هنا بقينا.. حكايا الصامدين في قرى بعلبك الهرمل

ما إن تطأ قدماك طريق قضاء بعلبك- الهرمل، وتتجّه نحو بلدات التليلة وكفردان وشمسطار، حتّى تدرك أنّ هنا حكايات لا تُروى على عجل: بيوت لم تُقفل أبوابها، وأراضٍ ما زالت تُحرس على رغم الخطر، ووجوه اختارت البقاء لا عنادًا بل إيمانًا منها بأنّ الأرض ليست مجرّد مكان، بل هويّة وذاكرة وكرامة. في هذه القرى، لا يُقاس الصمود بالشعارات، بل بتفاصيل الحياة اليوميّة: ممرّضة تداوي جرحى، مزارع يتمسّك بترابه، ومحاميّة ترفض أن تُهان كرامتها تحت وطأة الاستغلال.
“لا أستطيع تركهم”
في شمسطار، تقف نرجس بلال سلمان، الممرّضة في مستشفى رياق وقائدة فريق الدفاع المدنيّ، نموذجًا حيًّا للصمود الإنسانيّ المركّب، بين الواجب المهنيّ والانتماء العائليّ والإيمان العميق. منذ ولادتها تعيش في البلدة، ومع بداية الحرب الماضية، لم يكن قرار البقاء سهلًا. فكّرت في النزوح خوفًا على شقيقها الصغير وحاله النفسيّة، لكنها سرعان ما اصطدمت بواقع قاسٍ: جدّها (والد والدتها) مصاب بالسرطان ويحتاج إلى رعاية دائمة، وجدّتها (والدة والدها) تعاني من السكّريّ، ولا يوجد مكان قادر على استيعاب هذا العدد من أفراد العائلة.
تقول نرجس إنّ أوّل ما خطر في بالها هو “أنّني لا أستطيع تركهم، فأنا أوّل من هو قادر على مساعدتهم”. وبين واجبها العائليّ وواجبها المهنيّ، كان القرار واضحًا. فالنزوح إلى مكان بعيد يعني التخلّي عن عملها في المستشفى، وعن رسالتها التي آمنت بها منذ دخولها المجال الصحّيّ: أن تقدّم شيئًا لأهلها وبلدها. تضيف “الشباب يجاهدون على الجبهة، وأنا أستطيع أن أجاهد بعلمي، ودمنا ليس أغلى من دمهم”.
حياة بسيطة شلّعتها الحرب
قبل الحرب كانت حياتها بسيطة: عمل، بيت، وعائلة. أمّا بعد اندلاعها، فتغيّر كلّ شيء. لم يعد اليوم عاديًّا، بل صار مليئًا بالقلق والخسارات. وأكثر ما كسرها، كما تقول لـ “مناطق نت”، هو فقدان الأحبّة. “فقدت ابن خالتي، علي فراس همدر (14 عامًا)، الذي كان يعتبرني شقيقته الكبرى، وكان على رغم صغر سنّه يسارع إلى مساعدة الجرحى في المستشفى، يحمل المياه للممرّضين، ويعمل بلا كلل”. تروي نرجس بحزن كيف استشهد وهو يحاول حماية شقيقه الأصغر بجسده.
وفي الشهر نفسه، خسرت خطيبها، المهندس حسين الخطيب، الذي استشهد أثناء تأديته واجبه في الدفاع المدنيّ.

وعلى رغم هذا الألم الثقيل، لم تتراجع. بل على العكس، حوّلت وجعها إلى دافع للعطاء. كانت تقدّم الرعاية الصحّيّة لمن بقوا في البلدة، لتجنّبهم مخاطر الطرق أو تكاليف المستشفيات. من تعليق محاليل إلى تضميد جروح، كلّ ما تستطيع فعله كانت تقوم به. تروي نرجس قصّة امرأة أُصيب زوجها وتضرّرت هي أيضًا، “كنت أزورها يوميًّا، أعالج جروحها وأتابع أدويتها حتّى تعافت وعادت إلى أطفالها، وكلّ طلبي كان بالمقابل دعوة صغيرة تفرحني”.
وعلى رغم شحّ الإمكانيّات، تؤكّد أنّ بعض المبادرات الخيريّة وصلت، لكنّها كانت موجّهة أكثر لمن هم بأمسّ الحاجة. أمّا مطلبها من الدولة، فصريح: أن تقف إلى جانبهم لا ضدّهم، وأن تشعر بهم لا أن تعيش في “عالم موازٍ”.
رسالة نرجس للنازحين مليئة بالتعاطف: “لا أحد يترك منزله برضاه، لكنّ المطلوب اليوم الصبر والعزيمة”. أمّا إيمانها، فهو الركيزة “فما بعد الضيق إلّا الفرج، والله ما أحبّ عبدًا إلّا إذا ابتلاه”. وتختم “إذا ببعد شوي عن الضيعة بحسّ انقطع نفسي”.
نتشهّد قبل النوم
في التليلة، يأخذك عصام شدّاد، ابن الـ 67 عامًا، إلى معنى آخر للارتباط بالأرض. منذ ولادته لم يغادر قريته، ولم يفكّر يومًا بالنزوح. يقول لـ “مناطق نت” ببساطة تختصر عمرًا كاملًا: “تربّيت في بيت يعشق الأرض، والتعلّق فيها لا حدود له”.
في خلال الحرب، بقي شدّاد في منزله على رغم القصف، لكنّه اضطرّ إلى لنزوح أسبوعًا واحدًا فقط بسبب خوفه على ابنته. لم يحتمل الغربة، فعاد سريعًا مع العلم أنّ منزله تضرّر جزئيًّا. ومنذ ذاك الحين، يعيش مع عائلته تحت الخطر، يواجهون كلّ ليلة احتمال الموت. يقول “كلّ ليلة وقبل أن ننام نتشهّد”.
يتابع شدّاد “تغيّرت الحياة بالكامل، العمل تراجع بشكل كبير، وأكثر من نصف سكّان القرية نزحوا، وحتّى تأمين أبسط مقوّمات الحياة أصبح صعبًا”. مع نزوح أولاده وأحفاده من الضاحية الجنوبيّة، بات منزله يضمّ أكثر من 30 شخصًا. “لم يعد باستطاعتنا فعل أيّ شيء”، يقولها بنبرة تختصر العجز.
الأصعب بالنسبة إلى شدّاد ليس فقط القصف، بل الشعور بالإهمال من قبل الجميع، إذ يعلّق “لا أحد يسأل عنّا: لا جمعيّات، لا مبادرات، لا دولة، فقط شخص واحد مجهول الهويّة يرسل مساعدات من وقت إلى آخر”.
على الرغم من كلّ ذلك، لا يفكّر شدّاد في المغادرة. فبالنسبة إليه، الأرض ليست خيارًا، بل امتدادًا للروح. ويشير إلى أنّ “كثيرين من كبار السنّ بقوا في منازلهم، حتّى بعد أن نزح الجميع من حولنا”.
عصام شدّاد: تغيّرت الحياة بالكامل، العمل تراجع بشكل كبير، وأكثر من نصف سكّان القرية نزحوا، وحتّى تأمين أبسط مقوّمات الحياة أصبح صعبًا
تضامن محلّيّ
من كفردان، تنقل المحاميّة جاكلين الحلّاني صورة مختلفة عن الصمود، عنوانها: الكرامة. تعيش في البلدة منذ أكثر من عشر سنوات مع زوجها المزارع، ولم تفكّر يومًا بتركها. تقول “نحن مرتبطون بالأرض، ولا يمكننا التخلّي عنها”. تتابع لـ “مناطق نت”: “صحيح أنّ الوضع الأمنيّ تدهور، وأنّ أصوات الطيران المسيّر تزرع الخوف، واحتمال القصف لا يزال محتملًا على المنطقة، لكن على رغم ذلك أفضّل البقاء في بيتي على النزوح”.
أكثر ما يثير الحلّاني من الحرب نفسها، هو استغلال البعض لمعاناة النازحين. تكشف أنّ أسعار الإيجارات وصلت إلى ما بين 1000 و1200 دولار شهريًّا، مع شروط قاسية كالدفع المسبق لأشهر عدّة. تقول بمرارة: “هنا الصرخة، كيف يستطيع الإنسان استغلال شقيقه الإنسان في هذه الظروف؟”.
بالنسبة للحلّاني، البقاء ليس فقط خيارًا جغرافيًّا، بل إنّه موقف أخلاقيّ “أن يموت الإنسان في بيته أشرف من أن يعيش بلا كرامة خارجه”.
وعلى الرغم من غياب الدعم الرسميّ، تشير الحلّاني إلى وجود تضامن محلّيّ بين الأهالي: مساعدات غذائيّة، أدوية، ووجبات للفقراء. وتروي موقفًا إنسانيًّا لا تنساه، حين أمّنت دواء لرجل مسنّ (80 عامًا)، فبكى من شدّة الامتنان بعدما عجز عن تأمينه.
تتحدّث أيضًا عن صعوبات عملها كمحاميّة، حيث تعطّلت العدليّة في بعلبك وانتقل العمل جزئيًّا إلى زحلة، ما زاد الأعباء على المحامين وأثّر في حقوق الموقوفين. أمّا مطلب الحلّاني فواضح: “دولة تحمي، تدعم، وتؤمّن الحدّ الأدنى من الحياة الكريمة.”
أمل واحد بانتهاء الحرب
على رغم اختلاف القصص، تتقاطع هذه الشهادات عند جوهر واحد: البقاء ليس صدفة، بل هو قرار معقّد تحكمه المسؤوليّة، والارتباط بالأرض، وغياب البدائل. والتحدّيات اليوميّة واحدة: فقدان الأحبّة، ضيق المعيشة، الخوف المستمرّ، وانعدام الدعم الكافي. لكن في المقابل، يبرز وجه آخر: تضامن أهليّ، مبادرات بسيطة، وأفراد يملأون الفراغ الذي تتركه المؤسّسات.
هنا، تُعاد صياغة معنى الصمود. ليس فقط بالبقاء، بل بالاستمرار والعطاء: ممرّضة تعالج، مزارع يزرع، محاميّة تدافع، وجار يشارك لقمة العيش.
في هذه القرى، لا يسأل الناس عن البطولة، بل عن الكرامة. لا يريدون خطابات، بل أفعالًا: دواء، غذاء، حماية، وعدالة.
وفي النهاية، يجتمعون على أمل واحد: أن تنتهي الحرب، وأن يعود كلّ من نزح إلى منزله، وأن تثبت الدولة أنّها معهم فعلًا، وليس فقط بالكلام.
هنا، في بعلبك- الهرمل، الصمود ليس شعارًا… بل حياة تُعاش يومًا بيوم.



