تحقيقات

انفجار 4 آب.. حكايات متطوعين ومتطوعات قدموا للإنقاذ

عندما دوى صوت انفجار 4 اب العنيف بعد الساعة السادسة مساء 4 آب في سماء بيروت، توارت حكومة حسان دياب عن الأنظار قبل أن يُوارى الضحايا. دولة بأكملها أصابها الإغماء. الرؤساء والمسؤولون خارج السمع، الأجهزة والمؤسسات في ضياع واضطراب، العالم يتسقط أخبار ما حدث من دون فائدة.

الواقعة وقعت، اللبنانيون كلهم على هواتفهم للاطمئنان على ذويهم ومعارفهم. بينما بيروت تتخبط بدمها وحدها. عشرات الجثث من أبنائها تناثرت على الطرق وداخل الأبنية، وجرحاها بالآلاف يسعفون أنفسهم بأنفسهم. لا شيء على الشاشات سوى وجوه ملطخة بالدم وسخام البارود وغبار الركام والأنقاض. الوجوه المدماة تمشي هائمة لا وجهة لها. والكل يسأل الكل، والكل يبحث عن الكل.

من كافة المناطق.. متطوعات جاؤوا لانقاذ عاصمتهم

لم يعد هناك من وقت لانتظار الحكومة لتأخذ المبادرة بعد انفجار 4 اب، أو لسماع بياناتها الفارغة التي تأخرت. كان قد سبقها شبّان وشابات، كل منهم ومنهن وجد أن هناك ما يمكن فعله. من الشمال والبقاع والجنوب والجبل والضواحي، وعلى غير موعد وإتفاق ومعرفة، انطلقوا إلى ساحة الكارثة ليبدأ الانقاذ.

مع كل الوجوه البشعة للكارثة، تبقى لها فضيلة، هو ما قام به هؤلاء الشبّان والشابات وكيف كانت استجابتهم متناسبة مع تحديات الكارثة. لا يمكننا استعادة الذكرى الأولى لانفجار بيروت، دون استعادة تجربة هؤلاء المتطوعين الذين كانوا بالآلاف. “مناطق نت” التقت عيّنة منهم، وهذا ما قالوه عبرها.

رسالة دعم من طرابلس إلى بيروت

في صيف العام 2020، التحقت “رنين العمر” بورشة عمل تدريبية حول كتابة القصص مع مجموعة شبان وشابات من طرابلس وعكّار. تناولوا (ن) بداية تفجيري مسجدي التقوى والسلام اللذين وقعا في طرابلس في العام 2013، ونجم عنهما سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى.

مع وقوع انفجار 4 آب، قررت رنين ومعها 29 زميلاً التوجه إلى بيروت لتقديم رسالة دعم من طرابلس إلى بيروت. حيث يقوم كلٍ منهم (ن) بكتابة قصة ما تركه فيه الناس في بيروت. شعرت رنين أن المشاهد ذاتها تتكرر من انفجار طرابلس إلى انفجار بيروت. وأرادت أن تقدّم مع زملائها بادرة أمل لأهالي بيروت حتى يستعيدوا قواهم من جديد.

“أردنا أن نقول لأهالي الكرنتينا أننا معهم ونقف إلى جانبهم بكل جنسياتنا وطوائفنا. وأن هذا التفجير أصاب المواطنين من المناطق كافة وليس أهالي بيروت فحسب”. هذا ما قالته رنين التي توجهت مع زملائها إلى الكرنتينا وهم يحملون صناديق حلوى قدموها إلى سكان المنطقة. تقديم الحلوى كان على وقع القصص التي سردها أهالي الكرنتينا لهم عن معاناتهم جراء الانفجار. والذين أبدوا إعجابهم وامتنانهم بما قام به أهالي طرابلس وعكّار.

تذكر رنين في قصتها الشاب محمد الذي كان منزله مجاورًا لمسجد التقوى فأصيب في ظهره. إلا أنه رغم جراحه والألم الشديد الذي كان يشعر به قام بمساعدة الناس وخاصة الأطفال الذين ملأ صراخهم أنحاء المدينة. تضيف “الحالة نفسها عاشها أهالي بيروت الذين وقفوا إلى جانب بعضهم البعض رغم آلامهم. ونحن في رسالتنا التي نقلناها لهم أردنا أن ننقل رسالة محبة والبعض منا ساهم في عملية رفع الركام والتنظيف في بعض البيوت”.

[smartslider3 slider=”3″]
بشكل فردي وعلى مدى أسابيع.. عمل علي دون ملل

في 4 آب عاد “علي سليم” إلى منزله في بلدة الصرفند لتبديل ملابسه بعد أن قرر التوجّه إلى بيروت لتناول العشاء مع صديقته. وصل إلى منزله ليجد صور عدد من أصحابه على تطبيق الواتساب مصابين بجروح دون أن يفهم السبب. سأل علي هذا وذاك وشغّل التلفاز ليفهم ما الذي يجري. ثمّ هرع للاتصال بصديقته ليطمئن عليها. في تلك الليلة حاول جاهدًا أن يتوجه إلى بيروت إلا أن الطرقات والظروف لم تكن تسمح بذلك.

عند الساعة الخامسة صباحًا من اليوم الذي تلى انفجار 4 اب ، توجّه علي إلى بيروت وهو يحمل كميات من الخبز والماء والمناقيش. وشارك بشكل فردي في عملية إزالة الردم في الأحياء المتضررة. وفي اليوم التالي اصطحب معه أصدقاء من النبطية لشراء معاول ومجارف ومكانس. ثم ساهموا في عملية إزالة الردم والركام من البيوت في مناطق عديدة في بيروت. واظب علي وعلى مدى أسابيع مع أحد أقربائه في توزيع الأدوية التي يحتاجها الناس، بعد أن وفّرا حوالى 100 دواء.

يقول علي “لا زلت أذكر في اليوم الأول للجريمة عندما كنت برفقة أخي الذي عاد إلى لبنان قبل انفجار 4 اب بأيام قليلة. مررنا بجانب سيارة محطمة يعلوها الردم مظهرها مخيف، لنعود بعدها بدقائق ونشاهد جثث 7 شهداء يتم انتشالهم من تحتها”. على مدى أيام، عمل علي من دون تنظيم وقام بأشغال ليس لديه أي خبرة فيها حتى أنهكه التعب. إلا أنه على حد قوله “حجرة على حجرة بتسند”.

سمع علي قصصًا كثيرة رواها أصحاب البيوت والمحلات في بيروت. جلسوا أمامها وسط الركام يروون قصصهم للمتطوعين ويسردون ذكرياتهم قبل انفجار 4 اب وأثنائه. لا ينسى علي طيبة هؤلاء الأشخاص الذين عمد عدد منهم إلى تقديم هدايا تذكارية أو صور للمتطوعين من بيوتهم التي تهدمت. ومنها قيام أحدهم بتقديم زجاجة نبيذ “بقيت على حالها من بين الحطام في منزله”.

من تبرعات المغتربين.. أكثر من 35 أسرة ساعدتها ميرا

أرادت “ميرا بيطار” الانتقال مع صديقاتها من مسكنها القديم في محلة الجعيتاوي إلى شقة جديدة. خرجت من عملها في منطقة الجدَيدة لتتوجه إلى المنزل لتوضيب أغراضها. انشغلت عن متابعة طريقها بحديث مع زميلتها عند مدخل المبنى. شعرا بداية بأن كل شيء من حولهما يهتزّ بشكل مرعب لم تشهدا له مثيلاً من قبل. ثوان قليلة مرت وإذ دوّى انفجار 4 اب. ما تذكره ميرا وزملاؤها أن قوة ضاغطة قد دفعتهم (ن) إلى الأمام. بعدها تناهى إليها أصوات الزجاج المتكسر في كل المنطقة كأنها أصوات أشباح. خيّم صمت موحش، لم يفهم أحد ما الذي يجري. هذا يتصل بأهله وذاك يسأل أصدقاءه. لم تتأكد ميرا من طبيعة ما حدث إلا بعد أن وصلتها صور  وفيديوهات عبر تطبيق الواتساب، فتعود إلى منزل أهلها في منطقة جبيل حتى تستطيع استيعاب ما حدث.

عند اليوم التالي توجهت من جبيل إلى بيروت. بين توزيع مياه ومأكولات مع أصحابها وأعمال الكنس وإزالة الردم، استمرت ميرا على هذه الحال لثلاثة أيام متتالية.

بالموازاة مع ذلك، تواصل معها عدد من أصدقائها المغتربين، يسألونها عن كيفية التبرع بالمال للمتضررين. اتفقت مع شقيقتها بأن يأخذا التبرعات ويوزعانها بنفسيهما على المتضررين. كانت مساعدات الجمعيات اقتصرت على توزيع الثياب والمأكولات لكثرة أعداد المتضررين. “تخيلتُ لو أنني كنت مكان أحد المتضررين وقلت في نفسي بأن إعطاء المال للناس بشكل مباشر يحفظ كرامتهم ويترك لهم الخيار في كيفية الاستفادة منه”، هذا ما قالته ميرا التي أكدت أنهم قدموا 500$ لحوالي 35 أسرة وحوالي 300$ لأصحاب المحلات، إضافة إلى بعض الأفراد الذين قدموا لهم بعض المبالغ بشكل عشوائي.

شعرت ميرا بالأسى عندما كانت تدور على المنازل. وكيف كان يبادر أهلها إلى الحديث عن معاناتهم وهول ما مرّوا به، وكأنهم بانتظار أي أحد كي يشكو له إهمال السلطة لهم وفقدان الأمان الذي يعيشونه. وتضيف ميرا “كنت في كل يوم أعود إلى المنزل وأبكي على أوجاع الناس”. لكن ما يعزّي ميرا  ردود أفعال المتضررين على مساعدتها لهم. ما زالت قصص البعض من هؤلاء المتضررين تحفر حزناً عند ميرا، وتمتنع عن ذكرها احتراماً لخصوصياتهم.

[smartslider3 slider=”8″]
من مسلسل “نتفليكس” إلى انفجار 4 آب.. المشاهد ذاتها تتكرر

تراجعت “باتيل بوليان” عن النزول من الزلقا إلى بيروت لملاقاة أصدقائها في محلة مار مخايل، بعد علمها بأن المكان مغلق بسبب الإقفال العام آنذاك. أثناء عودتها إلى المنزل، دوّى انفجار 4 اب حتى ظنّت أنه قد وقع في الزلقا بعد أن تكسر زجاج المحلات وتناثر في كل مكان. أسرعت إلى منزلها لتشغل التلفاز لتفهم ما الذي جرى. توجهت في الليلة نفسها إلى بيروت لتطمئن على صديقها الذي يسكن قبالة مرفأ بيروت. لم تصدق ما رأته عيناها، بيروت أمست وكأنها ساحة حرب، المباني كلها قد انهارت والمنظر مفجع للغاية.

بين مار مخايل، الكرنتينا والجعيتاوي ساهمت لأسبوع كامل مع مجموعة من أصدقائها بأعمال التنظيف وإزالة الردم. تقول بوليان “روح التعاون بين الناس كان الشيء الوحيد الذي يبعث الفرح داخل قلوبنا في تلك الظروف السيئة. فبعد أن كنت أدخل إلى أحد البيوت الخالية مع صديقي لتنظيفها، لا تمرّ بضع دقائق حتى يتهافت الناس على مساعدتنا فيتجاوز عددنا الثلاثين شخصًا”.

شبّهت بوليان الليلة الأولى التي توجهت فيها إلى مرفأ بيروت بمسلسل “Chernobyl” الذي شاهدته على “نتفليكس”. تشرح بوليان “وصلت إلى المرفأ أثناء الليل وكان مضيئًا بشكل غريب ومرعب. ذكّرني بمشاهد الانفجار النووي الذي صوّره المسلسل وظهر ضوء غريب تمامًا كالذي شاهدته في المرفأ”.

حزنت بوليان عندما شاهدت أصحاب المحلات التي تعرفها، مكسوري الخاطر بسبب الدمار الذي حلّ بمصدر رزقهم، ومنهم جرحى تغطي الخدوش وجوههم التي اكفهرت من خيبة الأمل.

اجتماع زووم. 6 شاشات خالية من الوجوه

اجتماع على تطبيق zoom ضم 9 أشخاص. 9 شاشات يظهر عليها 9 وجوه لمديرو ومنسقي مجموعة pyramid. تمر بضع دقائق حتى تصبح 6 شاشات منها باللون الأبيض، خالية من الوجوه. تسمع “سلاف الحاج” صوت صديقتها دينا وهي تصرخ “بنتي…بنتي…بدي الصليب الأحمر”.

لم تكن تعرف سلاف التي تسكن في طرابلس مكان إقامة دينا، لذا سألت صديقها لكي تتصل بالصليب الأحمر وسارعت إلى تشغيل التلفاز لتفهم ما الذي يجري.

قررت مع زملائها أن يعقدوا اجتماعًا آخر تحت عنوان “Pyramid crisis” وأن ينصبوا خيمة في ساحة الشهداء في بيروت لجمع التبرعات من الناس وتوزيعها على المتضررين. ساهمت سلاف في تأمين المكانس للمتطوعين والمتطوعات الذين واللواتي جاؤوا وجئن ضمن مجموعات للمساعدة، ومحاولة توزيعهم (ن) على البيوت والمناطق.

لم تكتفِ بالعمل وحدها، بل شارك أولادها أيضًا في العمل التطوعي حيث كانوا يقصدون مستشفى الجعيتاوي ويوافونها في الليل بالمستجدات التي تحصل معهم.

تعلمت سلاف في 4 آب درسًا لن تنساه أبدًا، إذ تقول” انفجار 4 آب كان مفصليًّا في حياتنا، عندما رأيت الشبان والشابات يتوافدون (ن) من المناطق كافة للمساعدة تأكدت حينها أن الشعب اللبناني، على خلاف السلطة الحاكمة، لديه حس وطني ومتعاون يحب بعضه البعض بمعزل عن انتماءاته الطائفية والمناطقية”.

الأمل الوحيد لـ سامي: الاقتصاص من المجرمين

“سامي الحسين”، من ثوار 17 تشرين، توجّه في 4 آب من خلدة إلى بيروت للمشاركة في التظاهرة أمام مبنى وزارة الطاقة. تعرّض المتظاهرون (ات) للضرب من القوى الأمنية حتى أصيب عدد منهم (ن) بجروح بليغة. سارع سامي للاتصال بالصليب الأحمر لنقل صديقه عبد الرحمن إلى المستشفى، والذي كان قد أصيب في رأسه حتى سال الدم على وجهه. ما ان وصلت سيارة الإسعاف إلى شارع الحمرا حتى دوّى انفجار 4 آب، كادت معه سيارة الإسعاف أن تنزلق على ظهرها، وتكسّر زجاجها. وصل سامي إلى غرفة الطوارئ في مستشفى الجامعة الأميركية ليجد حالة من الهستيريا في أوساط الممرضين والممرضات، فيما الدراجات النارية تتوافد بالعشرات لنقل الجرحى.

لم يستطع سامي أن يسعف صديقه في المستشفى، فاضطر أن يجول على 6 مستشفيات مختلفة بحثًا عمن يعالجه لكن دون جدوى. عاد صديقه إلى المنزل ولم يتمكن من مداواة جرحه إلا بعد 3 ساعات.

توجه إلى محيط المرفأ لينصدم بما رأت عيناه. المشهد أمامه “يشبه مشاهد الحرب العالمية الثانية”. بيروت التي يحب مدينة منكوبة. وكأنها كذلك منذ سنوات يغطيها الغبار والردم. حاول مساعدة الناس قدر المستطاع ثمّ توجّه مع صديقه إلى فوج إطفاء بيروت للتطوع في إخماد النيران في المرفأ، واستمرا على ذلك حتى الساعة الخامسة صباحًا.

في اليوم التالي، شارك مع مجموعات ثوار 17 تشرين في جمع التبرعات بعد أن نصبوا خيماً في ساحة الشهداء ومن ثم وزعوها على المناطق المنكوبة، واستمروا على تلك المتيرة لأيام عدة.

تمكّن سامي من المشاركة في عملية سحب الجثث وإنقاذ الأحياء من بين الركام مع الفرق الفرنسية التي جاءت لهذا الهدف. يقول “تمكنّا من إنقاذ العديد من الأشخاص بواسطة الكلاب التي كانت مع الفرق الفرنسية وبالتعاون مع الصليب الأحمر والجيش اللبناني. وقد تم تكريم هذه الكلاب في فرنسا”.

سامي لم يستطع حتى اليوم نسيان هذه التجربة الصعبة. لذا يقول “لا يمكن وصف ما مررنا به؛ ضياع.. ركام.. حطام.. جرحى.. دم.. تفجير.. مدينة منكوبة.. من المسؤول؟ كيف حدث ذلك؟ أيدينا كانت مكبلة وألسنتنا معقودة، وفي كل ثانية كانت تمرّ ألف فكرة في مخيلتنا”. سامي يقول إن الأمل الوحيد لديهم اليوم هو بالاقتصاص من المجرمين والمقصرين وكل من يحميهم من الفاسدين.

[smartslider3 slider=”volunteer_3″]
طوابير متبرعي الدم في المستشفيات.. “أجساد بلا أرواح”

المحامي “شريف سليمان”، من ثوار 17 تشرين الذين شاركوا في الوقفة الاحتجاجية أمام وزارة الطاقة في  4 آب. شريف من بلدة بدنايل في البقاع ويسكن في منطقة بعبدا، اضطر لدواعٍ عائلية أن يغادر التظاهرة عند الساعة الخامسة والنصف والتوجه إلى البقاع.  كان بمنزله في بعبدا عندما دوّى انفجار 4 آب فظنّ أن هناك قصفاً إسرائيلياً على الضاحية الجنوبية. لكن بعد أن تبين له أن الانفجار وقع في مرفأ بيروت توجه مباشرة إلى المستشفى ليتبرع بالدم.

قصد سليمان 6 مستشفيات ليجد أن أصغر طابور فيها يضمّ 30 شخصًا جاؤوا للتبرع بالدم. الصمت يعمّ المكان لا يلتفت أيًّا منهم إلى الآخر ، يصف سليمان المشهد، “يقف الناس في الطوابير وكأنهم زومبي، مذهولين لا يوجد أي لمعة في عيونهم ولا يتكلمون مع بعضهم البعض، لا يعلمون الصفعة من أين جاءتهم، وأرقام عدد الضحايا والشهداء تتوالى”.

“أجساد بلا أرواح” جاءت لتقف مع أبناء وطنها، إلا أن أعدادهم الكبيرة أثلجت قلب سليمان أمام صدمة الحادث وأزمة المستشفيات التي كانت تعجّ بالجرحى والشهداء.

في اليوم التالي، تطوّع شريف مع رفاقه في مجموعة “الشعب يقاوم الفساد” وبالتعاون مع مجموعات أخرى في نصب حوالي 12 خيمة في ساحة الشهداء، لتقديم المساعدات للمتضررين. بين 400 و 450 متطوع توزعوا على مناطق عديدة مثل مار مخايل، الجميزة والأشرفية لتقديم المساعدة والمشاركة برفع الردم.

يقول سليمان “كنا نعمل بشكل متواصل لحوالي 21 ساعة يوميًّا، حتى أننا كنا ننام في ساحة الشهداء واستمرينا على هذه الحال حتى تاريخ 12 آب. عندها تواجد الجيش اللبناني بشكل جدي على الأرض وأمسك بزمام الأمور. قمنا بعد ذلك بإزالة الخيم وأنهينا عملنا التطوعي بعد أن استطاعت ما يسمى بالدولة اللبنانية استيعاب الصدمة والوقوف على قدميها من جديد”.

“كل شيء أسود والدماء تغطي الطرقات”

بعد علمها بحدوث انفجار 4 اب، إتجهت “نينا صبّاح” من منزلها في عوكر إلى الأشرفية مصطحبة معها صديقتها، وذلك للاطمئنان على صديقتهما التي تعمل في ال ABC.

لا تبدو المناطق في بيروت على حالها بعد انفجار 4 اب، كل شيء كان أسود اللون والدماء تغطي الطرقات والناس تهرع لمساعدة بعضها البعض.

اطمأنت صبّاح على صديقتها، وباشرت في اليوم التالي النزول بمفردها إلى الشارع، وانضمت إلى متطوعين يعملون في الكرنتينا. رغم أنها لم تكن تعرف أيًّا من الناس الذين عملت إلى جانبهم، إلا أنهم كانوا متعاونين وساندوا بعضهم البعض في مناطق عديدة. استمرت صبّاح في عملها التطوعي لـ 10 أيام متتالية، والتقت بعدد كبير من الأشخاص الذين شكلت معهم حالة ارتباط وثيقة. وقد كانوا حريصين أثناء عملهم على تنظيف حتى البيوت الخالية التي يعيش أصحابها خارج لبنان.

أثناء تواجدها في الكرنتينا، طلبت صبّاح من رجل قد تضرر منزله أن يحفظ زجاجات الكحول الموجودة في بيته في مكان آمن، تقول “اقتربت منه وقلت له يا عم هذه زجاجات غالية الثمن خبّئها في مكان جيّد، فأجابني: الغالي الوحيد الذي تراه عيناي الآن هو وقوف أبناء بلدي إلى جانبي”.

في الجميزة، في بيت مهجور منذ أكثر من ثلاثين عامًا، دخلت نينا ورفاقها لتنظيفه ليجدوا فيه صورة عائلية، فاحتفظوا بها ولا زالت تذكارًا لديهم حتى اليوم.

“أوعى أهلنا”

“ريم مسيلب” كانت تزاول عملها في ABC الأشرفية حينما دوَى انفجار 4 آب وبدأ الزجاج بالتساقط فوق رؤوس الموظفين.

خرجت مسيلب لتطمئن على أهلها، وفي الوقت نفسه نشرت “بوست” على فايسبوك تدعو الناس فيه للتطوع، ثم نظمت مجموعة على تطبيق الواتساب واتفقت معهم على كيفية التطوع.

شاركت مسيلب في أعمال الكنس وإزالة الردم إضافة إلى تأمين حصص غذائية وأدوية للمتضررين، وذلك عبر المتطوعين الذين قدموا بالعشرات لتوزيع المساعدات.

وتقول مسيلب “بدأ الأمر بشكل فردي، ثم تحول فيما بعد إلى مجموعة تم إنشاؤها تحت اسم “أُوْعى أهلنا” وهي مستمرة حتى اليوم وقد تم تسجيلها رسميا.

لا يغيب عن ذاكرة مسيلب عندما دخلت برفقة صديقاتها المتطوعات مشهد إحدى النساء. فهي كانت تجلس أمام منزلها على ضوء الشمعة تنتظر النجار حتى يأتي لكي يصلح لها باب شقتها بعد أن “شلَعه” انفجار 4 اب . “اقتربت منها وسألتها إذا ما كانت تحتاج مساعدة فقالت لي بأنها ستتوجه إلى المستشفى لرؤية أمها وأخيها، ثم اصطحبتني إلى داخل شقتها قالت لي أنظري هذه قطع اللحم التي على الأرض هي لأمي وأجهشت بالبكاء”.

حملة “قلب عالقلب”

أقل من نصف ساعة كانت قد مرّت عقب وصول “ديالا العريضي” إلى عملها في بيصور، حتى دوّى انفجار 4 اب في بيروت. قوة التفجير التي طالت مناطق عديدة في لبنان وصلت إلى الجبل. وانهارت واجهة المحل التجاري على ديالا وزميلها في العمل.

لم تستطع العريضي، ابنة الـ 25 عامًا، البقاء في عملها في ظلّ حالة الضياع والتساؤلات التي كانت تدور في رأسها لفهم ما جرى. توجهت إلى بيروت للاطمئنان على أقاربها الموجودين في محيط المرفأ. ثمّ عادت مع صديقتها إلى بيصور لمساعدة المتضررين قدر المستطاع ورفعت صوتها مرارًا مؤكدة أن بيوت أهالي بيصور مفتوحة لاستقبال أي أحد لم يعد يملك مكانًا يأويه.

بينما أصرّت العريضي على التوجّه إلى بيروت  لم تحتمل صديقتها  المشاهد المأساوية بعد توافد الناس إلى المستشفى في قبرشمون فتراجعتا عن قرارهما. تقول العريضي “المشهد كان مخيفًا.. حالة تلو الأخرى يحملونها إلى المستشفى.. مناظر مرعبة لا يمكن وصفها. في تلك الليلة لم نستطع أن ننام وتسمّرنا أمام التلفاز لمتابعة الأخبار”.

“نحتاج إلى متطوعين ضمن بيصور لمساعدة أهلنا في بيروت المتضررين من جرّاء الانفجار”، كتبت العريضي في الخامس من شهر آب على حسابها الخاص على منصة فايسبوك. ودعت الناس للمشاركة معها في حملة التبرعات التي أطلقتها بشكل فردي تحت عنوان “حملة قلب عالقلب”. حوالي 5 شابات لبّين نداءها وتوزعن على نقطتين في منطقة بيصور، حيث حمل كلّ منهنّ كرتونة كُتِب عليها شعار الحملة لمساعدة بيروت واستمرين في هذا العمل لحوالي 3 أيام.

تلقت العريضي دعمًا كبيرًا من الناس ومن مغتربين قدموا لها مبالغ مالية ومواد غذائية وملابس وغيره.. إلا أنّ دعم الناس قابله رفض وضغط من قِبل المخابرات على العريضي التي عملت بشكل فردي من دون جمعية أو قانون يحميها. فبعد جمع المال وشراء المواد الغذائية توجهت إلى مناطق عدة في بيروت حيث استطاعت تقديمها لكل من يستقبل التبرعات ويوزّعها.

[smartslider3 slider=”10″]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى