غربي بعلبك: صمودٌ مرّ بين مطرقة الغارات وسندان الغلاء

بعد مُضِيّ نحو شهر على بداية الحرب الاسرائيليّة على لبنان، تستمرّ موجات النزوح ارتفاعًا وانخفاضًا تبعًا لجغرافيّة المناطق وألوانها الطائفيّة في كثير من قرى وبلدات غربيّ بعلبك، بينما يُؤثِر البعض من أبناء المنطقة البقاء في منازلهم متَحدّين الخطر المحدق بهم مفضّلين الموت في أراضيهم على الخروج منها إلى أماكن يصفونها بالمخبأ.

نازحون بحسب الوضع

في الأسبوعين الأوّل والثاني نزح أكثر من 80 في المئة من سكّان غرب بعلبك إلى مناطق متفرّقةٍ، منها: دير الأحمر، عرسال، زحلة وسعد نايل، حيث كانت الطائرات الاسرائيليّة تقصف أهدافًا متعدّدةً ومتنقّلةً من منطقة النازحين، ما أجبرهم على البقاء في أماكن نزوحهم بين مراكز إيواءٍ ومنازل دفعوا قيمة استئجارها سلفًا.

في الأسبوع الثالث من الحرب وحتّى اليوم تراجعت حدّة القصف على المنطقة ما دفع بعض النازحين إلى العودة موقّتًا إلى منازلهم وبلداتهم مع الإبقاء على حجز أماكن نزوحهم. بيد أنّ صواريخ معاديةً على أهدافٍ في مناطقهم أو بالقرب منها كانت كفيلةً بإعادتهم، على الفور، إلى “مواقعهم” الآمنة.

كثيرون من أهالي غرب بعلبك يعيشون النزوح المتأرجح بحسب الوضع الأمنيّ في سماء منطقةٍ تكاد لا تغيب عنها طائرات الموت يوميًّا إمّا “زائرةً” أو قاتلة.

صامدون بأعباء إضافيّة

لم تفرغ قرى وبلدات غرب بعلبك من سكّانها بالكامل جرّاء الحرب بل هناك من آثر البقاء فيها ولم يغادرها مطلقًا ولا يزال صامدًا حتى اليوم.

يعيش الصامدون في مناطقهم معتمدين على أنفسهم في تأمين الحاجيات والمستلزمات اليوميّة الضروريّة وسط موجة غلاءٍ فاحشٍ في أسعار الموادّ الاستهلاكيّة التي يتذرّع التجّار بصعوبة وصولها إلى المنطقة، فيرفعون أسعارها أضعافًا عمّا هي في مناطق أخرى. الأمر الذي يكبّد المواطنين أعباءً مادّيّةً إضافيّةً في ظلّ غياب التقديمات الرسميّة إن بالمساعدات الماليّة أو الغذائيّة. مع تسجيل غيابٍ تامٍّ أيضًا، للجمعيّات المدنيّة والأهليّة التي لم تقم بتوزيع مساعدةٍ واحدةٍ على أحد.

ولصعوبة تأمين بعض الموادّ الضروريّة بسبب عدم توافر الإمكانات الماليّة الكافية، يعمد بعض “الصامدين” إلى نقل عائلاتهم  إلى مناطق أخرى تضمّ مراكز إيواء، وذلك طلبًا للأمان من جهةٍ وتوفيرًا للمصاريف الماليّة من جهةٍ أخرى، على أن يبقوا هم، في مناطقهم يمارسون أعمالهم في مجالات مختلفة.

“مناطق نت” جالت على بعض بلدات غرب بعلبك واطّلعت على أوضاع الذين ما زالوا في منازلهم وسجّلت الشهادات الآتية:

مساعدات بانتظار الإحصاء

يقول المواطن محمد سلمان من بلدة شمسطار إنّه ما زال صامدًا في بيته “على الرغم من استهداف البلدة بغارتيْن وسقوط ضحايا مدنيّين. ولكنّني فضّلت البقاء مع عائلتي في المنزل لأنّ الأعمار بيد الله”. ويضيف لِـ”مناطق نت” إنّ عمليّة الصمود الجسديّ والمعنويّ لا تكفي وحدها كي نبقى أحياء بل تتطلّب دعمًا مادّيًّا في هكذا ظروف، وهذا ما نفتقده اليوم على الرغم من مرور نحو شهر على الحرب. مشيرًا إلى أنّ “لا مساعداتٍ ولا خدماتٍ وصلت إلينا من أيّ جهة كانت. وحينما نسأل عن ذلك يقولون إنّهم يحصون الأعداد والكمّيّات والاحتياجات.”

ويرى سلمان أنّ الجهات الحزبيّة والرسميّة غير مهتمّة بالناس كما حصل في الحرب الماضية. “إمّا لأسبابٍ موضوعيّةٍ وعدم القدرة المادّيّة أو استهتارًا مقصودًا لأنّ الناس حتّى الآن، لم يرفعوا صوتهم عاليًا للمطالبة بسبب الخوف والضغوط من قبل المسؤولين.”

ويختم مناشدًا المعنيّين الرسميّين والحزبيّين الإلتفات “إلى الصامدين في مناطقهم بأسرع وقتٍ وتأمين النواقص التي يحتاجونها، فمخزون المال لدى كلّ عائلة فَرَغ والقدرة على التحمّل تلاشت.”

سلمان: لا مساعداتٍ ولا خدماتٍ وصلت إلينا من أيّ جهة كانت. وحينما نسأل عن ذلك يقولون إنّهم يحصون الأعداد والكمّيّات والاحتياجات

مكافأة الصامدين التخلّي عنهم؟

أمّا حسن الضيقة من بلدة حزّين الذي لم يغادر منزله في الحرب السابقة ولا في الحرب القائمة حاليًّا كما يقول، فيؤكّد أنّ صموده، مع عائلته في بلدته اليوم، هو بفعل الوضع المادّيّ المتردّي “فمن أين آتي بالمال لدفع بدل إيجار منزل في منطقة آمنة، وأنا بالكاد أقوم بإعالة عائلتي في أيام السلم؟”. يضيف لِـ “مناطق نت” أنّ “كلفة النزوح بالنسبة إليّ كبيرة جدًّا، وهي تتطلّب أموالًا تفوق قيمتها فيما لو بقيت في منزلي. أمّا النزوح إلى مراكز إيواء ففيها مذلّة وشقاء.”

ويشير الضيقة إلى أنّ مكافأة الصامدين حتّى الساعة، كانت التخلّي عنهم وتركهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم. “حتّى التجّار من أصحاب المحال الغذائيّة يتآمرون علينا بحجّة الوضع، ويبيعوننا مشترياتنا اليوميّة بأسعارٍ خياليّةٍ مشاركين العدوّ الاسرائيلي حربه علينا”. متسائلًا “كيف يمكننا الصمود ونحن نحتاج إلى صرف 30 دولارًا يوميًّا، مع الاقتصاد كحدٍّ أدنى، لتأمين حاجاتنا اليوميّة وأنا راتبي 350 دولارًا بالشهر”.

خدمات استنسابيّة ومناطقيّة

ويشير المواطن حسين حميّة من بلدة طاريّا إلى أنّه يتدبّر أمره بما تيسّر من إمكاناتٍ ماليّةٍ “مع التورّط بالاستدانة من المحالّ التجاريّة لكون المصروف أكبر من المدخول والأسرة كبيرة ولا معين إلّا الله.”

ويقول لِـ”مناطق نت” إنّ صموده في بلدته، على رغم الخطورة الكبيرة، كما حصل السنة الماضية حيث قصفت بعشرات الغارات المعاديّة، كان مرغمًا عليه “فعائلتي منقسمة بين من يريد البقاء ومن يريد النزوح. وكان أن بقيَ قسم منها والقسم الآخر نزح إلى دير الأحمر، وهناك تقديمات اجتماعيّة وإيوائيّة أفضل بكثير ممّا نحن عليه في بلدتنا.”

ويؤكّد حميّة أنّ المساعدات “استنسابيّة ومناطقيّة وتُوزَّع بحسب المحسوبيّات. ويبدو أنّ الانتخابات النيابيّة المقبلة دخلت في بازار تقديم المساعدات والخدمات في هذا الظرف العصيب”.

ويختم متسائلًا: “كيف نفسّر تقديم المساعدات الماليّة والغذائيّة ووجبات الطعام على الصامدين في مدينة بعلبك من جهاتٍ حزبيّةٍ وبأموالٍ خليجيّة، بينما تصلنا نحن الوعود والتبريرات وإلقاء اللوم والمسؤوليّة على الحكومة؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى