تحقيقات

المطلوبون في بعلبك – الهرمل: حياتنا سجن مفتوح

طفار، مطلوبون، خارجون عن القانون.. ويبقى الوصف الأغرب “الفارون من وجه العدالة”. جميعها مصطلحات تطلقها الدولة على كل من صدر بحقه مذكرة قضائية في البقاع. لكن يبقى السؤال هل من عدالة لهؤلاء؟

40 ألف هو عدد المطلوبين بمذكرات قضائية في منطقة بعلبك-الهرمل بحسب الأرقام الرسمية. لكن في المقابل يعتبر كثيرون إن هذه الأرقام مبالغ فيها ومشوهة وغير دقيقة، حيث الرقم الحقيقي هو حوالي ١٥٠٠ يتوزعون على مناطق المحافظة كافة. وبحسب لجنة العفو فإن عدد مذكرات التوقيف ليست معياراً أو مؤشراً لاحتساب عدد المطلوبين، فهناك بعض الأشخاص صدر بحقهم حوالي ٤٠٠ إلى ٥٠٠ مذكرة. وعليه لا يمكن احتساب عدد المذكرات على أنها أعداد المطلوبين.

المفارقة أيضاً أن العديد من مذكرات التوقيف تتم وفق معيار يفتقد إلى الحد الأدنى من العدالة، وهي أن يقوم أحد الموقوفين بزج أسماء في أي جرم أو جنحة، فتصبح تلك الأسماء لدى الدولة مطلوبة للتحقيق دون التأكد من ذلك. وبالتالي تصبح عملية إصدار مذكرة توقيف بحق أي شخص خاضعة لمصداقية ومزاجية أي موقوف، يزج من خلالها بأسماء ربما لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بأي جرم في السجن.

بحسب لجنة العفو العام، يتوزع المطلوبون على العديد من القرى والبلدات وبأرقام تقريبية. على سبيل المثال هناك حوالي ٣٠٠ مطلوباً في منطقة الهرمل وقضائها، و٣٠٠ مطلوباً في عرسال، َحوالي ١٠٠ في بعلبك، و١٠٠ في حي الشراونة، وأكثر من ٢٠٠ في بريتال، و٢٠٠ في طاريا والكنيسة، وحوالي ٧٠ في حورتعلا، بالإضافة إلى بوداي ودار الواسعة وغيرها.

أعداد لا يستهان بها، وشريحة من البقاعيين لا يستطيعون أن يعيشوا حياة طبيعية بسبب ملاحقتهم من قبل الدولة، ولا استعداد لديهم لتسليم أنفسهم كونه لا محاكمات من جهة، ولا شروط صحية في السجون من جهة ثانية.

سجن مفتوح

يقول ع. ش. وهو من مواليد العام ١٩٨٢، مطلوب بثماني مذكرات توقيف معظمها إطلاق نار، وإحداها تجارة مخدرات، إن حياة المطلوب هي أشبه بسجن مفتوح، محروم من التجوال، يحصر تنقلاته في الجرود ولا يزور بلدته إلا في الحالات الطارئة. لا يمكن أن يتنقل في المدن أو في العاصمة.

يعمل ح. ش. في مجال الحفر والكسارات، من مواليد العام ١٩٦٧. متزوج ولديه خمسة أولاد وهو مطلوب بأكثر من ٢٠ مذكرة توقيف، أبرزها إطلاق نار على دورية للمخابرات وإصابة أحد العناصر وإطلاق نار على الجيش أثناء تلف الحشيشة، لا يزور قريته إلا في حالات الضرورة القصوى.

صناعة المطلوبين

حول جرمه يقول ع. ش إنه للأسف ما أن تصدر مذكرة توقيف بحق أي شخص، حتى يبدأ زج إسمه في عمليات إطلاق النار وفي أي حادثة، حيث تتوالى المذكرات بحقه. وأدرج ع. ش. هذا الواقع في إطار صناعة المطلوبين في بعلبك-الهرمل. يروي ع. ش لـ “مناطق نت” أنه حاول مراراً الدخول إلى ملاك الدولة وتقدّم لوظائف عدة، منها الجمارك والأمن العام والجيش اللبناني، حيث فشلت جميعها، فاضطر للعمل في الزراعة. وهنا يتساءل “هل زراعة الحشيشة جرم” يتابع “نزرع الحشيشة لنعلم أولادنا، نحن لا نقتل ولا نسرق، ونحتقر السارق والقاتل ونسلمه للعدالة.

السلاح لا يفارقهم

حياة الهروب والملاحقة بين الحين والآخر تستدعي دائماً أن يُبقي المطلوب سلاحه “ملقماً” وعلى جهوزية تامة كما يقول ع. ش. مشيراً إلى أن ما يحصل في بعلبك-الهرمل بحق المطلوبين هو إعدامات ميدانية. يضيف “من المسلّم به أن المطلوب الذي عليه جرم أو جنحة من حق الدولة محاكمته ومن ثم سجنه، لكن ليس قتله. لهذه الأسباب يقول ع. ش. أنا حذر دائماً لجهة عدم الخروج من دون سلاح، وعدم السماح لعائلتي بمرافقتي في السيارة في أي وقت كان.

ح. ش. هو الآخر مطلوب منذ حوالي ٨ سنوات، كان يسكن في محيط بعلبك واضطر لاحقاً بعد حادثة إطلاق نار، أن يتوارى في الجرود. داهم الجيش اللبناني مكان إقامته منذ حوالي ٨ أشهر. لا يستطيع التنقل إلا بعد استكشاف الطريق والتأكد من أنه لا حواجز على الطرقات لأن التنقل يعتبر مخاطرة كبيرة.

قساوة العيش في الجرود

ظروف مناخية ومعيشية قاسية يعانيها المطلوبون بمذكرات توقيف، حيث يسكنون الجرود والمناطق العالية والنائية بعيداً عن الأنظار. ينامون أحياناً في سياراتهم حيث لا تدفئة، بعيدون عن عائلاتهم وأهلهم وأولادهم وعن كل معالم الحياة الهادئة. يروي ع. ش معاناته “ننام أحياناً في الجرود حيث تصل سماكة الثلوج إلى ارتفاع المتر، ونضطر غالباً إلى ترك الأماكن التي نسكن فيها لأنها عرضة للاستهداف والمداهمة. ننام في السيارات والثلوج تحيط بنا من كل جانب”. مضيفاً أنه يعاني من تشنجات أعصاب وأوجاع بسبب البرد والنوم غير المريح.

مأساة ووجع

حياتهم ليست حياة عادية، شعور دائم بأنهم مستهدفون ملاحقون معرضون للموت على الطرقات من جهة، وعدم الراحة الجسدية والنفسية في آن معاً. في حالات المرض غير قادرين على التطبب والاستشفاء، يقول ح. ش وهو المصاب في رجله إنه لا يستطيع أن يقصد المستشفى، فقط مستوصف البلدة عند الضرورة والصيدلي للحقن وبعض الممرضين للعلاج الفيزيائي.

ويروي ح. ش أنه من أكثر الأوجاع التي تحز في نفسه هي وفاة ابنته التي كانت تعاني من إعاقة في مستشفى دار الأمل الجامعي بعد أن قضت ١٥ يوماً في العناية المركزة ولم يستطع زيارتها ورؤيتها.

ع. ش هو الآخر يروي أن أولاده كثيراً ما يستجدونه للذهاب معه في رحلة أو مشوار بسيط ولكن جوابه الدائم بأنه غير قادر. هم محرومون من التواجد معي لكي لا أعرضهم للخطر فأنا مستهدف دائماً على الطرقات.

لا محاكمات

إنها السبب الأبرز الذي يقف وراء عدم تسليم المطلوبين في بعلبك-الهرمل أنفسهم للسلطات، يقول ع. ش. إنه أوكل محامياً لمتابعة قضيته وهو غير مستعد لتسليم نفسه، مضيفاً أقتل نفسي ولا أسلّم.

يلفت المحامي المتابع مع لجنة العفو العام في بعلبك-الهرمل حافظ المولى إلى أن أغلب الناس “المطلوبة” هي موقوفة بدون محاكمات وقد تجاوزت مدة توقيفها الأحكام الشرعية، فهل من المقبول أن يكون جرماً مدة حكمه ٥ سنوات، والموقوف قد أمضى ١٢ سنة في السجون ولم يُحاكم بعد؟!… ويشدد المولى إلى أننا في البقاع ننظر إلى العفو العام على أنه مطلب محق لأن السبب يكمن في عدم سير المحاكمات بشكل نظامي، وتأخير البت بالملفات، وعدم وجود سجون تكفي، وتشابه الملفات التي تعتبر في معظمها كتب معلومات وعطف جرم مما يشكل “لا عدالة” في إبقاء الموقوفون دون محاكمات ويفتح الطريق أمام جدية إقرار قانون العفو العام.

ويقول ع. ش. إن أحد المطلوبين هو في السجن منذ ثماني سنوات، وحتى اليوم لم تتم محاكمته، لقد قضى في السجن أكثر مما قد يُحاكم به.

العفو العام

منذ العام ٢٠٠٥ لم يصدر أي قانون عفو، إلى حين صدور مشروع قانون العفو العام الذي اعتبر أنه حاجة اجتماعية وإنسانية لمنطقة بعلبك-الهرمل بشكل خاص وللبنان بشكل عام. من هنا كانت المطالبة باقرار القانون ضمن شروط أساسية أو يعتبرها البعض مسلمات، فجاء مشروع القانون الحالي ليستثني قتلة الجيش اللبناني، وسارقي وناهبي الأموال العامة، والعملاء الذين تعاملوا مع العدو الإسرائيلي، واقتصر العفو على الموقوفين بالجرائم والتهم التالية: ضبط سير، إطلاق نار في الهواء، مخالفات على أنواعها بما فيها مخالفات البناء، السلب الذي ليس فيه حق شخصي، قضايا التزوير بشكل عام، وتزوير العملة وما يلحق بها، وجرائم المخدرات على أنواعها.

ويأتي هذا القانون في إطار من الشرعية والدستورية من الناحية القانونية، حيث يشير المولى إلى أن المادة ١٥٨ من قانون العقوبات اللبناني اعترفت للسلطة التشريعية بحق إصدار عفو عام إذا دعت الحاجة الإنسانية والاجتماعية والسياسية وما إلى ذلك، وبالتالي إن حاجة الناس الموجودة في هذه المناطق المحرومة لا سيما في ظل ضعف الموارد، وعدم العلاقة الجيدة بين السجون والموقوفين وأهالي الموقوفين، وفي ظل عدم وجود محاكمات عادلة، فإن الدولة أصبحت عاجزة قضائياً وعلى مستوى الضابطة العدلية بالاحاطة بكافة الموقوفين والمطلوبين.

ويوضح المولى إلى أن هذا القانون يتعلق بالحق العام، ويترك الحق الشخصي مرهونا بأصحاب الادعاء، وبالتالي فإن العديد من الموقوفين تخفض احكامهم فقط دون الإفراج عنهم.

عقبات لا زالت تقف أمام إقرار قانون العفو العام، تتجلى في تضارب آراء الكتل النيابية داخل مجلس النواب، بعضهم يريده شاملًا ليشمل الموقوفين الاسلاميين، وآخر يريده أن يضم العملاء فيما تعارض كتل أخرى هذه التوجيهات لتحافظ على الاستثناءات التي وردت في مشروع القانون المقدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى