عناق النزوح.. حين تعيدنا الحرب إلى حضن الأم

اعتدت مشاركة والدتي السرير ذاته في بيتنا منذ سنوات. في العادة أنام على الجهة اليمنى، أمّا هي فتتّخذ من الجهة اليسرى مساحة خاصّة بها. تسبقني كلّ مساء محاولة النوم، وفي قرارة نفسها تنتظرني إلى أن أنضمّ إليها مهما طالت سهرتي، حيث نستمع سويًّا إلى “بودكاست” عن التاريخ أو الحضارات أو حتّى الحروب، ثمّ نخلد إلى النوم.

التواصل الجسديّ بيننا منعدم، فأمّي تتعايش مع آلام المفاصل في أطرافها، وبخاصّة كفي يديها، الناجم من داء مناعيّ، ما يجعلها تشعر بألم فوريّ إن لمست أيّ شيء بهما. عندما تدخل إلى السرير، تضع كفّيها على دمية من القطن على شكل دبّ قطبيّ أبيض، يتوسّطه قلب أحمر اللون كنّا قد أهديناها إيّاها منذ سنين طويلة، أظنّ في أثناء طفولتنا.

لا تزال هذه الدمية سلوتها بعد أن كبرنا وابتعدنا من حضنها، وإن بالمعنى المجازيّ، فالاستعانة بها دون الوسائد المتوافرة في المنزل يعطي قيمة وخصوصيّة. كنت أستعيض عن عناق أمّي، باحتضان كفّيّ يديّ، ثمّ أضعها تحت عنقي، أو أن أستبدل ذلك باحتضان وسادة صغيرة بشدّة إلى صدري، وكأنّني أريد، كما تقول جدّتي عندما تكون جائعة “بدّي أسند قلبي”، أي الشعور بالشبع.

النزوح يكسر حدود الجسد

اليوم، وقد نزحنا عن أمان المنزل والجسد، بسبب اندلاع الحرب، تقلّص حجم السرير، وبالتالي بات لا بدّ من التواصل الجسديّ لتتّسع مساحة النوم. في الليلة الأولى لم أتجرّأ على أن أقترب كي لا أجعلها تتألّم من أيّ حركة، فتربّصت بالجدار على رغم برودته، إذ لا يزال الشتاء يصرّ على أن يزيد معاناة النزوح والحرب معًا.

في الليلة الثانية، أمسكت أمي بذراعي اليسرى وجذبتها صوبها كأنني أحتضنها، فيما وضعت كفيها أمامها في محاولة لتفادي أيّ اصطدام. بتنا كأوراق الشجر في ليلة ربيع ماطرة، تتشبّث بالغصن بكلّ قوّة على رغم شدّة الرياح، وتتراص بالقرب من بعضها حدّ الالتصاق كي تستطيع الصمود قدر المستطاع. في ثوانٍ، استرجعت الطفلة التي تختبئ في جسد والدتها، غير آبهة بالخطر، فهي في حضنها الآمن ولا شيء يعكّر صفو الغفوة.

دفء غريب توغّل في ثنايا جسدي الذي تحرّر من قيود الاحترام وقدسيّة عدم المساس بجسد أمّي، فالتصقت بها. غفوت دون الحاجة إلى الاستماع لأيّ بودكاست، على الرغم من صخب الحرب والغارات المتلاحقة التي لم تتوقّف الليلة، في حين أنّ السماء غطتها الطائرات وكأنّها سجادة عجميّة مزدحمة الرسومات والألوان.

كنت أستعيض عن عناق أمّي، باحتضان كفّيّ يديّ، ثمّ أضعها تحت عنقي، أو أن أستبدل ذلك باحتضان وسادة صغيرة بشدّة إلى صدري، وكأنّني أريد، كما تقول جدّتي عندما تكون جائعة “بدّي أسند قلبي”، أي الشعور بالشبع.

ذاكرة النساء المتوارثة

في بداية الليلة الثالثة توغّلنا في السرير باكرًا، لم نجد سوى الهروب لالتقاط غفوة عوضًا عن التسمّر أمام التلفاز لمشاهدة الأخبار المثيرة للذعر مهما اختلفت القناة. حدّقت بالسقف وصوت المسيّرة يحفّز الخلايا العصبيّة في دماغي دون توقّف، وهمست لأمّي أن تحكي لي حكاية “متل لّما كنّا صغار، أيّ قصّة خبريني”. ضحكت لطلبي المفاجئ، وأنا ابنة الأربعين، كيف لقصّة الصغار أن تهدّئ من روعي وتقرّبني من النوم أكثر. لم تتردّد وبدأت: “كان يا مكان بقديم الزمان، بنحكي ولا بنام؟ أكيد بنحكي”.

“كان في غابة بعيدة مليانة شجر، والثلج مغطّي الأرض. بنصّ الغابة في بيت لمرأة ختيارة، عايش معها غنمات ودجاج وديك. بليلة باردة كتير، بيجي حرامي بيهجم عليها، بتصرخ صوت واحد: يا ‘سناسل‘ يا ‘رياح‘، وينكن عني؟ سناسل ورياح هني ضبعين، ربّتهن لمّا كانوا جراوي صغار، ولما كبروا صاروا هنّي الحماية إلها، وخلصت القصة”.

حكايات جدّتي وأمّي

أخبرتني أمي بأنّ راوية القصة الأساسيّة هي والدتها، كانت تحكيها بالتفاصيل ذاتها في صغرها. وفي السبعينيّات، عندما كانت أمّي طفلة، لم يكن هناك تلفاز ولا حتّى كهرباء، وبالتالي كانت جدّتي تغلق الباب الحديديّ للمنزل (دقر الباب)، ويأوي الجميع (خالتاي وأخوالي الأربعة) إلى الفراش للنوم كعب ورأس (أيّ الفتيات من جانب والفتيان من الجانب الآخر للفراش)، وتغطّيهم باللحاف الذي صنعته بيديها، ثمّ تتلو قصّة قبل النوم عند السابعة مساءً.

لطالما كانت حكايات جدّتي وأمّي متشابهة وهذا من أكثر ما يلفت نظري، إذ إن ذاكرة النساء متوارثة بكل فرحها ووجعها وإبداعها وأدبها. هذا الموروث يحفظ جيّدًا تفاصيل النساء، يبقى شاهدًا كي تتناقله الأجيال.

تكوّرت خلف ظهر أمّي ومددت ذراعي لاحتضانها، شعرت بنبضات قلبها المتسارعة. هربت بيدي لا أريد أن أتحسّس هذه النبضات، فهي تشعرني بالخوف والاضطراب. في الحقيقة، قد يكون السبب الأساس والمحفّز على الخوف هو الخسارة وليست قدسيّة جسد أمّي بكلّ هالته التي تدفعني إلى احترامها وفي بعض الاحيان أتردّد من الاقتراب أكثر ممّا هو مسموح.

بين المحرّم والمقدس

تربطنا بأجسادنا علاقة شائكة، تتقاطع فيها أبعاد المحرّم الدينيّ والمقدّس الاجتماعيّ، فيما نعيش فيها وكأنّها وديعة لا نملك حقّ التصرّف بها أو التعامل معها بألفة. منذ الولادة حتّى بلوغنا سنّ الرشد، يُطلب إلينا العناية بنظافة هذا الجسد وعفّته، حتّى من أنفسنا، ننشغل طويلًا بصوغ حركاته وسكناته لتسليمه إلى مالكه عاجلًا أم آجلًا، وأيّ خطأ يكلّفنا حياتنا حتمًا. فنقضي سنوات قبل أن نعتاد على وجودنا داخله أو نصدّق أنّه لنا.

حتّى أجساد أمّهاتنا، تحكمها هذه المحظورات، حتّى هنّ لا يملكن السيادة عليها. تمارس الأمّهات مهمّة حراسة أجساد بناتهنّ بحزم وصرامة، تحت عناوين تجبرهنّ على الانصياع لها وإلّا فالقصاص سيطالهنّ قبل بناتهنّ.

الجسد كملجأ أخير

لكن في زمن الحرب تسقط المسافات والمحرّم والمقدّس في أجساد النساء، أمام الخطر الداهم الذي صنعته حروب الجشع. يعود الجسد إلى صيغته الأولى “ملجأً للاحتماء فيه”. في تلك اللحظة فقط، ونحن نلتصق بأجساد أمّهاتنا بحثًا عن شذرات من الطمأنينة، نكتشف أنّ هذا الجسد الذي تعلّمنا طويلًا أن نخاف منه، لم يكن وديعة نحرسها بقدر ما كان البقعة الوحيدة القادرة على منح الأمان من دون مواثيق وعقود تبيح اللجوء والانصهار فيها.

إنّ انصهار أجسادنا نحن النساء في زمن الحرب، ليس سوى لحظة تعيدنا إلى جوهر وجودنا: أن يكون ملاذًا آمنًا بعضنا لبعض، في حروب تمزّق أجسادنا كما تنتهكها في زمن السلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى