أخيرة لمعانقة الحياة.”
ثمّة حالات متشابهة، لكنّها من نوعٍ آخر. إحدى الشابات أيضًا تقول إنّ معالجتها النفسيّة كانت تنظر إلى هاتفها كلّ الوقت، ولا تعيرها اهتمامًا، وكأنّ مشاعرها لا تُحترم ما زاد الوضع سوءًا”.
اللغة كانت بعيدة، والأصوات حادّة، والوجوه مرايا لا أملك طاقة النظر فيها. كنتُ أختبئ من العالم كما يختبئ الجرح من الهواء، لا كرهًا بالحياة، بل تعبًا منها.
من هو الطبيب المؤذي؟
“في أيّ حال نقول عن الطبيب النفسيّ بأنّه مؤذٍ؟”. هذا ما سألناه للطبيب وعالم النفس العياديّ مرام حكيم، الذي أشار إلى أنّه يمكننا أن نصف الطبيب النفسيّ بالمؤذي عندما يكون تشخيصه خاطئًا، وإذا ما أخطأ بالعلاج”. تابع لـ “مناطق نت”: “أيضًا نعتبره مؤذيًا في حال حصول ردّ فعل عكسيّ لا ينظر فيه، وفي وضعيّة وصف دواء من دون أن يُسأل المريض عن تاريخ الحالة الجسديّة التي يعاني منها”.
أمّا بالنسبة إلى المعالج النفسيّ وفي أيّ حالة نعتبره مؤذيًا، يجيب الطبيب حكيم، بأنّه عندما يعطي أملًا فائضًا للمريض، وعندما يقول له “ما باك شي”، بالإضافة إلى ذلك عندما يستخدم المعالج النفسيّ أساليب لكبت وضع المريض. إذ يجب أن يتعامل مع الخوف والقلق بطريقة علميّة”.
وشدّد الطبيب حكيم على أنّ “على المعالج عدم إدخال الشأن الدينيّ، أو الاجتماعيّ أو السياسيّ في العلاج، إلّا إذا استخدم ذلك في حالات خطيرة كالحياة أو الموت أو قرار خطير يخصّ المريض، بالإضافة إلى أنّه يجب على المعالج النفسيّ عدم إفشاء أسرار المريض، إلّا إذا تعلّق الأمر بحياته أو حياة شخص قريب منه بخطر”. وأضاف الطبيب حكيم أنّه “لا يجب على المعالج النفسيّ إطلاق الأحكام على المريض، وألّا يكون هو نفسه محور جلسة العلاج، متحدّثًا عن نفسه وإنجازاته”.
العلاج ليس سلطة
بين شهادات المرضى ورأي الطبّ النفسيّ، عيادات تهتمّ وتحتضن المشاكل النفسيّة وتبحث عن أسبابها، وسبل التخلّص منها، والتخفيف من آثارها المدمّرة في حالات كثيرة. فهناك على الضفّة الأخرى شهادات إيجابيّة لمرضى اعتبروا أنّ العيادة هي مكانهم الآمن الوحيد.
ولكي لا تتحوّل العيادة النفسيّة إلى مرطبانٍ محكم الإغلاق، يخنق مَن في داخله، على المريض أن يخرج ويقول ما رآه، وما تعرّض له، بلا خوف ولا تجميل. فالصمت هنا ليس شفاء، بل شراكة غير مباشرة في الأذى.
وكي لا يتفاقم المرض بدل أن يُشفى، على الطبيب النفسيّ أن يمارس مهنته بضمير حيّ وأخلاق واضحة، لا أن يُضاعف من حال مرضاه، ولا أن يحوّل العلاج إلى تجربة منفّرة، تدفع المرضى إلى الهرب من الجلسات، بدل الركض نحو التعافي.
العلاج النفسيّ ليس سلطة، ولا تجربة قمعٍ ناعمة؛ هو مسؤوليّة إنسانيّة، وأيّ خيانة لها تُضاعف الجرح بدل أن تداويه.



