الجنوبُ.. حكايات ممن بقوا تحت النار

“ما في مكان نروح عليه، بموت بالبيت أحسن”، هذا ما كتبته الشابّة بتول حمدان قبل استهدافها وعائلتها في منزلها. بتول استشهدت مع طفليها وعدد من أفراد عائلتها في غارة اسرائيليّة على بلدة النميريّة في الجنوب.

مع استئناف الحرب التي لم تتوقّف أصلًا، عادت طائرات الموت الاسرائيليّة لاستهداف القرى في الجنوب، ومع تلك الاستهدافات تتحوّل البيوت الآمنة إلى أهداف مشروعة في قاموس الاحتلال، ليرتفع معها عدّاد الضحايا، حيث سُجل سقوط عائلات بأكملها بعد عودتها إلى منازلها أو اضطرارها للبقاء فيها، لا لشيء إلّا لأنها لم تجد لها مكانًا تلجأ إليه، أو لأنّها لا تملك بدل إيجار شقّة في ظلّ الارتفاع الجنونيّ لأسعار الإيجارات، فيصبح انعدام الخيارات سيفًا مسلّطًا على رقاب هؤلاء، إلى جانب آلة القتل الإسرائيليّة.

“لم نجد مكانًا نذهب إليه”

تروي زهراء خليل، من سّكان بلدة كفرتبنيت قرب النبطية، تجربة النزوح التي عاشتها عائلتها مع تصاعد التهديدات والقصف في المنطقة، وكيف تحوّل البحث عن سقف آمن إلى رحلة مجهولة.

تقول زهراء إنّ “التهديدات بدأت منذ الأيّام الأولى للتصعيد، عندما وصلت رسائل تحذير إلى سكّان البلدة”. تتابع لـ “مناطق نت”: “في اليومين الأوّلين أرسلوا تهديدات إلى جيراننا، وقالوا إنّه يجب أن نخلي البيوت”. وتضيف “حاولنا المغادرة في اليوم الأوّل، لكنّنا لم نجد مكانًا نذهب إليه، فبقينا في المنزل.”

ولكن مع اقتراب القصف من البلدة وارتفاع وتيرته، اضطرّت العائلة إلى الرحيل بشكل عاجل. “في اليوم الثالث بدأ القصف يقترب منّا، فغادرنا فورًا. وضعنا أغراضنا في السيّارة عند الساعة الخامسة فجرًا وغادرنا.”

وتشير زهراء إلى أنّ المشكلة لم تكن في ارتفاع بدلات الإيجارات وحسب، بل في غياب الخيارات أساسًا أمام العائلات النازحة. وتوضح أنّهم لجأوا بدايةً إلى بلدة قريبة على أمل أن يهدأ الوضع. تقول: “بقينا هناك بضع ساعات ننتظر لنرى إن كانوا سيقصفون المنزل أم لا، ومن ثمّ قرّرنا العودة”، لكن بعد اتّساع تحذيرات القرى الجنوبيّة لتشمل البلدة بأكملها، لم يعد البقاء ممكنًا”.

زهراء خليل: المشكلة لم تكن في ارتفاع بدلات الإيجارات وحسب، بل في غياب الخيارات أساسًا أمام العائلات النازحة

وتستعيد زهراء لحظة النزوح الثانية قائلة: “جلسنا في البداية على الطريق، على الرصيف. ووجدنا أشخاصًا من البلدة أيضًا سبقونا إلى هناك”. وتضيف: “كان بعضهم قد أمضى ثلاث ليالٍ ينام داخل السيارات.”

وعن صعوبة الوصول إلى مراكز الإيواء، توضح “أرشدونا إلى مدرسة في عرمون، لكن عندما وصلنا بقينا أمام المدرسة ولم يوافقوا على فتح البوّابة قبل صدور قرار من الوزارة باستقبال النازحين.”

وبعد ساعات من الانتظار، تمكّنت العائلة من إيجاد مأوى موقّت لدى معارف. إلّا أنّ البحث عن سكن بقي صعبًا، في ظلّ الارتفاع الكبير في الأسعار. وتقول زهراء: “كانت الإيجارات مرتفعة جدًّا، ولم نجد ما يقل عن 700 أو 800 دولار، وحتّى ألف دولار، لشقق وبيوت لا تصلح للسكن”.

عودة اضطراريّة والخطر قائم

يتحدث حسن ف. الذي يتنقّل بين قرى الجنوب بحكم عمله، عن واقع القرى الجنوبيّة بعد موجات النزوح الواسعة، مشيرًا إلى أنّ المشهد يختلف من منطقة إلى أخرى، وبين قرى خلت من سكّانها وأخرى بقي فيها عدد محدود منهم.

ويقول إنّ القرى الأقرب إلى الحدود أصبحت شبه خالية من السكان، موضحًا “القرى الحدوديّة فارغة من السكّان تمامًا، وحتّى الطرقات والإمدادات انقطعت عنها”.

وعلى رغم ذلك، لا تزال بعض القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني تشهد وجودًا محدودًا للسكّان. فيشير إلى أنّه “في قرى مثل معركة والعبّاسيّة وبرج رحّال وطورا لا يزال فيها بعض السكّان، لكنّ الأعداد محدودة ومتفاوتة.”

وبحسب حسن، فإنّ أحد الأسباب الرئيسة لبقاء بعض العائلات في هذه المناطق يعود إلى عجزها عن إيجاد بديل. ويقول: “بعض الناس لم يجدوا مكانًا يذهبون إليه، ولم يتمكّنوا من العثور على منزل للإيجار، فبقوا في بيوتهم.”

نزحت ثمّ عادت

ويوضح أنّ بعض العائلات التي نزحت عادت لاحقًا إلى قراها، ليس بسبب تحسّن الأوضاع الأمنيّة، بل نتيجة غياب الخيارات المتاحة. ويوضح “هناك عائلات عادت لأنّها لم تجد مأوى، أو لأنّها لم تستطع دفع إيجار منزل بالأسعار المرتفعة جدًّا، لكنّ هؤلاء ما زالوا تحت الخطر في ظلّ استهداف المدنيّين بشكل يوميّ وتزايد أعداد الشهداء”.

وينقل حسن ما يسمعه من بعض العائدين قائلًا “الناس يقولون: لا مأوى لنا، ولا مكان نذهب إليه، ولا نريد أن ننام في الشوارع. لذلك عدنا إلى بيوتنا، حتّى لو كان الموت فيها.”

وعلى رغم عودة عدد من السكّان في بعض القرى، يؤكّد حسن أنّ الحركة داخل عديد من القرى لا تزال محدودة جدًّا. ويضيف “حتّى التجمعات الصغيرة باتت تُستهدف”.

بين التمسّك وانعدام الخيارات

تقول زينة طرّاف، من بلدة النجّاريّة (الزهراني- صيدا) الواقعة في قضاء الزهراني، إنّهم اضطرّوا إلى مغادرة البلدة لفترة قصيرة بعد صدور التحذيرات، قبل أن يعودوا إليها في اليوم التالي.

وتوضح زينة لـ “مناطق نت” أنّها اختارت البقاء في منزلها، لسببين أساسيّين: التمسّك بالبيت وصعوبة إيجاد مكان بديل. وتقول: “لا أريد المغادرة لأنّني لا أريد ترك منزلي. كذلك ليس لديّ مكان ألجأ إليه”.

تعيش زينة في البلدة مع والدتها، فيما تقيم شقيقتها في صيدا. وتروي أنّها حاولت التوجّه إليها في البداية، لكنّ صاحب المنزل الذي تستأجره شقيقتها لم يكن موافقًا على استقبال أشخاص نازحين. وتوضح أنّ “صاحب المنزل أفادنا بإنّه لا يريد أن يأتي أشخاص من الجنوب إلى المنزل”.

عائلة استشهدت لأنّها لم تجد مأوى

تتحدّث الناشطة السياسيّة ومؤسّسة مبادرة “بيتي بيتك”، نعمت بدر الدين، لـ “مناطق نت”، عن أزمة النزوح المتفاقمة من جنوب لبنان والضاحية الجنوبيّة لبيروت، مشيرةً إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على القصف، بل تمتدّ أيضًا إلى عجز العائلات عن إيجاد مأوى مناسب.

وتلفت إلى أنّ شبكات من المتطوّعين والجمعيّات حاولت تنظيم استقبال النازحين عبر مبادرات نشأت أساسًا بعد أزمات سابقة.

وتشير بدر الدين إلى أنّ الأزمة الأساسيّة اليوم لا تقتصر على نقص الموارد، بل ترتبط أيضًا بغياب قرار سياسيّ واضح لفتح مراكز الإيواء. وتضيف “المشكلة ليست في اللوجستيّات فقط، فهناك مدارس جاهزة أصلًا، لكن القرار بفتحها غير موجود.”

وتكشف أّن بعض هذه المدارس كانت تستخدم سابقًا، لكنّها بقيت مغلقة على رغم الحاجة الملحّة إليها. وتوضح “هناك مدارس كانت مفتوحة سابقًا للاجئين السوريّين وفيها مياه وكهرباء، لكنّها لا تزال مغلقة حتّى الآن أمام النازحين الجنوبيّين.” علمًا أنه وفقًا لوحدة إدارة الكوارث، بلغ العدد الإجماليّ للنازحين المسجّلين حتّى الـ 15 من آذار (مارس) الجاري نحو831,002  نازح. ومن بين هؤلاء، يقيم130,715  شخصًا فقط في620  مركز للإيواء تم فتحه.

غياب خطّة طوارئ

وبحسب بدر الدين، فإنّ تجهيز مراكز الإيواء لا يتطلّب إمكانات كبيرة كما يُقال، منتقدةً غياب خطّة طوارئ واضحة لدى الدولة لإدارة النزوح.

وتحذّر من أنّ استمرار هذا الوضع ربّما يدفع بعض العائلات إلى العودة إلى مناطق خطرة. وتوضح: “هناك أشخاص عادوا إلى الجنوب لأنّهم لم يجدوا مكانًا يذهبون إليه.”

وتضيف أنّ بعض العائلات دفعت ثمنًا باهظًا، قائلةً إنّه قبل أيام “هناك عائلة استشهد منها ستّة أفراد، لأنّهم لم يجدوا مكانًا يلجأون إليه.”

وتلفت أيضًا إلى وجود أزمة مضاعفة تتعلّق بالأشخاص من ذوي الإعاقة الذين يحتاجون إلى مراكز مجهّزة لاستقبالهم، موضحةً “هناك مشكلة كبيرة في إيواء الأشخاص ذوي الإعاقة والذين لديهم احتياجات خاصّة، لأنّ المراكز القادرة على استقبالهم قليلة جدًّا.”

في الختام، تعدّدت الأسباب وتباينت الدوافع، لكنّ البقاء كان الخيار الوحيد المتاح أمام كثيرين. هناك من رأى في التمسّك بالبيت شكلًا من الصمود، ومن رفض تكرار تجربة النزوح، ومن اضطرّ إلى العودة بسبب جشع تجّار الأزمات وغياب إدارة وخطّة بحجم الأزمة. الجنوب كان الملاذ الأخير لكلّ هؤلاء، حتّى لو كانت أرواحهم هي الثمن الذي قد يدفعونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى