أحوال

حلم الأوتوستراد العربي في البقاع يتحول إلى كابوس موت!

عندما استفاق البقاعيون صبيحة ذلك اليوم الصيفي من شهر تموز 2007 على هدير الجرافات والآليات الثقيلة وهي تنهش في جسد السهل، لم يكن أحدٌ منهم يتوقّع أن يكون هذا الضجيج هو “ساعة الصفر” التي دقّت إيذانًا ببدء تنفيذ مشروع “الأوتوستراد العربي” الذي لطالما سمعوا عنه منذ منتصف ستينيات القرن الماضي.

شكّل هذا المشروع “الحلم البقاعي” نظرًا لحجم المعاناة التي يعاني منها البقاعيون خصوصًا في منطقة “ضهر البيدر” وفي المسافة الممتدة من شتورة إلى منطقة المصنع الحدودية، لأن الطريق الدولية القديمة باتت مرهِقة لهم لضيقها وسوء إنشاءاتها وللمخاطر التي تشكلها على السلامة العامة. وأيضاً لانتشار الأبنية والمحلات التجارية العشوائية على جانبيها، الأمر الذي يجعل من العبور فيها “رحلة عذاب” يومية.

سنوات والبقاعي يراقب تبدّل خط سيره، تارة عبر وصلة استحدثت لبدء الحفريات في الطريق الدولية القديمة، وتارة لقطع أحد المداخل المؤدية إلى القرى المنتشرة على جانبي الطريق. سنوات من الصبر والمعاناة والبطء الشديد في التنفيذ. ضاقوا ذرعًا واعترضوا كثيرًا على المخطط الرئيسي لهذا المشروع الذي لم يلحظ التبدل الجغرافي لبعض القرى والتطور العمراني فيها، فأقفل بعض مداخلها، وقسّم أجزاء من بعضها إلى قسمين متباعدين، عدا عن المشاكل التي واجهتهم نتيجة قوانين الاستملاكات و”الربع المجاني” .

وصلة الأوتوستراد العربي في البقاع
المشروع الحلم

بقي المواطن البقاعي مستبشرًا بهذا “المشروع الحلم” وتحمّل المصاعب الجمّة بانتظار تحوّله إلى حقيقة وواقع، وظهرت معالم “الأوتوستراد العريض” الواضحة من أعالي الجبال المحيطة كـ “حدّ” فاصل، لكن ما لم يكن متوقّعًا على الإطلاق هو الشروع باستخدام هذا المرفق الحيوي قبل اكتمال الأشغال فيه، وتحوّله من “نعمة” انتظرها البقاعيون ردحًا طويلًا من الزمن إلى “نقمة” تقض مضاجعهم وتزرع الحزن في بيوتهم.

قبل أربع سنوات أنهت الشركة المتعهدة المرحلة الأولى من الجهة الشمالية لهذا الطريق بين منطقتي تعنايل ومفرق بلدة عنجر، مسافة بطول 11 كلم تقريبًا، ومن دون أي ترخيص من الجهات الرسمية أو المنفذة بدأ الناس باستخدام هذه “الوصلة” ذهابًا وإيابًا، صحيح أنها تختصر الوقت لكنها سببت الكثير من الآلام للأهالي نتيجة “حوادث السير” المميتة التي تقع عليه بشكل شبه يومي.

لا إعلان رسميًا باستخدام هذه الوصلة، لا قانون سير ينطبق عليها، حتى “شركات التأمين” تقف حائرة أمام الحوادث التي تحصل عليه، والناس الذين ضاقوا ذرعًا من رداءة الطريق الدولية القديمة مصرّون على ارتياد هذه الطريق رغم المخاطر المحيقة والتي يعلمونها يقينًا، الأمر الذي يتسبب بارتفاع أعداد الضحايا بشكل يومي.

شركات التأمين

مدير شركة “غملوش غروب” للتأمين عماد غملوش أوضح لـ “مناطق نت” أن المقياس الأول للتعامل مع الحوادث التي تقع على الأوتوستراد العربي ينطلق من جهة تقدير ظروف الناس في ظل هذه الأوضاع الكارثية التي نعيشها، ونحاول قدر الاستطاعة تغطية النفقات المتوجبة علينا كما تنص القوانين المرعية الإجراء، والمعضلة الأساسية الأولى التي تواجهنا هي أن المسرب المخصّص لإتجاه واحد يتم استخدامه اليوم كمسربين، ولأن الدولة تغض نظرها عن هذه المخالفة، نجد أنفسنا مضطرين للتعامل مع الواقع كما هو على أنه طريق واحد باتجاهين.

عماد غملوش

وقال غملوش: “المهم بالنسبة لنا الوقوف بجانب الناس حاليًا، لا نبحث عن ثغرات قانونية للهروب من التزاماتنا، بل نعتبر “الوصلة المفتوحة” أمام السير بالاتجاهين “وصلة شرعية” وطريق شرعي راهنًا، ونسب المسؤولية التي أدّت للحادث نقيسها وفقًا لتقرير الخبير المختص، وسنبقى نتعاطى بهذه الكيفية إلى أن تقرر الجهات المختصة فتح الأوتوستراد أمام الناس عبر المسربين الأساسيين، حينها نتعامل مع الوقائع وفقًا لقوانين السير المعمول بها في لبنان” .

قد تكون خطوة استلام الأوتوستراد في المنطقة المذكورة (ما بين تعنايل ومفرق عنجر) ووضعه في الخدمة وفتح السير عبر المسربين حلًا لما شهده هذا الأوتوستراد من استنزاف في الأرواح البشرية بعد أن تحوّل الى حلبة للسباق، والحدّ من تعرضه لأعمال التخريب (تنتشر في محيطه عدة مخيمات للاجئين السوريين) بالإضافة إلى ما يتعرض له حرم هذا الاوتوستراد من اعتداءات وسرقات وتخريب للمواد والمنشآت، لذلك من الضرورة بمكان العمل على حث المسؤولين والمواطنين والمعنيين في المنطقة على حل موضوع وصلة مجدل عنجر (بطول 1.8 كلم) بأسرع وقت ممكن لاستكمالها ووضعها في الخدمة بشكل قانوني.

السيد أنور علامة مدير شركة “بانكرز” للتأمين رأى أنه حتى اللحظة نتعامل مع الواقع كما هو، أي أن وصلة الاوتوستراد المستخدمة طريق واحد باتجاهين ولا وجود لعملية “عكس السير” عليها، وذلك تقديرًا منا لظروف الناس وأحوالهم، ونحاول حل قضايا الحوادث بأقل ضرر ممكن على المواطنين وعلينا في الوقت نفسه، وإلى الآن لم تصادفنا حوادث قاسية تتطلب اللجوء للمحاكم المختصة، حينها لا نعرف كيف ستقرر المحاكم نسب المسؤوليات.

أنور علامة

وقال علامة: “من المؤسف أنه حتى اللحظة هذه الوصلة متروكة لاجتهادات الناس بغياب أي تحرك رسمي مسؤول، رغم أن الأعمال في وصلة المسرب الجنوبي من الأوتوستراد شبه منجزة لكنها غير موضوعة في الاستخدام، وهذا ما يجعل المسرب الشمالي يستخدم ذهابًا وإيابًا، من دون أي قواعد للسير تحكم طبيعة استخدامه، لكن هذا الأمر ومن دون شك يعرض السلامة العامة للكثير من المخاطر خصوصًا عند ارتياد المخارج الموجودة فيه”.

ضحايا حوادث الأوتوستراد

يكاد لا يمر أسبوع إلا وتشهد وصلات الأوتوستراد العربي غير المكتمل بعد، العديد من حوادث السير، حيث ينتج عنها في الغالب سقوط العديد من الضحايا بين قتيل وجريح آخرها كان الأسبوع الماضي حادث سير وقع بين حافلة وسيارة أدى إلى سقوط سبعة جرحى نقلوا إلى المستشفيات. وبالرغم من الحوادث العديدة التي يشهدها باستمرار، إلا أن لا أرقام رسمية حول عدد الحوادث التي تقع على الأوتوستراد أو حتى أعداد الضحايا، وهذا ما لمسناه من خلال التواصل مع الجهات المعنية في المنطقة بذلك، سواء الصليب الأحمر أو الدفاع المدني.

من جهته أكد وسام زعرور وهو شقيق الضحية رامز زعرور الذي قضى نتيجة حادث سير وقع على الأوتوستراد منذ شهور عدة، أن الأوتوستراد بوضعه الحالي شديد الخطورة خصوصًا المسافة الممتدة من دوار المرج – بر الياس وصولاً إلى مفرق عنجر، فهي مسافة طويلة نسبيًا و”تغري” بالسرعة والتجاوزات من دون وجود أي مخارج فيها، حيث يعتبر كل سائق أنه بالاتجاه الصحيح. وأوضح زعرور لـ “مناطق نت” أن بعض شركات التأمين لا تعترف به ولا تلتزم بالحوادث التي تقع عليه، وإن التزمت فهي تلتزم بمبالغ بسيطة حسب قيمة التأمين.

وسام زعرور

زعرور شرح عن الحادث الذي أودى بحياة شقيقه وخرجت ابنته منه سالمة والحمدلله، فقال “المعاناة كبيرة لأن الرسم التفصيلي للحادث كان دقيقًا ومسألة “عكس السير” غير معترف فيها، كون الأوتوستراد برمته غير شرعي حتى الآن، وشركة التأمين حددت قيمة التعويض “الهزيلة” على قيمة التأمين الإلزامي فقط رغم أن الحادث نجم عنه حادثة وفاة، ولا شيء يعوض خسارتنا على الإطلاق، وإنني من موقع “المفجوع” بفقدان اخ غالٍ وعزيز، أناشد المسؤولين الإسراع في وضع الأوتوستراد في الخدمة من خلال المسلكين تفاديًا لوقوع المزيد من الضحايا نتيجة استخدام مسلك واحد بالاتجاهين، كي تُطبق كل قوانين السير المعمول بها في لبنان على الحوادث التي تقع عليه”.

تحديد المسؤوليات

الخبير في حوادث السير السيد فيكتور نبهان شرح لـ “مناطق نت” كيفية تحديد نسب المسؤوليات في هذه الحوادث، فرأى أن المسلك الشمالي من الأوتوستراد تستخدم في الاتجاهين، ومن خلال رسم المسارب الثلاث على الطريق نعتبر أقصى اليسار للقادم من عنجر باتجاه شتورا وأقصى اليمين لمن يقصد عنجر ومن هذه النقاط تبدأ عملية تحديد المسؤوليات خصوصًا لدى وقوع التصادم أثناء القيام بعملية التجاوزات والتي تجري بسرعة كبيرة، ونعتبر الطريق واحدة في الاتجاهين.

وقال نبهان: “لا مسؤولية كاملة تعطى لأي طرف في الحادث، وفي هذا الطريق بالتحديد لا يمكننا الاعتماد على (المادة 6) من قانون السير التي حددت مفهوم “عكس السير” ومسؤوليته الجزائية، وهنا مكمن الصعوبة في وضع التصور الحقيقي لكيفية وقوع الحادث وتفاصيله وتحديد المسؤول عنه ونسبة مسؤوليته، ونحن بانتظار أن تضع الدولة المسلك الجنوبي قيد الاستخدام كي يكون بوسعنا القيام بمهامنا على أكمل وجه”.

سنوات والبقاعيون ينتظرون الاعتماد الفعلي والرسمي لهذه الوصلة من الاوتوستراد العربي الممتدة من شتورا إلى المصنع، ورغم الحوادث الكثيرة والمؤلمة والضحايا، فإن فقدان السلامة العامة المرورية والاشارات التحذيرية والارشادية عنه تركت عابره عرضة للمخاطر الكبيرة، فلا أحكام تقيد السير عليه حتى اللحظة، بينما المواطن المغلوب على أمره، يهرب من الطريق القديمة خشية الوقوع في حفر الموت المنشرة فيه، ليجد نفسه على طريق دولي وسريع بامتياز والموت يلاحقه!!

أخيرًا، نذكر أن نسبة تقدم العمل في قسم تعنايل ــ المصنع الذي تنفذه شركة STFA التركية تقدر اليوم ب 75 في المئة بإشراف الإستشاري شركة الإتحاد الهندسي خطيب وعلمي، أما كلفة المشروع المبدئية فتبلغ 65 مليون يورو ممولة بموجب قرض من البنك الأوروبي للإستثمار بقيمة 45 مليون يورو ومن الخزينة اللبنانية بقيمة 20 مليون يورو. والموعد المقرر لإنجاز  الأشغال كافة في هذه الوصلة بات معلقًا بسبب تأخر إخلاء العقارات المصابة بالتخطيط لحين إيجاد الحل المناسب للمشكلة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى