مدارس جبيل تحتضن النازحين وحنين لا تسعه الغرف

لا يختلف المشهد هنا في ثانويّة جبيل الرسميّة عن غيره من المدارس التي تحوّلت إلى مركز إيواء ووجهة للنازحين الذين توزعوا في معظم مناطق لبنان، وذلك بحثًا عن الأمان الذي افتقدوه طوال أشهر بفعل الحرب التي لم تتوقّف يومًا منذ إعلان وقف إطلاق النار الهشّ في الـ27 من تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 والتي عادت لتتجدّد بقوّة فجر الثاني من آذار (مارس) الماضي، وتعيد مشهد النزوح إلى ما كان عليه، لا بل أشدّ قسوة ومعاناة هذه المرة.

في مراكز النزوح

“تضم ثانويّة جبيل الرسميّة 22 عائلة يبلغ تعدادها نحو 89 نازحًا توَزّعوا على 16 غرفة”، هذا ما قالته مديرة الثانويّة الأستاذة فيفيان أبي يونس لـ”مناطق نت” التي التقتها، موضِحة أنّ “وزارة الشؤون الاجتماعيّة تُرسل يوميًّا عاملات للإهتمام بنظافة الحمّامات والممرّات الخارجيّة، وقد تَم تعيين لجنة للاعتناء بمختلف أمور النازحين”. تضيف أبي يونس “هناك مَن يؤمّن الطعام للنازحين في الثانويّة، مثل جامعة AUT والشيخ أحمد اللقّيس، إضافة إلى تقديمات الجيش اللبنانيّ اليوميّة”. وتشير إلى أنّ “هناك سعيًا إلى إنشاء مطبخ كبير مجَهّز بمختلف الأدوات، كي تستطيع النساء تلبية حاجات النازحين اليوميّة من الطعام”.

عن الخدمات تشير إحدى النساء النازحات (فضّلت عدم الإفصاح عن اسمها) التي التقتها “مناطق نت” في باحة الثانويّة وهي تغسل الثياب يدويًّا إلى “أنّنا ما زلنا نغسل ثيابنا بأنفسنا، على الرغم من أنّ الإدارة وَعدتنا بأن تؤمّن لنا غسّالة أو غسّالتين في الأقلّ”.

أيضًا تقول إحدى الفتيات التي التقتها “مناطق نت” وفضّلت كذلك عدم ذكر اسمها: “خلال شهر رمضان الكريم، كانوا يؤمّنون لنا وَجبة طعام واحدة في النهار، وكنّا نضطرّ إلى أن نَطبخ على غاز صغير الحجم، ونَستحِمّ بالمياه الساخنة داخل حَمّامات الطابق الأرضيّ، حيث رَكّبت لنا بلدية جبيل جَرّتَي غاز مَوصولتَين بالحمّامات”.

مدرسة جبيل الرابعة الرسميّة

من ثانويّة جبيل الرسميّة إلى مدرسة جبيل الرابعة الرسميّة والتي تحوّلت إلى مركز إيواء أيضًا، انتقلت “مناطق نت”، حيث أكّدت مديرتها الأستاذة هويدا روكز أنّ “المدرسة تحتضِن 15 عائلة نزحت من ضاحية بيروت الجنوبيّة والنبطيّة وقضاء صور، ولقد بَلغ عديدها 58 شخصًا، بينهم 22 طفلًا و10 رجال والبقيّة من النساء”. تتابع روكز لـ”مناطق نت”: “وَزّعنا العائلات على سبع غرَف، وكَلّفنا أستاذ مدرسة من بلدة حَبّوش يُدعى محمّد، بأن يكون صِلة وَصل بينها وبين الإدارة”.

لدى سؤالنا عن تلبية طلبات النازحين اليوميّة المُلحّة، مثل الموادّ الغذائيّة والتدفئة والاستحمام، أكّدت روكز “أنّنا نؤمّن لهم وَجبات أكل ساخنة، وفي رمضان كانت مع بَلح وتَمر، وذلك من المطبخ الرئيسيّ التابع لجمعيّة LSR في قضاء جبيل ومن إحدى الجامعات الخاصّة”. وتشير روكز إلى “أنّنا أنشَأنا مَخزنًا للموادّ الغذائيّة والتنظيف والحاجات المُلحّة في غرفة كبيرة داخل مدرستنا، كذلك فإنّ بلدية جبيل قدّمَت لهم قَوارير غاز وفَرشات وحرامات، وعَيّنت حرّاسًا للسهر على سلامتهم”.

في أثناء وجودنا في المدرسة، توقّفَ “ڤان” كبير الحجم عند مدخلها، وتعاوَن أفراد من شرطة بلديّة جبيل مع بعض النازحين على حَمل المساعدات الغذائيّة منه وتوزيعها على النازحين. ولدى سؤالنا عن مصدر هذه المساعدات، قالت إحدى السيّدات من لجنة المرأة في بلديّة جبيل “إنّها تقدمة من جامعة AUT حالات وبلديّة جبيل”.

حكايا النازحين وهاجس العودة

في باحة المدرسة يمضي النازحون أوقاتهم في تتبّع الأخبار العاجلة من خلال هواتفهم. يتحدّث الشاب علي رضا بنّوت (25 سنة)، وهو نازح من بلدة زِفتا (النبطيّة)، عن الساعات التي عاشَها وعائلته المؤلفة من خمسة أشخاص للعثور على مركز إيواء، فيقول لـ”مناطق نت”: “بعدما وصَلنا بسيّارتنا إلى جبيل، توجّهنا إلى مدرسة “رَسول المَحبّة”، التي كنّا قد لجأنا إليها خلال الحرب السابقة، لكنّ المدرسة لم تكن مجهّزة لاستقبال العائلات النازحة”. يضيف “احتَرنا إلى أين نَلتجِئ، وأخذنا نُهاتف بعض الجمعيّات التي حَصلنا على أرقام هواتفها من المَارّة، وبقينا نصلّي إلى أن جاء شخص وأوصَلنا إلى مدرسة جبيل الرابعة الرسميّة”.

يتنهّد علي قبل أن يتابع حديثه عن رحلة النزوح فيقول: “في اليومَين الأوّلين كنّا نحاول النوم على بلاط غرفة مساحتها 14 مترًا مربّعًا، من دون فرشات ومخَدّات وأغطية، الآن تحسّنت حياتنا اليوميّة، إلّا أنّنا نتحَسّر على الرّخَاء الذي كان يُظَلّلنا في بلدتنا. كنّا نعيش في عِزّ، واليوم أصبَحنا نأكل وَجبات طعام مؤلّفة من رزّ وبطاطا، وأحيانًا فاصولياء وتَمر وموز وخبز”. يُضيف “يتمَلّكني هاجس الرجوع إلى زفتا، لذلك أهاتِف يوميًّا من تبقّى هناك. وأشعر أنّني مُكبَّل هنا، لا تلفزيون ولا إنترنت، مع أنّ الكهرباء متوَافرة على مدار الساعة”.

النازح علي رضا بنّوت: يتمَلّكني هاجس الرجوع إلى زفتا، لذلك أهاتِف يوميًّا من تبقّى هناك. وأشعر أنّني مُكبَّل هنا، لا تلفزيون ولا إنترنت، مع أنّ الكهرباء متوَافرة على مدار الساعة

يتمسّك علي بما قاله الإمام موسى الصدر عَن “ضَرورة العَيش المُشترك في لبنان، فنحنُ لجَأنا إلى منطقة ذات كثافة مسيحيّة، واستقبلونا بالترحَاب ولم تصدر عنهم أيّ إهانة ضدّنا، لذلك يجب علينا أن نتمسّك بالعَيش المشترك مهما قَسَت الحروب على وطننا”. ويتابع “أنا إنسان شيعيّ من الجنوب، لكنّني أحفرُ الصليب على يَديّ، وأطبَع فوقه أسماء الاثني عَشر إمامًا. ومن دون العيش المشترك لا أحد سيكون سعيدًا في لبنان…”.

أشتاق إلى جَلسات الجنوب المَرحة

يروي الأستاذ محمّد (رفض ذكر عائلته) وهو معلّم من بلدة حَبّوش، وربّ عائلة تتألّف من خمسة أولاد، حكايته مع النزوح قائلًا “في اليوم الأوّل اشترينا طعامًا من سوبّر ماركت جبيل وكان قد مَرّ علينا 14 ساعة من دون طعام. يتابع لـ”مناطق نت”: “نِمنا على بلاط الغرفة، وتغطّى أولادي الخمسة بحرام جَلبته معي من القرية، أمّا أنا فنمتُ من دون غطاء، واستخدمنا ثيابًا كوسائد تحت رؤوسنا بدلًا من المخدّات”.

عن كيفيّة تدبّر أمور عائلته يوضِح “بناءً على الاستمارات التي ملأناها، أرسلت إلينا الدولة بعض الأموال، وكان نصيب عائلتي منها 100 دولار فقط. وهذا المبلغ لا يكفينا مدّة يومَين”.

يتابع الأستاذ محمّد: “في بلدتي كنّا نعيش في بَحبوحَة، الآن نعيش في غرفة واحدة مساحتها 20 مترًا مربّعًا، نضع فيها فرشاتنا ومخدّاتنا وحراماتنا وثيابنا وأدوات الطبخ، وحتّى هذه الساعة ما زلنا ننام على أرضها”.

يتنهّد، ويختم حديثه بالقول: “لديّ حنين إلى بيتي، إلى ضيعتي وأبنائها. ومع أنّنا نتواصَل يوميًّا من خلال الـ‘واتساب‘، إلّا أنّني أفتقِد وجودهم حَولي، أشتاق إلى جَلساتنا المَرحة، إلى نِكاتنا وضحكاتنا التي كانت تملأ الأمكنة… أحبّ أن أتنزّه وعائلتي وَسط الطبيعة الغنّاء، أنّ نتنشّق هواء الجَنوب العَليل، أن نتحَلّق حَول الموائد العامرة. لذلك أتمنّى ألّا تطول غربتنا هنا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى