حين يستهلك العيش على حافة الانتظار أعمار أجيال كاملة

تحت وطأة الحروب التي لا تنتهي، لا يسقط الركام وحده فوق رؤوس العابرين، بل الزمن أيضًا، مهشّمًا متناثرًا شظايا من الانتظار المرير. يتحوّل الوقت من نهر جارف يحمل الأحلام والمشاريع إلى ماء راكد، يجد فيه المدنيّون أنفسهم عالقين في فخّ الزمن المؤجّل؛ لا هم في ماضٍ دُمّر واختفت ملامحه، ولا هم في مستقبل يرفض المجيء، بل في حاضر ممتدّ يشبه الوقوف الأبديّ على حافّة الهاوية.
حين يصبح الوقت عدوًّا
في الحال الطبيعيّة، يشكّل الوقت مادة أساسيّة للمخيال الزمنيّ، يشيّد عليها الإنسان برنامجه وطموحاته، لكن في زمن الحرب، تتغيّر ماهيّة الوقت لتصبح قوّة ضاغطة تستنزف الروح، فالانتظار الذي يتمدّد في كلّ مفاصل الحياة، ليس مجرّد استجابة لظرف طارئ، بل إيذانًا ساطعًا بتوقّف الزمن. وهذا ما ينطبق على الوقت في ما نعيشه راهنًا، حيث يختبر الناس وتحديدًا النازحين معناه الضائع والمبدّد على مذبح الساعات التي لا تحمل شيئًا سوى فراغ يحاكي فراغ، ومجهول يُطلّ على هيئة غارة أو ربما خبر انتهاء الحرب.
هذا السكون الذي يلفّ الأماكن المنكوبة ليس سكينة، بل هو صمت ثقيل يُنبئ بتوقّف دورة الحياة ونبضها. المشاهد الصامتة للدمار تجعل الحياة تبدو وكأنّها ثابتة لا تتزحزح، حيث يفقد الحراك اليوميّ معناه، ويتحوّل الروتين إلى سلسلة من الحركات الآليّة التي تهدف إلى شيء واحد فقط: تأجيل الموت ساعة إضافيّة.
هندسة التأجيل
الانتظار هو ضابط إيقاع أيّامنا في حالات السلم، انتظار الكهرباء، وانتظار وصول صهريج المياه، انتظار مفاوضات ما أو قرارات، وكأنّ حياتنا عبارة عن مجموعة انتظارات لا تنتهي ليتسيّد عليها انتظار الوضع ليستقرّ. مع بدء الحرب، عاد الانتظار ليضبط إيقاع الوقت، إنّه انتظار من نوع آخر، انتظار إنذارات الإخلاء، انتظار انتهاء القصف، انتظار بيانات طوارئ الصحّة العامّة، وانتظار الموت الذي يزحف ويطوّق أيّامًا طويلة لا تنتهي.
مع الوقت يتحوّل الانتظار إلى نوع من السيطرة. إبقاء مجتمعات كاملة معلّقة على حبل الانتظار يصبح وسيلة لاستنزاف قدرتها على الفعل السياسيّ أو التخطيط الجماعيّ. المجتمع الذي يُجبر على الإقامة القهريّة في اللحظة الراهنة يُحرم من أحد أهم شروط سيرورة الحياة وهي القدرة على تخيّل مستقبله والعمل على بنائه. حين يُصادر هذا الامتداد الزمنيّ، تصبح البطولة اليوميّة مجرّد البقاء بانتظار معجزة ما.
سيكولوجيّة البقاء والزمن المؤجّل
يعيش المدنيّون في مناطق النزاع حالة نفسيّة فريدة تُسمّى “سيكولوجية البقاء”. إنّها حال تأهّب دائم تتلف الجهاز العصبيّ، إذ يتكيّف الإنسان مع فكرة فقدان السيطرة الكاملة على غده. ووفق عالم النفس مارتن سليجمان (Martin Seligman) الذي اشتهر بمفهوم “العجز المتعلّم ” (Learned Helplessness)، وهو نقيض سيكولوجيّة البقاء. والذي يفسّر لماذا يستسلم البعض إلى الظروف القاسية؛ حين “تعلّموا” أنّ أفعالهم لا تؤثّر في النتيجة. وفي لبنان يتعمّق هذا العجز المكتسب، فلا يمكن للطالب أن يخطّط لتخرّجه، ولا للمريض أن يضمن دواءه، ولا للأب أن يعد أطفاله ببيت آمن في المقبل من الأيّام.
“اليوم التالي لانتهاء الحرب”، هي اللحظة التي تسكن مخيّلة هؤلاء، ومعها يطرح السؤال على مصراعيه هدنة موقّتة؛ أم إنّها فاصل زمنيّ قصير بين حروب كثيرة لا تنتهي. هذا الإدراك يحوّل الوجود إلى حال انتقاليّة طويلة لا تنتهي أبدًا. وهي المنطقة الرماديّة التي تستهلك أعمار أجيال كاملة دون أن تترك لهم أثرًا مادّيًّا أو معنويًّا ثابتًا.
يعيش المدنيّون في مناطق النزاع حالة نفسيّة فريدة تُسمّى “سيكولوجية البقاء”. إنّها حال تأهّب دائم تتلف الجهاز العصبيّ، إذ يتكيّف الإنسان مع فكرة فقدان السيطرة الكاملة على غده
تآكل الذاكرة
الحروب المتوالية التي يتخلّلها تصاعد دوريّ للعنف، تعمل على تفتيت الذاكرة المادّيّة. في مناطق الصراع، تُدمّر البيوت والمباني وذاكرة الأمكنة والمؤسّسات بلحظة، بعد أن استغرقت أعمار طويلة من الجهد والعمل والكلف الباهظة، ليأتي صاروخ ويدمّرها في لحظة. هذا الخلل في الإيقاع الزمنيّ يؤدّي إلى انقطاع في السرديّة الوطنيّة والشخصيّة، تآكل في الذاكرة الجماعيّة، اختفاء الذكريات مع موت الأماكن، فيتحوّل الإطار الزمنيّ غير قابل للثبات.
لا يعود الدمار هنا مادّيًّا وحسب، بل هو دمار زمنيّ بامتياز. إنّه قطع في الاستمراريّة يجعل الإنسان يشعر وكأنّه يبدأ دائمًا من نقطة الصفر. هذا التكرار القهريّ للبدايات المجهضة يحطّم القدرة على مراكمة الخبرات أو البناء على تفاصيل الماضي. تتحوّل الحياة إلى شظايا منفصلة، يربط بينها فقط خيط رفيع ومهترئ من الانتظار.
أزمة المعنى بغياب الأفق
الإنسان لا يعيش في الحاضر وحده، بل في امتداده الزمنيّ عبر التوقّع والتخطيط. حين تُصادر الحرب هذا الامتداد، ينهار المعنى. يصبح السؤال لماذا نبني إذا كان سيهدم؟ أو “لماذا نخطّط إذا كان الوقت ليس لنا؟ هذا الشعور بانعدام الأفق يحوّل المجتمعات إلى كتل من البشر يعيشون بانتظار لحظة ربّما لا تأتي أبدًا بالملامح نفسها التي نتمنّاها.
في ظلّ ما نعيشه اليوم يجد الناس أنفسهم في عالم لم يعد يشبه ماضيهم، وبمستقبل معلّق على حرب لم تنتهِ، هذا التعليق الدائم يعيد ترتيب الحياة من الداخل؛ فتقتصر الأولويّات على المحافظة على الحدّ الأدنى من مقوّمات البقاء، يتلاشى الإنجاز والإبداع لصالح اللحظة الراهنة.
استعادة الزمن كفعل نضاليّ
لذا، الصراع اليوم، ليس مجرّد صراع على الأرض أو الموارد، بل هو صراع على الزمن. إنّ المطالبة بنهاية الحرب لا تعني فقط وقف إطلاق النار، بل تعني استعادة الزمن بوصفه حقًّا إنسانيًّا أصيلًا. الحقّ في أن يمتلك الإنسان يومه، وأن يثق بأنّ غده سوف يسير إلى الأمام وليس إلى الوراء.
في نهاية المطاف، يبقى الإنسان هو الضحيّة الكبرى لهذا الزمن المسلوب. هو الذي يقضي زهرة شبابه في توقّع الآتي، وهو الذي يشيب بينما ينتظر العودة أو الإعمار. إنّ المقاومة الحقيقيّة في هذه الظروف هي الإصرار على الحلم ومحاولة خلق مساحات من المعنى داخل هذا الزمن المغلق والمعلّق.
لكنّ الحلّ الحقيقيّ لا يكمن في التكيّف مع الانتظار، بل في كسر قيوده. فاستعادة الزمن تعني استعادة القدرة على التخطيط، الحلم، والبناء دون خوف من الخطوة القادمة. وفي انتظار تلك اللحظة التي يستعيد فيها الوقت مجراه الطبيعيّ، نعيش على حافة الانتظار.



