جندر

لا أريد قوانين لحمايتي من التحرش.. أريد ضرب المدير

يستمر جيل ما بعد الثورة باثارة دهشتنا لشدة وعيه لحقوقه وكرامته. بعد المظاهرات التي قادها طلاب مدارس لمدة اسبوعين، وبعد انتشار هتافات الثورة من داخل المدارس، ها نحن نشهد سابقة اجتماعية يقودها طلاب مدرسة في طرابلس، وكأن هذه المدينة دائمًا تعطينا دروسًا في كيفية استئصال الحقوق من بطن الظالمين.

فضح الأستاذ سامر المولوي، الذي يدرّس في ثانوية جورج صراف في منطقة أبي سمرا في طرابلس، على يد إحدى تلميذاته، غنى الضناوي، التي رفعت صوتها وتحدثت عن حادثة تحرش قام بها الأستاذ، لتتوالى اعترافات العديد العديد من الفتيات اللواتي تحدثن عن مواقف حاول الأستاذ أن يتحرش بهن، لفظيًا، أو عبر إرسال الرسائل ذات المدلولات الجنسية، أو عبر لمسهن دون موافقتهن مما جعلهن غير مرتاحات، أو اتصاله بخاصية الفيديو وظهوره غير اللائق، أو إصراره على مسك إيديهن وتهديدهن بالعلامة إن رفضن، وغيرها العديد من الممارسات. وأعرب عدد من الفتيات عن عدم ارتياحهن لهذا التصرف، إلا أن الأستاذ لم يتوقف، حتى تكلمت غنى، التي تحدثت عن اللغة التي بات يكلمهن أستاذ “التربية المدنية والقيم الانسانية” بها.

موقف الادارة

حاولت الفتيات أن تعلمن الإدارة بتصرفات الأستاذ، لكن وكما هي كل مؤسسة في مجتمعنا، سواء كانت تربوية أو دينية أو شركة خاصة أو وزارة أو أي مؤسسة كانت، أن تطنش القصة، ولم تتصرف مع الأستاذ أبداً، في خطوة أثارت حفيظة الفتيات، فلجأن الى مواقع التواصل للحديث عن الموضوع. وبعد أن انتشرت قصة الأستاذ المتحرش ولاقت رواجًا وغضبًا، نظّم طلاب المدرسة مظاهرة في تمام الساعة السادسة والنصف صباحًا، وهنا كان الحدث.

تظاهر الطلاب أمام مدرستهم، فتيات وفتيان وأهالٍ وبعض المعلمين والأصدقاء، وقفوا أمام المكان الذي يقضون فيه معظم وقتهم دون الشعور بالأمان. شعور الخوف هو شعور حقير، لأن الخوف والعجز يجعلنا أصغر، لا نقوَ على الحراك ولا نستطيع النوم، الظلم والخوف والعجز، يجعلنا نفقد ذواتنا ونعيش خارجها. هؤلاء الطلاب رفضوا الخوف، وتظاهروا ضده، وصرخوا ليسمع كل أستاذ متحرش إسمه: نصدق الناجيات.

المدير

ما هي إلا دقائق حتى علّمنا أولاد طرابلس درسًا جديدًا “لن نسكت اليوم”. إذ دخلوا إلى باحة المدرسة، إلى الإدارة، إلى مكتب المدير، ذاك المدير الذي لم يسمعهم قبل، كما لم تسمع الكنيسة صوت ضحايا الأب لبكي، كما لم يسمع القضاء صوت ضحايا مروان حبيب، ولا الاعلام التقدمي الذي وصفه بـ “السئيل” لا المتحرش، وكما تم تجاهل الكثير من الشكاوى التي تقدمت بها النساء في مؤسسات عملهن، لا أحد كان يسمعهن، الجميع طلب من النساء أن تسكت، أو لامها على الساعة التي خرجت من منزلها، أو سألها ماذا كانت تلبس، أو بأي نبرة تحدثت، كل تلك الصرخات الصامتة، كلها، بصوت واحد، بضجيج الطلاب وصراخهم، كلها دخلت إلى مكتب المدير، وحاصرته، وبدأت بضربه. ضرب الطلاب المدير، لا نريد الخوف، نريد الشعور بالأمان…
ثم تبع الطلاب المدير، وصرخوا: ذكوري ذكوري حتى غادر.

أريد ضرب المدير

لا أعلم ماذا شعرت عند رؤية ذاك المشهد، كثير من الأحاسيس التي لم أستطع التعبير عنها إلا بالبكاء، لأنني دائمًا ما أردت ذلك. دائمًا ما سمعت صديقاتي تتحدثن عن مواقف تعرّضن فيها للتحرش والاغتصاب، عاش بعدها المجرم حياة عادية. كثير من المرات سكتت صديقاتي عن المجرم، لأنه “شخص لطيف”، ولا يجب على المرأة أن “تنزع حياة شاب” فقط لأنه ارتكب “غلطة”، لكن حياتها وصحتها النفسية لا تهم، فلتصمت هي، كي يعيش المجرم.

لا أريد قوانين لحمايتي من التحرش لا يطبقها أحد، لا أريد إمضاء تعهدات، لا أريد السكوت، لا أريد عقوبات لا ترتقي للألم النفسي الذي تعيشه ضحايا التحرش والاغتصاب، لا أريد التحقيق في أي “حادثة”، ولا أريد الإنذارات والتنبيهات، وحتى فصل الأستاذ، ولا أريد أكل العنب، ولا الدفاع عن الكرم، أريد الناطور، أريد ضرب المدير، أريد أن أصرخ بكل ما لدي من غصب: ذكوري ذكوري. أريد أن أشعر بقوة أخذ حقي بيدي، أريد ضرب كل من يحمي المتحرشين، كل من يلفلف هذه القضايا ويسكتها، وكل من يعالجها “بكتاب”، أو بمجموعة قوانين لا يطبقها أحد. أريد ضرب كل مدير يسمح لأحد بأن يتعرض لفتيات مدرسته، بل أريد اكثر من ذلك، أريد الأمان.

أريد أن لا ألتفت إلى الوراء ١٠ مرات في الدقيقة وأنا أمشي على الطريق، أريد أن لا أشارك أصدقائي موقعي خوفًا من التاكسي، أريد أن لا أحفظ رقم السيارة عندما أخرج في أول موعد مع شخص جديد، أريد أن لا أغير طريقي لبيتي كل يوم خوفًا من أن يتبعني أحد، أريد أن أمشي وحدي ليلاً، أو حتى نهارًا، دون خوف.

وأريد ذلك بعد ضرب المدير، وكل من يحمي المتحرشين.

الحب لهؤلاء الطلاب ولأهاليهم، فتيات وفتيان، وقفن ليطردن هذا الاستاذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى