مكالمات الإخلاء.. من هندسة الخوف إلى التهديد والاختراق

فجر الإثنين الماضي، باغتني اتّصال من الجيش الإسرائيليّ يُنذرني بالإخلاء. كنت قد وصلت للتوّ إلى إحدى مناطق جبل لبنان، حيث المنزل يعجّ بالأقارب الذين اضطرّوا إلى النزوح. بعد الاتصال وجدت نفسي أمام ضرورة اتّخاذ القرار: هل يجب أن نرحل مجدّدًا؟ وهل التهديد يشملنا هنا أم يقتصر على بيوتنا الأولى؟ والأصعب كان: كيف سأخبر كلّ هؤلاء بعد ساعات أمضوها على الطريق أنّه علينا الإخلاء مجدّدًا؟ في تلك اللحظة، اتّخذت قرارًا هو أشبه بمقامرة على الأرواح. أقنعت نفسي بأنّنا لسنا أهدافًا مباشرة وأنّه اتّصالٌ عشوائيٌّ، من عدوٍّ لم ولن يوفر أحدًا.

بعدها، بدأت الأخبار تتوالى عن الاتّصالات التهديديّة التي يتلقّاها اللبنانيّون، وبالصوت المسجّل نفسه. الأمر الذي أعاد إلى الأذهان ما حدث خلال حرب العام 2024 وبعدها، حين انتشرت أيضًا اتّصالات مشابهة، كان بعضها تهديداتٍ حقيقيّةً، وبعضها غوغائيًّا، والآخر مفبركًا. لكنّ اللافت هذه المرّة أنّ الأرقام التي اتّصلت بالهواتف كانت لبنانيّة، ولم تقتصر على الأرقام الأجنبيّة وحسب.

اتّصالات الإخلاء: التخويف كاستراتيجيّة

يروي قاسم القاق تفاصيل حادثة إنذار تلقّاها جيرانه في دير قوبل عبر اتّصال هاتفيّ. يقول القاق إنّ الجيران طرقوا باب منزلهم ليلًا بينما كانوا نائمين، بعدما تلقّوا اتّصالًا تحذيريًّا، ما أثار حالًا من القلق في المكان. يتابع لـ “مناطق نت”: “حصلنا على الرقم الذي صدر عنه الاتّصال، وتواصلنا مع الأمن العام لإبلاغه بالأمر. وبعد التحقّق الأوّليّ، تبيّن أنّ الرقم بريطانيّ المصدر، وأنّ الاتّصال أُجري من خارج لبنان. وبناءً على ذلك، خرجنا من المنزل وأمضينا قرابة الساعة في خارجه كإجراء احترازيّ”.

ويشير القاق إلى أنّ البلدية تدخّلت أيضًا في تلك الليلة، إذ حضرت إلى المكان وأغلقت الطريق لبعض الوقت تحسّبًا لأيّ طارئ، قبل أن يعود السكّان إلى منازلهم لاحقًا.

ويرجّح القاق أن يكون الاتّصال عشوائيًّا وهدفه التحريض وإثارة الذعر بين الناس. ويضيف أنّ الخوف الذي عاشه الناس في تلك اللحظات كان مفهومًا في ظلّ الظروف، يقول: “لم نتعرّض لشيء مباشر، لأنّ خوف الناس في تلك الأوضاع كان مبرّرًا”.

كيف تبلغ هذه المكالمات اللبنانيين؟

يشرح عبد قطايا، مدير برنامج الإعلام ومدير مشروع حوكمة الإنترنت في منظّمة “سمكس”، أنّ الرسائل والمكالمات التهديديّة التي يتلقّاها بعض اللبنانيّين ربّما تعتمد على أكثر من آليّة تقنيّة، تبدأ من سهولة الوصول إلى بيانات المستخدمين.

يتابع لـ “مناطق نت”، أنّ “أرقام الهواتف في لبنان متاحة للشراء إلى حدّ كبير لأغراض الدعاية والإعلان، كذلك فإنّ جزءًا كبيرًا من بيانات المواطنين مكشوف عبر سجلّات رسميّة مثل بيانات هيئة إدارة السير والمركبات أو قوائم الناخبين العامّة. وبناء على ذلك، قد يكون سبب تلقّي شخص رسالة تهديد ببساطة أنّ رقم هاتفه يقع ضمن نطاق جغرافيّ معيّن جرى استهدافه”.

ويضيف قطايا أنّ “من بين الأساليب المستخدمة أيضًا تقنية تزييف أو إخفاء هويّة الرقم Spoofing /Masking، والتي تسمح بإظهار المكالمات وكأنّها صادرة من أرقام لبنانيّة، بينما يكون مصدرها الحقيقيّ مختلفًا، في محاولة لإخفاء الجهة الفعليّة التي تقف خلف الاتّصال”.

قطايا: الرسائل والمكالمات التهديديّة التي يتلقّاها بعض اللبنانيّين ربّما تعتمد على أكثر من آليّة تقنيّة، تبدأ من سهولة الوصول إلى بيانات المستخدمين

ويشير إلى أنّ “بعض الرسائل الصوتيّة التهديديّة تُرسل عبر تسجيلات آليّة باستخدام شركات اتّصالات دوليّة، ما يجعلها تبدو وكأنّها واردة من دول أخرى”. ويلفت قطايا إلى “احتمال وصول رسائل تهديد عبر تطبيقات مثل “واتساب” و”تلغرام “من أرقام وهمّية ربّما تبدو لبنانيّة. ويوضح أنّ هذه الحسابات يمكن إنشاؤها باستخدام خطوط هاتف تُشترى عبر الإنترنت، ثمّ تُستخدم لإرسال رسائل تهديد بشكل عشوائيّ إلى أرقام تقع ضمن مناطق جغرافيّة محدّدة”.

ويطرح قطايا أيضًا مسألة اعتراض الإشارات عبر الطائرات المسيّرة، إذ تستطيع بعض الطائرات الإسرائيليّة التقاط الإشارات المتبادلة بين الهواتف وأبراج الاتّصالات، ومن خلال ذلك يمكن جمع أرقام الهواتف الموجودة ضمن نطاق تغطية معيّن ثمّ استخدامها لاحقًا لإرسال مكالمات أو رسائل إلى تلك الأرقام.

شائعات الإخلاء والحرب النفسيّة

الصحافيّة فالنتين نسر، من سكّان عين الرمّانة، تقول في حديث لـ “مناطق نت” إنّ خبر الإخلاء الذي كان قد انتشر مستهدفًا نقطة الدفاع المدنيّ في عين الرمّانة، وصل إلى السكّان عبر مصادر غير واضحة.

وتوضح أنّ المعلومات بدأت تنتشر في مجموعات واتساب بين سكّان الحيّ. وتضيف أنّ الخبر أثار حالًا من القلق بين السكّان، فبادر بعضهم إلى إغلاق محالهم التجاريّة والمغادرة.

وتشير إلى أنّهم قرّروا التوجّه إلى ساحة الشهداء باعتبارها منطقة مفتوحة نسبيًّا وبعيدة من المباني الزجاجيّة في حال وقوع ضربات قويّة، موضحة أنّهم بقوا هناك نحو أربع ساعات في انتظار اتّضاح الصورة قبل أن يعودوا.

وتوضح نسر أنّ أحد الجيران نقل لها أنّ ثلاث عائلات نازحة غادرت الحيّ بعد الحادثة. وتلفت إلى أنّ ما جرى بدا في النهاية أقرب إلى إشاعة لا يُعرف مصدرها، مرجّحةً أنّها أطلقت لإثارة الخوف بين الناس، معتبرة أنّ مثل هذه الأخبار قد تندرج في إطار الحرب النفسيّة التي تستهدف المدنيّين.

كيف نتعامل مع المكالمات المشبوهة؟

في هذا السياق، نشرت “سمكس” مجموعة من الإرشادات للتعامل مع الرسائل والمكالمات التهديديّة أو المشبوهة. وتشدّد المنظّمة على ضرورة عدم معاودة الاتّصال بالأرقام، كما تنصح بتجنّب إرسال رسائل نصّيّة إليها. وفي حال تلقّى المستخدم مكالمة مشبوهة وردّ عليها عن غير قصد، توصي بعدم الضغط على أيّ أرقام على لوحة الاتّصال أثناء المكالمة. كذلك تشجع على محاولة تسجيل المحادثة إن أمكن بهدف التحقّق منها لاحقًا ومشاركتها مع الجهات المعنيّة عند الحاجة، إضافة إلى ضرورة الإبلاغ عن أيّ مكالمات أو رسائل نصّيّة مشبوهة لدى السلطات الأمنيّة المختصّة للتحقّق من صحّتّها.

نزوحٌ بلا وجهة

لم يكن نزوح مريم حمّود من شيحين إلى صور كافيًا ليمنحها الأمان، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى خوض التجربة مرّة أخرى. “لم نكن نريد الرحيل”، بهذه الكلمات تلخّص مريم تمسّكها بالجنوب قبل أن يصل اتّصال التهديد إلى جيرانها ويجبرها على المغادرة القسريّة مرّة جديدة.

وفي ظلّ الازدحام وضيق الوقت، غادرت مريم بما خفّ حمله، تاركةً خلفها استقرارًا موقّتًا لتواجه طريقًا طويلًا لم تكن تعرف نهايته، ولا الوجهة التي ستحطّ فيها رحالها.

تقول: “أخذنا ما تيسّر فقط. عندما غادرنا لم تكن لدينا وجهة محدّدة، ولم نكن نعرف إلى أين سنصل ولا إلى أين سنذهب”.

ما حصل مع القاق والزميلة نسر وحمّود ما هو إلا نماذج قليلة من عشرات لا بل مئات الاتّصالات التي تبدأ فجأة باقتحام هواتف اللبنانيّين، وهي تشكّل حال قلق يوميّ لا تزال السلطات اللبنانيّة تتعامل معها بإجراءات لا تتناسب مع حجمها، الذي أصبح يشكّل حربًا أخرى تُرهق نفوس اللبنانيّين وتزيد من معاناتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى