مشاتل التبغ.. مواسم محروقة وخسائر تلاحق المزارعين

في قرى الجنوب، لم تكن زراعة التبغ يومًا مجرّد نشاط اقتصاديّ استثنائيّ، بل شكّلت العمود الفقري لحياة كاملة تقوم على الأرض والعمل العائليّ والتوارث المهنيّ. غير أنّ الحرب الأخيرة لم تكتفِ بتهجير السكّان، بل اقتلعت أيضًا مواسم كاملة من جذورها، ودفعت بالمزارعين إلى مغادرة مشاتلهم وحقولهم في لحظة واحدة، تاركين خلفهم استثماراتهم وديونهم ومصدر رزقهم الوحيد.
بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار الهش في الـ 27 من تشرين الثاني (نوڤمبر) من العام 2024، ورغم الدمار الكبير الذي لحق بالقرى الحدودية، عاد جزء لا بأس به من أبناء تلك البلدات التي تُشكّل زراعة التبغ فيها الشريان الاقتصادي والزراعي الأول إلى زراعة التبغ، وتحديدًا في بلدات عيترون وحولا وبليدا وميس الجبل وبيت ليف، وعدد قليل في عيتا الشعب، وأيضًا في القرى الخلفية.
تبدأ حكاية التبغ من “المشتل”، حيث يقضي المزارعون أسابيع طويلة في إعداد الشتول، بين حراثة الأرض، وتسميدها، وحمايتها من العوامل الطبيعيّة. هذا الجهد، الذي يمتدّ إلى نحو شهرين، لا يختصر فقط تعبًا يوميًّا، بل كلفة ماليّة مرتفعة تُدفع مسبقًا، غالبًا عبر الاستدانة.
الحرب أطاحت بكل شيء
كمال إسماعيل عبّاس، مزارع تبغ في الـ68 من عمره، أمضى أكثر من 60 عامًا في هذه الزراعة. هذا الموسم، استدان نحو 2000 دولار لتحضير المشتل وشراء الأسمدة والمواد الكيماويّة. لكن مع اندلاع الحرب، انهار كلّ شيء دفعة واحدة. يقول: “زرعنا يومًا واحدًا فقط، وفي اليوم التالي بدأت الحرب. تركنا كلّ شيء في الأرض”. لم يخسر عبّاس محصوله وحسب، بل خسر أيضًا الأموال التي استثمرها قبل أن تبدأ الزراعة فعليًّا، أيّ في المرحلة الأكثر كلفة.
هذه الخسارة لا تقاس فقط بما ضاع من محصول، بل بما سبق ذلك من تحضيرات. فالمزارعون الذين نزحوا لم يتمكّنوا حتّى من استكمال دورة الإنتاج، ما يعني أنّهم دفعوا الكلفة كاملة من دون أيّ مردود. في الظروف الطبيعيّة، ربّما يصل دخل عبّاس السنويّ من التبغ إلى نحو 15 ألف دولار، يتبقّى منها ما بين 8 و9 آلاف بعد اقتطاع الكلف. أمّا هذا العام، فتحوّل كل ذلك إلى خسارة صافية.
التعويضات التي قُدّمت لم تغيّر كثيرًا في المعادلة. إذ حصل عبّاس، عبر رخصتيه، على نحو 800 دولار فقط، وهو مبلغ لا يغطّي حتّى جزءًا بسيطًا من كلفة الموسم. “لا تساوي شيئًا”، يقول، “لكنّها أفضل من لا شيء”.
ضياع الموسم والدخل
حال عباس ليست استثناءً. في عيترون وحدها، مئات المزارعين، عشرات منهم يعتمدون بشكل شبه كامل على مدخول التبغ. هؤلاء لم يخسروا موسمًا واحدًا فقط، بل دخلهم السنويّ كاملًا، في ظلّ غياب أيّ بدائل اقتصاديّة حقيقيّة. فزراعة التبغ، بطبيعتها، تحتاج إلى عمل جماعيّ من العائلة، ولا يمكن تعويضها بسهولة في وظائف أخرى، بخاصّة في قرى تفتقر إلى فرص العمل.
الخسارة تتضاعف حين تكون الزراعة متنوّعة. هناء نصرالله، التي تزرع نحو ثلاثين دونمًا من التبغ، إلى جانب محاصيل أخرى كالبامية والسمسم والحمّص والقمح، وجدت نفسها مضطرّة إلى ترك أراضيها كلّها. “بقي جزء كبير من الموسم في الأرض”، تقول، “ولا نعرف كيف سنعيش”. بالنسبة إليها، كما كثيرين، لم تكن الزراعة مجرّد مصدر دخل، بل نظام حياة متكامل يوفّر الاكتفاء الذاتيّ. اليوم، ومع النزوح، سقط هذا النظام دفعة واحدة.
لا تقف الخسائر عند حدود الأرض. بعض المزارعين حاولوا التخفيف من وقع الكارثة بطرق بديلة، كشراء محاصيل من غيرهم لتعويض جزء من الإنتاج، لكن حتّى هذه المحاولات باءت بالفشل، في ظلّ الفوضى الأمنيّة، حيث سُرقت محاصيل وخسر أصحابها أموالهم، ليجدوا أنفسهم مضطرّين إلى تعويض الآخرين من جيوبهم.
خسارة اقتصاديّة مركّبة
إلى جانب الخسارة الاقتصاديّة، يعيش هؤلاء المزارعون نزوحًا قسريًّا مستمرًّا. كثيرون لم يتمكّنوا من العودة إلى قراهم، سواء بسبب الدمار أو المخاطر الأمنيّة. المنازل تضرّرت، الأحياء دُمّرت، والحقول تُركت من دون عناية، ما يهدّد حتى المواسم المقبلة، وليس الموسم الحالي وحسب.
في هذا المشهد، تبدو الخسارة مركّبة: رأس مال ضائع، ديون متراكمة، ومصدر رزق متوقّف بالكامل. ومع غياب سياسات دعم فعّالة أو تعويضات عادلة، يجد مزارعو التبغ أنفسهم أمام مستقبل غامض، حيث لا الأرض متاحة، ولا البدائل موجودة.
ومع ذلك، يبقى الأمل معلّقًا على العودة. بالنسبة إلى هؤلاء، لا تعني الأرض مجرّد ملكيّة، بل هويّة وحياة. وكما يختصر كمال عبّاس المشهد: “لا نريد شيئًا… فقط أن نعود إلى أرضنا، والله يعوّض علينا”.



