موسم ماء الزهر في الجنوب.. عطر يعاند رائحة البارود

في الجنوب، لا يمرّ آذار كعادته؛ فالعطر الذي كان يملأ المدى بات يصارع دخان القذائف. بين بساتين الحمضيات في مغدوشة وقرى صور، تقف أشجار الـ “أبو صفير” النارينج، شاهدةً على معركة صامتة، حيث تحاول النسوة استخلاص قطرات ماء الزهر من قلب الخوف، في موسمٍ لم يعد فيه التحدي طقساً مناخياً فحسب، بل سباقاً مع الموت لإنقاذ إرثٍ زراعي وهويّةٍ مهددة.
هي محاولةٌ شاقة أيضاً لإنقاذ مورد رزقٍ أساس لآلاف العائلات، وبخاصّة سيّدات البيوت اللواتي يجدن في “تقطير الزهر” مساحةً للعمل والإنتاج الصامد من داخل منازلهنّ أو عبر التعاونيات الزراعية، ليتحول “ماء الزهر” هذا العام من مؤونة شتويّة إلى رسالة بقاءٍ اقتصادي تحت النار.
هذا الموسم الذي ارتبط تاريخيًّا بالفرح واللون الأبيض والعطر الفوّاح، جاء مثقلًا هذه السنة بالحرب وتداعياتها، وتقلّبات الطقس، ليصبح بالنسبة إلى العاملين فيه سباقًا وتحدّيًا للخوف والزمن معًا.
رائحة الحرب تتجاوز الزهر
في بلدة العبّاسيّة (صور)، تقول باسمة زين، رئيسة الجمعيّة التعاونيّة للتصنيع الغذائيّ لـ “مناطق نت” إنّ “البساتين في قضاء صور باتت تحت الخطر، الأمر الذي حال دون الوصول إلى تلك البساتين وقطاف الزهر، بالإضافة إلى نزوح سيّدات عاملات في تقطيره، ما عطّل دورة الإنتاج لهذا العام”. وتوضح زين أنّ “الموسم يشكّل عنصرًا مهمًّا في المؤونة البيئيّة إلى جانب أصناف أخرى من المقطّرات، ويُعدّ مصدر دخل داعم لعديد من العائلات، حتى وإن لم يكن موردًا وحيدًا”.
في بلدة معركة، تشير فريال سعد إلى أنّ صمودها في قريتها لم يكن كافيًا لإتمام عملها في تحضير ماء الزهر، إذ إنّ ظروف الحرب وتوخّي الحذر في حركة التنقّل حالا دون ذلك، إضافة إلى تعذّر تأمين الزهر حتّى من مغدوشة، التي اعتادت شراء كميّات كبيرة منها، نتيجة الصعوبات نفسها.
باسمة زين: البساتين في قضاء صور باتت تحت الخطر، الأمر الذي حال دون الوصول إليها وقطاف الزهر، بالإضافة إلى نزوح سيّدات عاملات في تقطيره، ما عطّل دورة الإنتاج لهذا العام.
حكايات تلاحق الموسم
من جهتها تقول زهراء الحسيني المقيمة في بلدة معركة (صور)، إنّها لم تتمكّن من الوصول إلى أرضها وقطاف الزهر، على رغم صمودها في البلدة، وبالتالي تخشى ضياع الموسم مع تقدّم الأيّام.
يختلف الوضع مع ابنة دير قانون النهر (صور) زينب الحسيني النازحة إلى البرغليّة قضاء صور، فهي تحدّت المخاوف، وعلى رغم المخاطر قطفت لها عائلتها ما تيسّر من الزهر من بساتين ساحل صور والعبّاسيّة. تقول الحسيني لـ “مناطق نت”: “قبل سنوات الحرب كنت أقوم بتقطير كمّيّات كبيرة من ماء الزهر، وأشارك في المعارض، أمّا اليوم فقد اقتصر الأمر على إنتاج كمّيّة قليلة”. وتوضح الحسيني “قمت بذلك ليس بهدف مادّيّ على رغم أهمّيّته في رفد مستوى الوضع المعيشيّ، إنّما كإرث متوارث وتقليد سنويّ مهمّ بالنسبة إليّ”. تضيف الحسيني “في الأقلّ أسعدني أنّني تمكّنت من فعل شيء أحبّه وسط حال الحرب والخطر والخوف، ونتيجة ذلك سأتمكّن في الأقلّ من تلبية زبائني من العائلة والمقرّبين وبسعر مقبول نسبيًّا كما جرت العادة”.
شهادات من وجع النزوح
خسارة الموسم في المناطق الساخنة في الجنوب كانت حتميّة بسبب تجدّد الحرب. تعبّر فاطمة سرحان لـ “مناطق نت” عن حسرتها لضياع الموسم بعد نزوحها من بلدتها العبّاسيّة إلى بيروت، إذ كانت تخطّط لإنتاج كمّيّة من ماء الزهر. وفي هذا الصدد تقول فاطمة “الناس بتحبّه من إيدي”، مستذكرة زوجها الذي توفّي من مدّة قريبة وكان يساعدها في القطاف. تؤكّد فاطمة أنّ هذا العمل بالنسبة إليها “حبّ وشغف” إلى جانب مردوده المادّيّ.
موسم هشّ بين الطقس والحرب
يختلف واقع الموسم في بلدة عبرا شرق صيدا عن غيره من المناطق الأخرى. تتحدّث ابنة البلدة ابتسام خوري عن علاقتها في تحضير ماء الزهر، فتقول إنّه “على الرغم من أنّ إنتاج العائلة منه قليل نسبيًّا، لكنّه يحمل قيمة كبيرة”. تشبّه خوري شجرة النارينج بالزيتون، فكلاهما بالنسبة إليها مصدر مهمّ في التصنيع الغذائيّ ورثه الأبناء عن الأجداد، فهم حوّلوا كلّ جزء منه إلى منتج له فوائده. وتُعدّد خوري ما نستطيع تحضيره من زهر الـ “أبو صفير”: من ماء الزهر، إلى المربّى والعصائر وأيضًا استخدامه في الحلويّات، وصولًا إلى الاستخدامات الطبّيّة.
تشرح خوري أنّ “إنتاج الشجرة الواحدة من الأبو صفير (في حال كانت معمّرة) يصل إلى خمسين قارورة سعة 500 ملّيلتر”. ووفق خوري فإنّ “كلّ كيلو زهر أبو صفير ينتج قارورة واحدة”. تستعين خوري بالمثل القائل “بحصة بتسند خابية”، فتحضير ماء الزهر وبيعه “يساهم في دعم دخل الأسرة إلى جانب أصناف أخرى من المؤونة المنزليّة” .
تشبّه خوري شجرة النارينج بالزيتون، فكلاهما بالنسبة إليها مصدر مهمّ في التصنيع الغذائيّ ورثه الأبناء عن الأجداد
على الرغم من أنّ موسم زهر الأبو صفير قصير نسبيًّا، إلّا أنّه كان أكثر هشاشة هذا العام، فالموسم يبدأ عادة في آذار وقد يمتد إلى نيسان (أبريل) كأبعد تقدير، إذا كانت الأشجار مزروعة في مناطق مظلّلة أو محجوبة نسبيًّا عن الشمس. كذلك فإنّ الزهر يتأثّر في عوامل الطقس مباشرة، إذ إنّ الحرّ يسرّع في تفتّحه، والبرد يضعف جودته، فيما تزيد رياح الخماسين من حساسيّة القطف الذي يتطلّب دقّة وسرعة. ومع ارتفاع الحرارة المفاجئ لأسبوع واحد، يرتفع الضغط على القطاف، والذي ترافق هذا الموسم مع نقص اليد العاملة بسبب نزوح قسم كبير من الأهالي والعاملين في القطاع الزراعيّ إلى مناطق أكثر أمانًا .
إلى جانب ذلك شكّلت خطورة التنقّل عائقًا إضافيًّا، ما أدّى إلى خسارة عديد من المزارعين والأهالي مواسمهم أو وجدوا صعوبة في تصريف إنتاج من قطف كمّيّات كبيرة على أمل بيعها .
مغدوشة: إنتاج أقلّ وأسعار أعلى
في مغدوشة (صيدا)، التي تُعرف بعاصمة زهر الليمون، يشرح آلان قطّان، صاحب شركة للإنتاج الغذائيّ، “أنّ الموسم تأثّر كثيرًا بعوامل الطقس المتقلّب سريعًا، وتغيُّر المناخ خلال عامين متتاليين، ما أدّى إلى تراجع الإنتاج من نحو 100 طنّ في السنوات السابقة، إلى ما يقارب الـ 30 طنًّا فقط” بحسب تقديره هذا العام.
يتابع قطّان لـ “مناطق نت”: “على الرغم من الأوضاع الصعبة، نستمرّ في عمليّات التقطير وذلك لتفادي الخسائر”. يضيف قطّان “نقطّر يوميًّا طنًّا واحدًا، وذلك بسبب تأثّر السوق في الظروف التي فرضتها الحرب، إذ لم يتمكّن الزبائن في الجنوب والبقاع من الوصول إلى مغدوشة لشراء الزهر”، مشيرًا إلى أنّ “سعر الكيلوغرام ارتفع من ثلاثة إلى خمسة أو ستّة دولارات، الأمر الذي سينعكس تلقائيًّا على سعر ماء الزهر في السوق”. ويعبّر قطّان عن قلقه من المخاطرة والاستثمار بالإنتاج في ظلّ ظروف غير مستقرّة.
ضعف القطاع أمام الأزمات
على رغم محاولات عديدة لإنقاذ الموسم من خلال التعويض عبر شراء الزهر من مناطق أخرى، يبقى عامل الوقت، المكان، والنزوح والحرب والكلفة عوائق كبيرة. وبين من نزح بعيدًا من بيته ورزقه ومن بقي صامدًا، ومن خسر الموسم ومن حاول إنقاذه، تتقاطع التجارب جميعها عند نقطة مهمّة وهي: هشاشة هذا القطاع أمام الأزمات.
بين قسوة الحرب وتقلّبات المناخ وتوخّي الحذر والسرعة والدقّة، يقف موسم زهر النارينج في جنوب لبنان على حافّة الخسارة، مهدّدًا ليس فقط مصدر رزق عائلات ومزارعين يعيشون من إنتاجه، بل إرثًا زراعيًّا متجذّرًا منذ عقود طويلة في الحياة اليوميّة للأهالي.
ومع ذلك، تبقى هذه الشجرة، بما تمثّله من صمود وخير، شاهدة على قدرة الناس على التمسّك بأرضهم وإنتاجهم، وعاداتهم المتوارثة ولو في أحلك الظروف.
بسبب الحرب، لن يكون هذا الموسم كالمواسم التي سبقته، لكنّه يكشف بوضوح حجم التحدّيات التي تواجه الزراعات الصغيرة، والاقتصاد المنزليّ للسيّدات في الجنوب. وبينما تنتظر العائلات نهاية الحرب سريعًا، يبقى الأمل بأن تعود رائحة الزهر لتملأ القرى من جديد، كقيامة لمواسم ضاعت بسبب الحروب وربّما بشرى بحياة تستعاد تدريجًا.



