أحوال

لا سيولة وديون متراكمة.. متوسطة بلدة الزيتون الرسمية في بعلبك إلى الإقفال

عمر معاناتهم من عمر الأزمة الاقتصادية في لبنان، لكنها يوماً بعد يوم تستفحل وتلامس خطوطاً حمراء تهدد التعليم الرسمي، ليس في البقاع فحسب بل في كل لبنان، إنها معاناة المدارس الرسمية التي يبقى للبقاع الحصة الأكبر فيها.

متوسطة الزيتون الرسمية عيّنة صارخة لتلك المعاناة. المدرسة تُعتبر واحدة من أفضل المدارس الرسمية في محافظة بعلبك الهرمل، لكنها الآن تخطو نحو الإقفال خطوة تلو الأخرى أمام أعين وزارة التربية، بعدما أصبحت غير قادرة على تحمّل تكاليف التعليم من جهة، وبعد القرار القضائي الذي قضى بإقفال مصرف فرنسبنك وفروعه وتوقف عملية السحوبات النقدية التي وقفت حائلاً أمام استمرار المدرسة.

 

الأستاذ أحمد مسعود خليل مدير المدرسة التي أسسها واستلم إدارتها العام 1993 حتى وصلت إلى ما هي عليه. يتحدث بحسرة لـ “مناطق نت” عن مصيرها لا سيما وأنه العام الأخير له فيها قبل إحالته على التقاعد قائلاً “يحز في قلبي كثيراً أن نصل إلى إقفال أو تعطيل المدرسة، وللأسف كلما حاولنا الاستمرار حضورياً في تعليم الطلاب ظهرت عوائق وعقبات.. في المرة الأولى كان إضراب المتعاقدين، واليوم بسبب عدم توفر السيولة النقدية”. متمنياً لو أنه استطاع أن يختتم عامه الأخير في مسيرته التعليمية بالعلم والعطاء حفاظاً على مستواها الجيد.

واقع مرير

المعاناة هي معاناة المدارس الرسمية كافة دون استثناء كما يقول خليل. لافتاً إلى أن معاناة متوسطة الزيتون مضاعفة، ويعود ذلك إلى أنها مدرسة بدوامين صباحي ومسائي، وتستوعب عدداً كبيراً من الطلاب (315 تلميذاً بالدوام الصباحي، و367 في الدوام المسائي). وبالتالي فالتكاليف مضاعفة لجهة المكننة والكهرباء والمازوت والقرطاسية والنظافة والإنارة لاسيما مع اللجوء إلى تشغيل المولد الخاص بالمدرسة بعد إلغاء الاشتراك مع ما يحتاجه ذلك من مازوت الذي وصل سعر البرميل منه إلى 6 مليون ليرة.

يضيف خليل “مشكلة مدرسة الزيتون تختلف عن المدارس الأخرى لكون مبناها مستأجر وتدفع سنوياً عشرين مليوناً بدل إيجار 7 غرف لافتاً إلى أنه للأسف هناك مدارس عدد الطلاب فيها لا يتجاوز 40 تلميذاً، شُيّد لها أبنية ووضعت فيها تجهيرات فيما بقيت مدرسة الزيتون دون مبنى، معتبراً السبب أنها لا تملك مرجعية تحميها وتدعمها.

مشكلة مدرسة الزيتون ومثيلاتها من المدارس اليوم تتمثل بوقف السحوبات النقدية من “فرنسبنك” بعد القرار القضائي الذي صدر بحق المصرف
لا سيولة وديون متراكمة

مشكلة مدرسة الزيتون ومثيلاتها من المدارس اليوم تتمثل بوقف السحوبات النقدية من “فرنسبنك” بعد القرار القضائي الذي صدر بحق المصرف. يقول خليل إنه كان يسحب مبلغ خمسة ملايين ليرة أسبوعياً من البنك المذكور لتيسير أمور المدرسة قدر الإمكان. ولكن وفي ظل عدم دفع الدولة لمستحقات بعض المدارس بما فيها مدرسة الزيتون تراكمت الديون لمحطات المازوت والمكتبات والتجهيزات من محابر وورق وقرطاسية ومعقمات وصهاريج مياه وغيرها. كلها كان يتم تأمينها بالاستدانة، الأمر الذي أدى إلى تراكم الديون على المدرسة حتى وصل الآن إلى 60 مليوناً، بانتظار ريثما تدفع وزارة التربية المستحقات للمدرسة.
خليل قال أن المدينين لا يعترفون بالمدرسة، ويعتبرون أن الدين شخصي، وبالتالي قد أتعرض للملاحقة القانونية بالرغم من كل الجهود والإمكانيات التي وضعتها في خدمة المدرسة.

المدارس مهددة بالاقفال

متوسطة الزيتون الرسمية ليست وحدها المهددة بالإقفال. لأنه وبحسب خليل فإن أي مدرسة قادرة على الاستمرار في ظل هذه الظروف؟. لافتاً إلى أنه ربما تستمر بعض المدارس أسبوعًا إلى أسبوعين بعد مدرسة الزيتون. كون هذه المدارس حصلت على كمية من المازوت أكبر من تلك التي حصلت عليه مدرسة الزيتون، حيث يسمحان لها بالاستمرار لوقت ليس بطويل.

يحذّر الأستاذ خليل من أن استمرار الوضع على ما هو عليه، سيؤدي إلى إقفال المدارس في نهاية آذار، لأن غياب المازوت من جهة، وعدم توفر السيولة من جهة أخرى، يجعل العمل مستحيلاً، فالمعلمين لن يستطيعوا الاستمرار لأن بعضهم لم يحصل على الحوافز ومن حصل عليها رسمياً لم يستطع سحبها بعد.

بعد ٤٢ عاماً في الإدارة والتعليم والذي بدأ في العام 1979. يؤكد خليل أن التعليم الرسمي مع هذه الطبقة الحاكمة الفاشلة غير ممكن، معتبراً أن وزارة التربية هي ضد التعليم الرسمي، والدليل أنه عندما أقر مجلس النواب مبلغ الـ 500 مليار لوزارة التربية، تم إعطاء 150 مليار فقط للتعليم الرسمي، بينما حصل التعليم الخاص على 350 ملياراً. متسائلاً كيف ستستمر المدارس في ظل عجز عن تأمين احتياجاتها معتبراً أن الدولة متآمرة على التعليم الرسمي بشكل كامل.

تذليل العقبات كيف؟

يتأسف الأستاذ خليل من الوضع الذي آلت إليه المدارس لافتاً إلى أنه بحسب النظام الداخلي في قانون المحاسبة في المدارس لا يحق للمدير واللجنة المالية صرف فاتورة فوق مبلغ الـ 3 مليون ليرة، في الوقت الذي يبلغ فيه سعر برميل المازوت ستة ملايين وبالتالي لا يحق له شراؤه، وكذلك محبرة قيمتها مئتي دولار أي قرابة 4 ملايين ونصف المليون باتت تحتاج إلى استدراج عروض مع ما يحمله ذلك من إهانة ومذلة.

ويشير خليل إلى أنه حتى اليوم سقف الصرف هو 3 مليون ليرة، والوزارة لا زالت تصرف مبلغ 150 ألف ليرة عن كل طالب في التعليم الصباحي وللأسف هي اليوم لا قيمة لها.

هذا الواقع بات يحتاج إلى حلول جذرية ليست بمتناول اليد في هذا الوطن، فهناك بعض الحلول البسيطة التي يقدمها خليل منها العودة إلى ما كنا عليه من خلال “معتمد قبض” يقبض الرواتب والمستحقات ويسلمها للمعلمين وبالتالي يوفر على المعلمين تكبد عناء ومشقة الانتقال إلى المصرف لقبضه من جهة، وتكلفته من جهة ثانية.

يقترح خليل أيضاً أن تتم التحويلات النقدية بالدولار عبر الـ omt وليس عبر المصارف طالما هناك لجنة مالية مؤلفة من ٤ أشخاص مسؤولة عن صرف الأموال، وذلك كي لا يبقى المدير والمدرسة تحت رحمة المصارف التي تنتفع بتلك الأموال.

الاقفال الذي يهدد المدارس الرسمية، هو في الحقيقة تهديد لقطاع التعليم الرسمي الذي يتدهور شيئاً فشيئاً وللأسف السياسات المتعاقبة في الوزارة لم تقضِ على التعليم الرسمي فقط إنما على مستوى التعليم العام ككل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى