جندر

“أصحاب ولا أعز”…رائع عالمياً و”مؤامرة” عربياً!!

في مهرجان القاهرة السينمائي عام 2016، حاز فيلم إيطاليّ اسمه ”perfetti sconoscuiti” “غرباء تماما”، من إخراج باولو جينوفير على عدة جوائز، منها جائزة أفضل سيناريو. ليعود ويدخل موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية في 2019 كأكثر فيلم يعاد إنتاجه بلغات مختلفة. في 2022، أطلقت منصة “نتفليكس” الاصدار الأخير من الفيلم، بالنسخة العربية، تحت عنوان “أصحاب ولا أعز”، وكان هذا الإصدار التاسع عشر للفيلم نفسه.

وبالرغم من أن الفيلم انتشر واسعاً في العالم العربي، كما نسخته الإيطالية التي عُرضت في المنطقة قبيل عرضه على منصة نتفليكس في 2016، إلا أن النسخة العربية أثارت جدلا واسعا، وحاول البعض تحويلها إلى قضية أخلاقية تهدد استمرارية التقاليد في المنطقة.

التزم الفيلم يالسيناريو الأصلي، فربما التغيير البارز فيه كان بنوع الطعام على المائدة، وبعض النكات الصغيرة المعدلة المضمون. تدور أحداث الفيلم بين سبعة أصدقاء يرتبطون بصداقة حميمة منذ 20 سنة، ومن المفترض أن لا أسرار بينهم. يجتمعون على العشاء ليشاهدوا الخسوف، حيث يقودهم الملل إلى لعبة هي عبارة عن قراءة كل الرسائل الواردة على هواتفهم وأيضاً الاجابة على أي اتصال يرد بصوت عالٍ ليسمعه الجميع. وما هي إلا دقائق حتى بدأت الحقائق بالظهور، مغيرة مجرى الصداقة كليا.

انتقاد الفيلم عربياً لم يكن لأسباب تتعلق بالمضمون أو الاخراج أو أي سبب “سينمائي” حقيقي، بل بسبب المواضيع التي طرحها الفيلم، وتضمنت العلاقات خارج الزواج، المثلية الجنسية، الخيانة، وغيرها. ونالت البطلة منى زكي حصة الأسد من الشتائم والانتقادات، خاصة من المجتمع المصري الذي هاجمها بشكل غير مسبوق.

منى زكي ونقمة المجتمع

تعتبر منى زكي من أبرز النجمات في الساحة المصرية، إذ لعبت العديد من الأدوار المختلفة ولمعت في الغالبية الساحقة منها، لكنها للأسف -كأي امرأة في الساحة العربية- تتحمل مباشرة مسؤولية التأثير في “البنات” وحمل القيم المجتمعية وصونها والحفاظ عليها. وعليها، مرغمة، أن تمارس هذه الوظيفة طوال الوقت، وإلا فهي توصف بأول كلمة يمكن تعييب أي امرأة بها: “العاهرة”.

ذنب منى زكي الآن أنها شربت النبيذ على الشاشة، فهذه مثلاً من الكبائر، إذ لم نرَ قط أي ممثل -أو حتى ممثلة- مصرية يشربن النبيذ. ولا حتى في معظم أفلام عادل إمام ورشدي أباظة وغيرهم. لكن الرجال فقط تشرب في هذه الأفلام، أما النساء اللواتي يشربن، فهن 3 أنواع؛ إما نساء يلعبن دور المرأة السيئة صاحبة المرقص والتي تريد أن تغوي الرجل أو تبتزه، أو المرأة الضعيفة المضحوك عليها ليتم استغلالها، أو تلك التي تعاني من مشاكل إدمان وفقدان سيطرة. لكن، معاذ الله أن تقوم امرأة بشرب النبيذ والتدخين مع أصدقائها أثناء العشاء، فهي بذلك تروج أن ما يصح للرجل، يصح أيضاً للمرأة، وهي جريمة كبرى تخدش الحياء العام.

أما جريمة منى الثانية، فهي خلعها للباسها الداخلي من تحت الفستان، في مشهد لم يكن حتى القصد منه اغرائي أو اباحي، ولم يفهم القصد منه حتى نهاية الفيلم، عندما نكتشف أن مريم -شخصية منى زكي- تتحدث بين الحين والآخر مع غريب على الفايسبوك، دون أن يتم بينهما لقاء أو حتى اتصال، لكنه يسأل بعض الأسئلة الشخصية التي فقدتها مريم في علاقتها مع زوجها الذي يعاملها بصدامية ونفور منذ اكثر من سنة. لذا، فمنى زكي التي كانت – دون موافقتها أو حتى سؤالها- رمزًا للمرأة المصرية الناجحة ولكن المحافظة، بدورها هذا، أصبحت تحارب كل تقاليدنا ويجب إقصاؤها، وحتى طلاقها من زوجها، لأنها لا تستحق شخص كأحمد حلمي.

أياد نصار والخيانة المشروعة

الملفت أن الممثل إياد نصار، الذي يلعب دور “شريف” زوج مريم، أو منى زكي، والذي يتلقى صور إباحية على هاتفه من فتاة قد تكون قاصر، لا يناله من الجمهور نفسه الاستهجان والانتقاد. ربما لأن معايير الخيانة الزوجية تختلف بين الرجل والمرأة، وهي إن حصلت من قبل الرجل فهذا أمر طبيعي لا نعلق عليه.

ردود الفعل بين لبنان ومصر

بالرغم من أن الفيلم لاقى انتقادات واسعة من معظم الجمهور العربي، إلا أن أكثر تلك الانتقادات توزعت بين لبنان ومصر، والسبب وجود شخصية مثلية يلعب دورها الممثل اللبناني فؤاد يمين. الانتقادات اعتبرت أن الحوار والأخذ والرد مع تلك الشخصية في الفيلم ما هو إلا “لترويج وتقبل المثلية في المجتمع”. وكأن مجتمعاتنا لم تعرف المثلية الجنسية أبداً وتعتبرها حالة غريبة. لم يقرأ أحد عن الغلمان في العصر العباسي والأندلسي وأحاديث الشعراء عن “انتشار اللواط”. ونستنتج بالتالي  بأن الفيلم ينقل ثقافة غربية غير موجودة عندنا.

لكن ردة الفعل اختلفت بين لبنان ومصر، ففي لبنان اقتصرت على سجالات انتشرت كالنار في الهشيم في مواقع التواصل الاجتماعي،  انخرط بها الناس اضافة الى ممثلين واعلاميين والعديد من الفنانين اللبنانيين، إذ كتب الطبيب جوزيف الخوري: “كطبيب نفسي أمارس مهنتي منذ 10 سنوات في الشرق الأوسط أستطيع أن أؤكد أن كل ما ورد في الفيلم قد يحصل، أو حصل فعلاً في مجتمعنا بغض النظر عن الخلفية والعرق والدين. هو ليس غريب ولا مستورد”. قوبل رأي الخوري بردود لاذعة معتبرة أن هذا “تشويه للحقيقة”.

في مصر تعدت ردود الفعل المنصات الإلكترونية، اذ قام عضو مجلس النواب مصطفى بكري بالتقدم بدعوى داخل مجلس النواب لأن الفيلم يستهدف الأسرة المصرية ويضرب مفاهيمها وقناعاتها، ويسأل “هل يوافق المدافعون عن الفيلم أن نعرض أفلام “البورن” في مصر والبلاد العربية؟”

إدعاءات بكري تدحضها الإحصاءات، وهي بحسب موقع “بورن هاب”، فإن نسبة متابعي الموقع في البلاد العربية كبيرة جداً، وتحديداً تلك التي تتضمن نساء مثليات، إذ تنال المرتبة الأولى من حيث عدد المشاهدات عربياً. لكن بكري لم يكترث لكل هذا، بل دعا لإلغاء منصة نتفليكس من قبل البرلمان لأنها تنشر “الشذوذ”. ولتكتمل المفارقة، قام موقع “ايجي بيست”، وهو أحد أكبر المواقع لقرصنة الأفلام، (تحديدا عن منصة نتفليكس)، لعرضها مجانا للشعب، بحجب الفيلم عن موقعه، إذ أسماه “أصحاب ولا أسوأ” الفيلم الشرير الذي يريد ضرب قيمنا.

لكن القيمين على الموقع أغفلوا عن ازالة العديد من المسلسلات والأفلام الأجنبية، مثل “لعبة العروش” و”ناركوس ويوفوريا” و”فيفتي شايدز اوف غراي” التي تعتبر من أكثر الافلام والمسلسلات قرصنة على هذا الموقع، وفي تغريدة رد على أحد المنتقدين يقول الحساب: “اه حذفنا الفيلم لأن أمك وأختك ومراتك بيدخلوا على “إيجي بست” ولما يلاقو فيلم لمنى زكي طالع “ترند” هيتفرجوا عليه وبعد ما يتفرجوا عليه هيشكوا فيك انك شمال…”

الا أن “الحساب” الخاص بأصحاب الموقع يتعرض للكثير من التهكم، اذ سأل البعض كيف يقوم موقع يختص بسرقة الأفلام بالمحاضرة عن الأخلاق؟ واعتبر آخرون أنه عليهم ازالة كل افلام ومسلسلات “نتفليكس”، وبهذا يحاربون الشركة عبر وقف السرقة وزيادة أرباحها.

هنا يجدر السؤال، لماذا لا تهدد أفلام كالتجربة الدانيماركية الثقافة المصرية؟ هل لأن البطلة في الفيلم امرأة أجنبية؟ أم لأن الممثلة نيكول سابا غير مصرية، فلا يمكن لنساء مصر أن يتأثرن بها؟ ولماذا يستطيع عادل امام أن يقبل العديد من نجمات شاشته على مر كل هذه السنين؟ وهل قدر الممثلات المصريات أن يخضعن لرقابة المجتمع حتى لا يتم مهاجمتهن؟

فيلم مصري من الخمسينيات
الفيلم والمجتمع

دعمت نقابة الفنيين في مصر وساندت الفنانة منى زكي، حيث نظّمت العديد من الحملات الداعمة لها من قبل شخصيات مصرية وعربية. وتم انتقاد الهجوم عليها عبر إبراز العديد من الافلام المصرية في حقبتي الخمسينيات والستينيات من بطولة فاتن حمامة، أيقونة الفن المصري، والتي لم تشكل وقتها أي مشاكل، فلم الضجة الآن؟

استغرب الكثير من الناشطين على مواقع التواصل اتهام الفيلم بالترويج لأفكار غربية واقترحوا عرض أفلام تتحدث عن أخبارنا اليومية أكثر، فقام عماد القاضي وهو مواطن مصري، بنشر لائحة من القصص الممكن إنتاجها لتصبح أفلاماً تعكس واقعنا، كاغتصاب القاصرات، وقتل النساء لأخذ حصتهم من الميراث، وابتزاز النساء بصور مفبركة حتى تنتحر، واغتصاب شيوخ لفتيات أثناء تدريبهن على القرآن وغيرها الكثير من القصص المفجعة عن نساء تقتل وتحرق وتغتصب وتدفع للانتحار وتتزوج في الصغر ومآسي يومية تعيشها النساء، لكنها لا تثير حفيظة المجتمع، ولا تصل الى مجلس النواب، ولا يرفع عليها أي دعوة، فنحن مجتمع لا يكترث بحماية النساء، ولا بحياتهن، فقط نريد قمعهن، واسكاتهن، والسيطرة على أجسادهن بما يحلو لنا -ولعل هذا ما جعل الكثير يستهجن حديث وليد (جورج خباز) مع ابنته عن حريتها في اتخاذ قرار مناسب لاقامة علاقة مع حبيبها أم لا.

بالمحصلة، نريد آباء يصرخون على بناتهم ويتدخلون في خصوصياتهن، ولا نريد ازواج يبادروا للذهاب للعلاج النفسي كي يصبحوا أشخاصاً أفضل، ولا نريد أصدقاء تتقبل “مثلية” صديق كونها حياة خاصة تعنيه وحده. نحن نريد شخصيات كزياد فقط؛ رجال كاذبون يعرضون عملهم للبيع دون استشارة زوجتهم التي هي شريكتهم في الشركة أيضا، يتزوجون امرأة، ويصاحبون موظفاتهم، وزوجات أصدقائهم، يتسترون عن أصدقائهم الخائنين، يشككون بزوجاتهم، ويرفضون كل الرفض أي اختلاف في أصدقائهم، هذا هو الرجل الوحيد الذي يرضي مجتمعنا الورقي.

الملوخية المصرية أطيب من اللبنانية

لم أرَ ما في الفيلم أي ثقافة غريبة سوى أن الأصدقاء اجتمعوا لبضع ساعات دون انقطاع للكهرباء مرة واحدة حتى، أو دون الحديث عن الدولار أو السياسة. ولعل أبرز ما استفزني وخدش حيائي هو اعتبار الملوخية المصرية أطيب من اللبنانية، وتناولها بالأرانب وليس الدجاج، الا أنني قد أستعد لتغيير رأيي ان كان من يصنعها ممثلة خارقة كمنى زكي.

بالرغم من أن الفيلم لم يناقش منع عرضه في لبنان، إلا ان ذلك ليس مؤشرا لتقدم الفن والحرية في البلد، لأننا جميعا نذكر الحملة التي تعرضت لها فرقة “مشروع ليلى” والاتهامات بالتعرض للذات الإلهية والدين. وأيضاً نذكر الدعاوى والاستدعاءات بحقهم، وفرض الغاء حفلتهم في جبيل منذ أقل من 3 سنوات. نستذكر أيضاً فيلم “بيت البحر” للمخرج روي ديب، الذي منع عرضه في لبنان في 2017 لأنه “يروج للمثلية الجنسية ويسيء للبنان ويصوّر جميع اللبنانيين إما مثليي الجنس أو أنهم يوافقون عليها، وهذا خلاف للواقع وإساءة للبنان”، بحسب مديرية الرقابة في الأمن العام. إلا أنه بالرغم من قمع المجتمع والسلطات العسكرية والدينية، سيظل صوت الفن، صوت الموسيقى، وصوت الابداع أعلى. هنيئا لطاقم “أصحاب ولا أعز” عملهم وأتمنى مشاهدة أعمال جديدة غير مقتبسة تظهر ابداع السينما العربية الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى