مختارات

المنتديات الثقافية في الجنوب: صالون الكتاب في النبطية ونادي القراء في أنصار… نموذجان

 

إعداد: مي اسماعيل

«صالون الكتاب في النبطية» و«نادي القراء في أنصار» منتديان أدبيان تأسسا منذ فترة ويهتمان بالكتاب، حيث يعقد كل منهما لقاءات أدبية دورية تتمحور حول رواية ما يتخلله نقاش للرواية أو الكتاب. إطلاق المنتديين يطرح مسألة القراءة الورقية عموماً ومنها الكتاب في ظل الهوة الكبيرة التي أحدثتها الثورة الرقمية وتزداد اتساعاً يوماً بعد يوم بين القراءة الالكترونية والورقية. ويطرح أيضاً مفهوم النادي الثقافي الذي سطع نجمه في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي وخبا بريقه مع تمدد الثقافة الدينية الأحادية.. المنتديان يعرضان ويناقشان الكتب «في فضاءٍ واسع» كما يقول القيمون عليهما، إذ لا حدود ولا ضوابط لاختيار هذا الكتاب أو ذاك لمناقشته وقراءته. فالقراءة كما يقولون متعة لا يضاهيها شئ، هي سفرٌ عابرٌ للشعوب والحضارات، هي سرديات وحكايا.. فلسفة وأدب وشعر، هي شعورٌ وإنفعالات مع الاحداث، هي هروبٌ من واقعٍ معاش الى واقعٍ مفترض، هي تحليلٌ ونقاش وإتساعُ أُفقٍ ، وأخيراً وليس آخراً هي جلسات أُنسٍ ورواق وإختلاءٍ بالنفس.

نجاح تجربة «صالون الكتاب في النبطية» الذي أسسه مجموعة من أبناء المدينة، انتقل إلى أنصار حيث أسّس عدداً من أبنائها منتدىً أدبياً آخر أطلقوا عليه «نادي القراء في أنصار». بين «الصالون» و«النادي» مسافة جغرافية ليست ببعيدة، لكن وبالرغم من ذلك، اختصرها كتاب يتحلّق حوله قرّاء نهمون يلتقون كل شهر على مائدة القراءة ليناقشو كتاباً قرأوه. « أحياناً ننفعل ونثور، وأحياناً ينشرح صدرنا ونفرح وأحياناً أخرى نحزن ونبكي».

دور النشر تئن والكتاب في غربة، هذا ما تعكسه معارض الكتاب في العالم العربي حيث تعاني هذه المعارض تراجعاً عاماً بعد عام في نسبة الزوار وفي نسبة المبيعات. أسباب كثيرة تساهم في ذلك منها الحروب، ومنها الأزمات الاقتصادية التي تؤثر في القدرة الشرائية لدى الناس، والأهم التحول الذي أحدثه التطور التكنولوجي حيث أصبحت الناس أسرى هواتفها.

« كنا نقرأ لنفرح… فأصبحنا نفرح لأننا نقرأ» هذا ما قالته مؤسسة «صالون الكتاب في النبطية» سلام بدر الدين لـ “مناطق.نت» حيث تحدثت عن البداية التي «انطلقت مع مجموعة صغيرة من محبي القراءة وبصورة خاصة الرواية، حيث كانت اللقاءات تنعقد في مؤسسة تربوية هي دار المعلمين والمعلمات في النبطية، لتنتقل بعدها إلى فضاء أكثر حرية  ومن دون أي شروط. بدأ العدد بالتزايد.  ليتكون فريق ثابت مثابر باحث عن الكتاب الجميل وخلفياته وهذا ما كان يتجلى بوضوح خلال جلسات النقاش».

عن الحياة الثقافية في النبطية تقول بدر الدين إنها كانت دائما غنية. وقد ساهم بعض الأفراد مساهمة لافتة في تفعيلها مثل المرحومة السيدة فريحة الحاج علي. والتي لم تمر موهبة في النبطية أو فعالية فنية أو أدبية إلا عبر صالونها الدائم الذي كان يُعقد في منزلها.

عن المعايير لاختيار الكتب تقول بدر الدين «لا يوجد معايير فاختيار الكتاب يتم عبر اقتراح  أحد أعضاء الصالون». وعمّا إذا كانوا يعتبرون أنفسهم «جزيرة في محيط». تقول: «نعم بمعنى من المعاني. أي بحريته غير المقيدة بالمؤسساتية التي تتمسك بها كل الكيانات الثقافية الأخرى.

الروائية زينب فياض من نادي القراء في أنصار تحدثت عن كسر السائد في بيئة محافظة فقالت: «محاولة كسر السائد في بيئة محافظة يأتي نتيجة رفض قوانين وأعراف وثقافات ظالمة لم تعد تتناسب مع ظروف الزمن الذي يتطور بسرعة هائلة. ينبع من عقلية قرأت وواكبت الحداثة بكل تحولاتها. ويأتي هذا الرفض بعد دلائل منطقية وفلسفية تحث العقل على تغيير ما تم برمجته وتنميطه سابقاً في دواخلنا دون أدلة منطقية. التعمق بكل المجريات الدينية والسياسية وحتى الاقتصادية التي أصبحت بمتناول الجميع بسبب العولمة يحفز المثقف المتابع أن يرفض ويناقش ويشكك بتاريخ بات واضح انه أتى ليسيطر على عقول البشر بالتخويف والتهويل. كان لابد أن يخرج ثلة من المثقفين لكسر التابوهات دون تردد او خوف من المحيط الخانع لكل الموروثات السابقة. تبدأ محاولة كسر السائد في بيئة محافظة بتزويد الفكر بثقافة الانسانية من حقوق وواجبات. المحاولة في بادئ الامر ستكون في غاية الصعوبة. ان تُحاط بمجموعة تؤمن بهذه المغامرة هي الخطوة الأكثر فعالية. كلما كانت فكرتك واسلوبك في التغيير محصّنة بثقة من حولك ومساندة المجموعة سيكون التغيير حتمي  واقل صعوبة. ثقافة تقبل الآخر و محاولة إعادة بلورة تفكير الخانع الراضي بمحيطه هي الخطوة الاكثر فعالية ليكون معك. ليست وظيفة الثقافة أن تزودك بفكر من سبقوك فقط بل أن تجعلك تأخذ بيد من حولك لينهضوا من فخ البيئة المحافظة. هذه البيئة تحاول جاهدة أن تكون مسيطرة بالتهويل».

بولين منصور من نادي القراء في أنصار تحدثت عن تجربتها مع القراءة فقالت «ظهر شغفي للقراءة منذ الصغر وأولى إيجابيات هذه القراءة كان اللغة التي ساهمت في تنمية المهارات الكتابية والتعبير لدي بشكل جيد واكسبتني ثروة لغوية وأدبية لا بأس بها». تابعت: «قراءة الروايات لعبت دوراً كبيراً في تكوين شخصيتي، فالكثير من الروايات تحمل في طياتها جوانب فلسفية وأسئلة عميقة، تجعلك تعيش تجارب إنسانية وتعرفك على الكثير من ثقافات الشعوب وتفاصيل حياتهم. القراءة أثرت تفكيري وعمقت لدي الوعي مما جعلني متقبلة للآخر مهما كانت طريقة تفكيره فأنا اؤمن أن لكل إنسان شخصية مميزة ولديه ما يقدمه.

ايلدا مزرعاني من صالون الكتاب في النبطية تقول إنها من جنوب الروح حيث الوطن امتداد لكينونة الحرف والفكر. «احمل فكر اللغة الفرنسية اعمل في حقل التعليم والتدريب والتنسيق. ولي اصداران في الشعر». تتابع «هل الثقافة تنتمي فعلياً إلى مجال المعرفة؟ هل هي محصورة بفعل المعلومة؟ أنا لا أظن. فالثقافة امتداد لمهارات نتداولها في حياتنا اليومية. الثقافة فعل يمارس في افعالنا اليومية المختلفة كافة. فالمثقف الذي يعتمد مثلا على روحية الدين على افعاله ان تكون منسجمة تماما مع قيم فكره. والمثقف العلماني عليه ان يظهر في سلوكه وافعاله تصرفات تشع منها روحية العلمانية. المثقف الفعلي هو الشعلة التي تنير السبيل امام العابرين كي يُستظل بنور ثقافته. فهو من يقدم على طرح الافكار النيرة وهو من يمارس فعل التقدم من اجل اقناع مجتمعه بفائدة التغيير.

لم التغيير؟ في الحقيقة نحن لسنا في مجتمع مغاير. نحن ابناء بيئتنا. وللاسف، تحتاج بيئتنا الى الكثير كي تنتج افعالا تقدمية في محاولة لقيامة المجتمع المنفتح المعترف بالآخر. نحن نعاني من مشاكل اجتماعية وثقافية متعددة ومتشعبة لكن تبقى قلة الوعي اخطرها.

من جهتها قالت الشاعرة ديمة منصور من نادي القراء في أنصار إن النادي أضاف نكهة خاصة الى القراءة والكتابة، فبدل أن تقرأ الكتاب مرة واحدة أنت تقرأه مرات ثلاث. مرة حين تجول عيناك بين أسطره وثانية حين تناقشه مع مجموعة من المثقفين وأخيراً حين تعدّل رأيك أو تثبته حول فكرة ما أو حدث ما في الكتاب، فأنت ايضا كأنك أعدت قراءته. بالاضافة لذلك هناك تأثير للنادي على الكتابة فتصبح لا تترجم شعورك وفكرك فقط بل أيضاً شعور وفكر الكثيرين. فأنت تجلس مع مجموعة من المثقفين ذو خبرات ثقافية عالية جداً وهذا سيكسبك شعوراً إضافياً، إلى جانب ذلك يكون في كل منا عند المناقشة أفكاراً وهواجس لا ينقطع تدفقها تشعر معها أنها أمواجاً عاتية ستكسر صخور الجهل .هذا النادي الجميل رسم في عيون كل منا أملا بوطن مشرق، هذا النادي أزهر في قلوبنا ربيع القراءة والثقافة وأمطر حباً وعطاءً وافكاراً.

كارمن حمادي من صالون الكتاب تقول «أول مرة عرفت بهذا النشاط لفتني الأشخاص المشاركين فيه، حيث كنت في أمس الحاجة للقاء بهم، والسبب أنني  أعاني الاختلاف عمن حولي لناحية عشقي للقراءة وكل من حولي يجدونها شيء لم يعد مألوفاً، ومن يمارسها إما شخص يعيش في الكهوف أو آت من كوكب آخر. الأجمل والارقى كان حين بدأت أشارك في هذا النشاط ووجدت نفسي محاطة بكل ما يمكن أن يزيد الكتاب والقراءة غنى وعمق وإنسانية، محاطة بأناس يجعلون القراءة معرفة واستكشاف ومتعة إن من ناحية الثقافة العالية التي يتمتعون بها أو من خلال تعدد الآراء واختلافها. والسعادة الفائقة التي لا أستطيع إلا أن أعبر عنها هي اللقاء مع هذه المجموعة الرائعة التي تشعر وانت بينها بالحب والفرح وتنتظر اللقاء على أحر من الجمر، حيث ستجمعنا صفحات كتاب تأخذنا أفكاره إلى عوالم واسعة كأننا في رحلة.

زينب عاصي من نادي القراء تقول: «على مدى ثلاث سنوات ونيف قرأت ما يقارب الثلاثين رواية جلها من الروايات العالمية الحاصلة على جوائز عدة. ما لفتني أن كل رواية تتميز عن غيرها بأنها تبرز مواطن الانسانية وترتقي لتعانق النجوم». أبرز هذه الروايات «الارض الطيبة» للكاتبة الامريكية بيرل باك، ترجمت هذه الرواية إلى جميع اللغات ونالت جوائز كثيرة، ما أثر بي هو نموذج لعائلة علمتني بأن النجاح وجمع الثروات ليس بالتخلي عن الارض والمكان، بل بالولاء والكد والتعب حيث الرجل قوله فعل وليس فعله قول، وعلمتني بأن مواطن الجمال عند المرأة هو روحها وعطائها ووقوفها إلى جانب الرجل، وإن ادارة المؤسسة الزوجية لا تحتاج إلى شهادة جامعية بل إلى قلب نابض بالحب وإلى فطنة وحكمة، وأجمل وأروع الحكم هو الصمت الذي بدوره أبلغ من الكلام».

د. زاهي خليل من صالون الكتاب يقول إن التطور التكنولوجي غيّر عاداتنا وأساليب الحياة. دخل الكومبيوتر والهاتف كمصدر مهم للمعلومات كافة، العلمية والأدبية والثقافية والإخبارية وغيرها وكذلك كوسائل  للتواصل الاجتماعي بكافة أوجهه. وكان لا بد أن تتأثر المطالعة بأنواعها كافة بهذه الأساليب الحديثة.

هل نحن آخر جيل يقرأ في كتاب؟ من متابعتي أستطيع أن أقول مسروراً أن نسبة الذين يطالعون هي في ازدياد وخاصة بين جيل الشباب، ولكن لا بد من الاعتراف أن نسبة التعامل مع الكتاب الورقي بدأت بالتدني لصالح القراءة الالكترونية ولذلك لأكثر من سبب، أهمها توفر المصادر الأدبية والعلمية وسهولة الحصول عليها وتحميلها وثانياً الجهد المادي الواجب تأمينه مقابل الحصول على النسخة الورقية. وأختم ثالثاً أن الجيل الجديد لم يحصل على متعة المطالعة المباشرة والعلاقة الروحية التي يمكن ان يرتبط القارىء بها مع كتابه أثناء المطالعة فلا بد ان يترك القارىء شيئا من روحه تسكن بين طيات الكتاب الذي بين يديه ولاحقا في مكتبته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى