الكتابة كفعل نجاة.. ترميم الروح وسط فوضى الدمار

اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى أحتاج إلى الكتابة. أحتاج لتحويل مشاعري إلى كلماتٍ يمكنني أن أقرأها بصوتٍ مسموع. ففي كثيرٍ من الأحيان، لا أبدأ بالكتابة لأن لديّ فكرة واضحة، بل لأنّ هناك شيئًا في داخلي يحتاج إلى مساحةٍ، ولا أعرف كيف أضعه في مكانه.
ثمّة شعورٌ ثقيل خلّفته الحرب التي انتظرناها أشهرًا طويلةٍ ولم تخذلنا. سؤالٌ معلّقٌ، أو فوضى صغيرة لا تهدأ، خليطٌ من المشاعر، يدفعني إلى فتح صفحةٍ بيضاء ليس لأقول شيئًا محدّدًا، بل كي أتأكّد أنّني ما زلت حيّةً، وقادرةً على التنفّس خارج رأسي، الذي تملؤه الأفكار وصور الدمار والنازحون المشرّدون في الطرقات، الذين يعيشون تحت رحمة المطر وعواصف الشتاء.
مساحة حين يضيق المعنى
لم تكن الكتابة بالنسبة إلي يومًا هوايةً، ولا مهنةً وحسب. كانت، ولا تزال، مساحةً أعود إليها حين يضيق المعنى، وحين تتشابك الأفكار أكثر ممّا أحتمل. فأكتب لأنّ بعض الأشياء لا تُفهم إذا بقيت في الداخل، لأنّها تحتاج إلى أن تُقال، أو في الأقلّ أن تُرى مكتوبة، كي تصبح أخفّ أو أوضح أو أقلّ وحدة.
ومع الوقت، بدأت ألاحظ أنّني لا أكتب فقط لأعبّر، بل لأبقى متماسكة. أكتب لكي أرتّب علاقتي بما يحدث لي، بما أشعر به، وبما لا أجد له اسمًا أو وصفًا. ففي عالمٍ يبدو غارقًا في ضجيج وفوضى الحرب إلى ما لا نهاية، أجد في الكتابة منفذًا صغيرًا نحو السلام الداخليّ. وأجد فيها فضاءً، أستطيع فيه ترتيب أفكاري وفهم نفسي والواقع من حولي.
فالكتابة ليست مجرّد كلمات، إنّما طريقةً للبقاء على قيد الحياة وسط هذه الحرب المجنونة، ووسيلةً لترجمة الارتباك والقلق والخوف والإحباط وفقدان الأمل إلى شيءٍ ملموس، يمكن مواجهته وإعادة تشكيله.
لتفكيك شيفرة الحروب
اليوم، أكتب لأحاول تفكيك شيفرة هذه الحروب الخالية من أيّ معنى أمام الموت. أكتب لأصرخ بصمت، ولأواجه الأسئلة التي لا يجيبني عليها أحد. أكتب لأحتفظ بنفسي، لأستعيد شعور السيطرة على لحظاتٍ صغيرةٍ من يومي القَلِق من غارةٍ هنا أو هناك، وعلى تجربتي الخاصّة التي سرقها صخب الحرب والحياة اليوميّة القاسية.
ففي كل سطرٍ أكتبه، تبرز محاولة لإعادة ترتيب العالم الداخليّ والخارجيّ. لحظة نجاةٍ من اللامعنى الذي تفرضه هذه الحرب، ومن الانزلاق في روتينٍ مفرغٍ من الوعي. فالكتابة تمنحني الفرصة كي أكون صادقةً مع نفسي قبل أيّ شيءٍ آخر، ولأجد مساحةً أختبر فيها ما يهمّني وأصرخ فيها للتعبير عن غضبي من كلّ ما لا يمكنني تغييره، وبخاصّة ذلك الموت الذي يحيط بنا.
في أثناء الحروب، لكلّ منّا طرقه في النجاة، وأنا وجدت في الكتابة مرآةً تعكس جميع مشاعري ومخاوفي ونقاط قوّتي وضعفي وإحباطاتي. كذلك وجدت فيها أداةً للتواصل مع نفسي، لاستكشاف أفكاري ومشاعري في وضوحٍ أكبر. هكذا، باتت الكتابة فعل مقاومة للفوضى، للحرب، للضياع، للموت، وللصمت الذي يحاول أحيانًا أن يبتلعنا.
اليوم، أكتب لأحاول تفكيك شيفرة هذه الحروب الخالية من أيّ معنى أمام الموت. أكتب لأصرخ بصمت، ولأواجه الأسئلة التي لا يجيبني عليها أحد.
أكتب اليوم لأنّني أحتاج إلى مساحةٍ خاصّة أرتّب فيها أفكاري، وأفهم مشاعري وسط الفوضى اليومية. فمن خلال الكتابة أستطيع تسجيل ما أراه وأشعر به، أن أعايش التجارب بصوتٍ واضح، وأن أصنع شيئًا يمكنني مراجعته لاحقًا لأكتشف نقاط القوّة والضعف التي لا تظهر إلّا عند مواجهة الورقة البيضاء.
تمنحني الكتابة أيضًا القدرة على محاكاة العالم الذي أعيشه، ومراقبة ما يحدث داخليًّا وخارجيًّا بوضوحٍ أكبر. وأستطيع عبرها أن أكون أكثر وعيًا بما أريد تغييره أو ما أريد أن أحافظ عليه. لذلك أكتب، لأفهم وأرتّب وأقاوم، وكي أثبت لنفسي أنّ الصوت الداخليّ يمكن أن يُسمع، حتّى لو كان مجرّد كلماتٍ على صفحة.
فالكتابة ملاذ آمن خارج ضوضاء الحياة والحرب، يمكن فيه الشعور والتحرّر والتنفيس، قبل أن يفرض علينا العالم الخارجي صياغة أحاسيسنا أو ترتيبها كما يريدها هو.
كأداة للفهم والتفسير
أحيانًا أكتب لأفكّك الأسئلة التي تتكدّس في رأسي، ولأضعها في ترتيبٍ يمكنني رؤيته وفهمه. فالكلمات على الورق تمنحني فرصةً لتحويل المشاعر المختلطة والأفكار المتشابكة واللحظات العاطفيّة المتفرّقة إلى سردٍ واضح، قابلٍ للفهم تجاه نفسي أوّلًا قبل أيّ شخصٍ آخر.
فخلال هذه الحرب، أدركت أنّ الكتابة تكشف لي عن زوايا في نفسي لم أكن أعرفها، أو لم أستطع التعبير عنها شفهيًّا. من خلال السطور، أجد ما يختبئ خلف الغضب أو الحزن الذي يملأني، ما يربطني بالماضي وما يوجّهني نحو المستقبل. فتصبح الورقة مساحةً أستطيع فيها اختبار المشاعر، رؤية نماذج أفكار تدور في رأسي، واكتشاف ما هو حقيقيّ وما هو زائف.
وهي أيضًا حوارٌ مستمرٌ مع الذات. أسئلةٌ أطرحها على نفسي، وإجاباتٌ أكتبها بصراحة أكثر ممّا أستطيع قوله بصوت عالٍ. ملاحظاتٌ صغيرة تخطر في بالي وأنا أتابع أين سقط الصاروخ، وأفكارٌ مشوشة أرتّبها وأنا أشاهد الأخبار وأحصي عدّاد القتلى والجرحى، وجميعها تمنحني وضوحًا داخليًّا على الرغم من السواد الذي يغلّفنا وسط هذه الحرب.
فالكتابة هنا ليست مجرّد وصفٍ أو تدوين، بل فعل فهمٍ عميق وطريقةٍ لتفسير نفسي، ورسم خريطةٍ لمشاعري قبل أن تتدخّل ضوضاء الحرب الخارجيّة قبل حربي الداخليّة.
ومن خلال هذا الحوار، أبدأ تدريجيًّا في فهم مشاعري وأفكاري، وفي رؤية ما كنت أجهله عنها. وأجد أحيانًا الإجابات التي لم أجرؤ على طلبها من أحد، إلّا عبر صمت الورقة البيضاء.
كفضاء للتجربة والتجريب
وأكتب اليوم لأجرّب، لأختبر أفكارًا ومشاعر وهويّات لم أجرؤ على مواجهتها في الواقع. فتمنحني الورقة البيضاء حرّيّة المخاطرة، لأنّني هنا لا أحكم على نفسي، ولا يراقبني أحد سوى صمتي الخاص.
فالكتابة تسمح لي بالضعف خصوصًا في ظروفٍ كهذه التي تمرّ بنا، بالكشف عمّا يخيفني أو يُربكني أو يُحبطني، بصراحةٍ كاملة قبل أن أقدّم أيّ شيء للعالم الخارجيّ. وهي في الوقت عينه، تمرينٌ على الشجاعة الداخليّة وسط الخوف والرعب الذي أعيشه يوميًّا، وعلى مواجهة الحقيقة. فالكتابة تمنحني فرصة أن أكون صادقةً مع نفسي أوّلًا، وأن أستكشف حدودي وأتعلم كيف أستطيع التعامل مع عواطفي وأفكاري من دون أن أختزلها أو أخاف منها.
في هذا الفضاء، تصبح كلّ كلمة وكلّ جملة تجربة، وتمرينًا على الحرّيّة والصراحة، وعلى مواجهة العالم الداخليّ قبل الخارجيّ.
أكتب اليوم لأبقى على اتصالٍ بنفسي، لأحتفظ بلحظاتٍ من الوعي وسط الفوضى، ولأخلق مساحةً يمكن فيها لمشاعري وأفكاري أن تتنفس بحرية. أكتب للنجاة من نفسي ومن الحرب ومن العالم.



