قضايا ومتابعات

قناة “الجديد” والاستثمار على الفاجعة
مناطق نت

الصدقات أو التبرعات المنزهة عن الشبهات، هي تلك التي تكون سرّاً، لا يدري بها إلّا المتصدق والمستفيد منها نفسيهما، والصدقة في عمقها، هي ضريبة طوعية يؤديها المتصدق، ليس فقط، ليمنح نفسه شعورا إنسانيا وأحاسيس سامية، إنما أيضاً هي إقرار منه، بوجود خلل في نظام اقتسام خيرات المكان، خلل لا يمكن الركون إليه ولو كانت القوانين والأنظمة هي التي أفرزته ومنحته الشرعية، وعليه هو اعتراف ذاتي بأن ما يمتلكه ليس حقّا مطلقا، إنما من توليد ظروف وألعاب سياسية واقتصادية وثقافية، رجحت كفّة فئة على كفة آخرين، وفي ظل العجز عن تحقيق العدالة أو لغلبة الطمع على هذه العدالة، تتحول الصدقة إلى فعل شديد التواضع لتصحيح الخلل أو لتخفيف آثاره.

لا أحد ينكر على النائب الكويتي خلف العنزي نبله وكرمه وعاطفته في تبرعه لعائلة جورج زريق ب10 آلاف دولار وتخصيص راتب شهري لها بعد إحراق الوالد نفسه لعدم قدرته على تسديد الأقساط المدرسية لأولاده، وهو فوق اية شبهة مصلحية، ولو أن ما فعله يرتد على شخصه إيجابا، تبقى مبادرته “استغلالا” حميدا تعلي بتواضع من قيمة التضامن الاجتماعي والإنساني بين الشعبين الكويتي واللبناني.

لكن ما يجري على النائب الكويتي، ليس نفسه يمكن قوله على الوزير اللبناني حسن مراد بتكفله إتمام الدراسة الجامعية لأولاد زريق، وقبل أن يتهمنا البعض بالمحاسبة على النيّات، نقول، ولو كان تبرعه صادرا عن تعاطف خالص مع العائلة المنكوبة، يبقى ملتبسا، بحكم صفة “المتصدق” الذي يملك أمبراطورية تعليمية تدرّ عليه ملايين الدولارات سنويا، وأيضاً بجكم موقعه في سلطة مسؤولة عن إفقار ناسها وإنهاكهم بأقساط مرتفعة لتعليم أولادهم.

مخيفة هي النيران التي اضرمها جورج زريق بلحمه، فهي لم تلسع بلهيبها ثانوية بكفتين وحدها، إنما جميع المؤسسات التربوية الخاصة في لبنان، ومن بينها مؤسسات مراد نفسه، فإذا كانت الدولة ممنوعة من الدخول إلى موازنات هذه المؤسسات والكشف عن أرباحها الخيالية والبدلات الفاحشة التي تتقاضاها من الناس، فإن نار جورج زريق أحرقت الستائر، وبان ما يدور خلفها بكل بشاعاته.

جورج زريق أحرق نفسه، لكنه أضاء لغيره، ونيرانه ليست خاصة ولم تعد تحرق مطرحها، كما حاولت قناة “الجديد” أن تصوّرها، فهي لم تكتفِ بمحاولة إطفائها بماء التبرعات والصدقات، إنما ايضاً حوّلتها فرصة للاستثمار، وهل هناك أكثر ربحا ونجاحاً من الاستثمار على الفاجعة، فلم يعد الحديث عن أوجاع عن الفقراء والمعوزين والمعدمين إنما عن كرم الأثريا والأغنياء وفاعلي “الخير”.

لم يعد جورج زريق يتألم، لتبق نيرانه متقدة، هي الآن أضواء ليس على قضية الأقساط المدرسية فقط، إنما أيضاً على فوائد المصارف وإيجارات السكن وفواتير الماء والكهرباء والمستشفيات…والصدقات والتبرعات ليست حلولا، إنما بتصحيح توزيع الدخل والنظام الضرائبي العادل والبرامج الاقتصادية والاجتماعية التي تكفي الناس شر العوز والحاجة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق