مَرارة النزوح إلى مَدارس كسروان.. جونية وزوق مصبح وحارة صَخر نماذج

ما أن تدخل بوّابة ثانويّة جورج افرام الرسميّة في جونيه، حتّى تلفت انتباهك ثلاث فتيات صغيرات السِنّ، يَمشين في الباحَة ولَيس على أجسادهنّ سوى ثياب نوم رقيقة، ويَنتعِلن “شحّاطات” من دون كلسات. يَنظرن إليك بعيون حائرة، وتسألك إحداهُنّ “شو بَدّك؟”. تبتسم لهنّ وأنت تقول: “صباح الخير”، ثم تمشي نحو شَجرات تجلس تحتها مجموعة من الرجال، يَتبادلون أطراف الحَديث عن حياة عاديّة كانوا يعيشونها في بلداتهم منذ 10 أيّام، وها هم اليوم ينامون على بلاط الأرض من دون فرشَات وحرامَات ومخَدّات، ثم ينظرون إليك وعيونهم تحمل علامات استفهام عمّ تريد؟
من البازوريّة إلى جونيه
لقاؤنا الأوّل كان مع رَبّي عائلتين نزحتا من قضاء صور، تحفّظا عن ذكر اسمَيهما، فالشّاب الأوّل (24 سنة)، وهو أب لثلاثة أولاد، كان قد نزح مع زوجته وأولاده الثلاثة من البازوريّة، الشارع العام بحثًا عن مكانٍ آمن، وعندما اشتَدّ الظلام، اضطرّوا للنوم في سيّارتهم على طريق خَلدة التي افترشَتها كثير من العائلات النازحة. قبل نزوحه كان هذا الشاب يعمل في معرض كَسر سيّارات في صور، بدوام كامل بدءًا من الثامنة صباحًا وحتّى الخامسة بعد الظهر، براتب شهريّ قدره 500 دولار أميركيّ.
يقول الشاب بحسرة لـ “مناطق نت”: “في اليوم التالي وَصَلنا إلى مدرسة زوق مصبح الرسميّة، حيث بَقينا ليلتين نتقاسَم غرفة واحدة مع عائلة ثانية مؤلّفة من ستّة أفراد”. يضيف: “كُنّا أربع عائلات: شابّان وعشر نساء وعدد من الصبايا والأطفال، طَلبنا فرشات للنوم ومخدّات وحرامات، وطعامًا بعد أن مرّ علينا أكثر من 12 ساعة من دون أن نأكل شيئًا، وكان الأطفال والأولاد يَبكون من شدّة الجوع”.

ثانويّة افرام الرسميّة جونيه
لم يَستمرّ مكوث النازحين في تلك المدرسة أكثر من يومَين، والسبب استقبالها تلامذة من ذَوي الاحتياجات الخاصّة، فانتقلوا إلى ثانوية جورج افرام الرسميّة في مدينة جونيه. عن المَكان الجديد، يقول الشاب: “بعد وصولنا بساعتَين، قَدّموا لنا حصَصًا غذائيّة تضمّنت علبة أرزّ مَطبوخ ومعكرونة، لكنّهم لم يقدّموا لنا شيئًا على العشاء”.
لم يختلف وضع الشاب الآخر (30 سنة)، والذي رفض الإفصاح عن اسمه أيضًا، عن الأوّل، لكنّه قال إنّه كان يعمل سائقًا لدى عائلة مَعروفة، براتب شهريّ قدره 500 دولار. يشتهي الشاب أن يتحَلّق أولاده حَول وجبة عشاء، موضحًا أنّ “طعامنا يقتصِر على وَجبة غداء فقط”.
عن احتياجاتهم قال لـ “مناطق نت”: “نحتاج إلى 25 فرشة كي ننام عليها في الليل، حيث يتوافر منها ثلاث فقط”. تابع “أعطونا غرفتين لننام فيهما، كلّ غرفة تبلغ مساحتها 20 مترًا مربّعًا، وحتّى هذه الساعة ما زلنا نفترش البلاط ليلًا، ونغطّي أنفسنا بأربعة حرامات، ونضع تحت رؤوسنا بعض الثياب فنَستعيض بها عن عدم وجود مخدّات، لذلك يُعاني مُعظمنا أوجاعًا في الظهر جَرّاء نومنا غير الطبيعيّ”. عن احتياجاتهم قال: “نحتاج إلى كثير من الأدوات كي نتدبّر أمورنا، أهمّها: موادّ غذائيّة، وأدوات طبخ من طناجر وصحون وملاعق، وأيضًا جرار غاز لتسخين مياه الاستحمام”.
تضافر جهود
من ناحيته يوضح مدير ثانويّة جورج افرام الرسميّة الأستاذ أنطوان سعادة أنّه أجرى اتّصالات حَثيثة مع المجلس المارونيّ العام، وجمعيّة AVSI وبعض المطاعم، من أجل تأمين احتياجات النازحين. تابع لـ “مناطق نت”: “نتيجة ذلك قدّم مَطعم ‘كَارينو‘ في الخامس من آذار (مارس) الجاري، وَجبَات غذاء ساخنة للنازحين، كذلك تدخّلت مؤسّسة ‘كاريتاس‘ بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعيّة من أجل تأمين وَجبات غذاء دائمة”. وأضاف سعادة “وعدتنا إدارة المجلس المارونيّ العام بأنّها ستؤمّن للنازحين مُعاينات صحّيّة دوريّة إضافة إلى الأدوية اللازمة”.
وأردف سعادة أنّ “رئيس بلديّة جونيه فيصل افرام أرسل فريق صيانة بغية توفير المياه الساخنة في الحمّامات”. أمّا بالنسبة إلى عدد النازحين، فقد أكّد أنّه “أصبح حوالي 90 شخصًا غالبيّتهم من النساء والأطفال، توزّعوا على ثماني غرَف”، مشيرًا إلى أنّه “لا يمكن استيعاب أعداد أخرى”.
جُهود مدرسة حارة صخر
من ثانويّة جورج افرام الرسميّة في جونيه إلى مدرسة حارة صخر الرسميّة المشهد نفسه يتكرّر. تستقبلنا مديرتها الأستاذة ريتّا غاوي بابتسامة مُحبّبة، موضحة أنّ المدرسة تحتضِن 22 عائلة، (نحو 87 شخصًا)، جاؤوا من بلدات مَعروب ومَعركة (صور) وكفرّرمّان (النبطيّة) وبيت ياحون (بنت جبيل). تقول غاوي “تمّ حجز 13 غرفة للنازحين، تراوح مساحة كلّ واحدة منها 12 مترًا مربّعًا”.
وتتابع لـ “مناطق نت”: “قدّم خوري الرعيّة، الأبّ جوني الراعي للنازحين الذين أمضوا 24 ساعة على الطريق من دون طعام وجبات عبارة عن مناقيش”. وأردفت غاوي أنّ “السيّدة غنطوس وهي من أصول فرنسيّة، أمّنت للنازحين عَيّنات غاز للطبخ مع ثلاث جْرَار، إضافة إلى أدوات المطبخ كالطناجر والصحون”.
اكتظاظ من دون حلول
يعاني النازحون اكتظاظًا كبير في المدرسة التي لجأوا إليها. هذا ما عبّرت عنه نَغم زَين وهي نازحة من بلدة مَعروب، وأمّ لخمسة أولاد، تقول لـ “مناطق نت”: “أسكن مع تسعة أشخاص في غرفة واحدة”. وطالبت زَين وزارة الشؤون الاجتماعيّة بتأمين احتياجاتهم اليوميّة مثل صُوبيَّات تدفئة، غسّالة، مياه ساخنة للاستحمام، مضيفة “الوزارة لم تؤمّن شيئًا حتّى الآن”. مشيرة إلى أنّ “وَجبة الطعام الثابتة هي الغداء”. تتحسّر زين على الأوقات التي كانت تمضيها في بلدتها، من المشي في الطبيعة إلى أشياء أخرى كثيرة، بعكس ما تعيشه من حجز الآن.

لا يختلف وضع ابن نغم علي حسن رضا (24 سنة)، عن والدته لناحية الابتعاد عن بلدته واصفًا ذلك بأنّه “حُبسَ قسرًا هنا”. أمضَى علي ثلاث سنوات في أبيدجان (أفريقيا) حيث عمل هناك لحّامًا (جزّارًا)، وكان يُرسل نقودًا إلى أهله تُساعدهم في عيشهم. يتحسّر علي على الأوقات التي كان يمضيها في بلدته قائلًا: “أنا هنا مُنزَوٍ ومَكسور الخاطر، لا سَهر، لا رياضة يوميّة في “الجيم”، لا زيارات عائليّة، أتمنّى أن تنتهي هذه الحرب الآن، كي أعود إلى حياتي الطبيعيّة”.
يشكو علي من الفراغ الذي يعيشه في مركز الإيواء قائلًا “لا شيء أفعله هنا، فأنا أسير الغرفة التي حُشرتُ فيها مع عائلتين، وما أفعله هو النّزول المُتكرّر على درج المدرسة، أو الوقوف أمام شبّاكها عندما تُغلق بوّابتها الساعة السابعة مساء حين يَمنعون علينا الخروج”.
مِن أين يأتي الفرَج؟
تختلف ظروف النازحين بين نازح وآخر، لكنّها تتشابه في المعاناة. النازح محمود قنبر 58 سنة، من بلدة كفرّرمّان، يروي لـ “مناطق نت” كيف أنّه بعد أن كان “مسؤولًا عن عمّال بناء (فورْمِن) بمُرتّب ثابت، ولديّ مبنىً مؤلف من خمس شقق يدرّ عليّ مالًا أستطيع بموجبه أن أعيش حياة مُرفّهة، ها أنّني الآنَ أعيش في غرفة بالطابق الثاني من المدرسة مع سبعة أشخاص، ضِمن عائلتين”.
يتابع قنبر ومشاعر الحزن تعتريه قائلًا “ولداي علي ومَهدي بَعيدان عنّي، يتابعان دراستهما الجامعيّة في بلغاريا”. يُضيف بحسرة “كنتُ أرسل لهما شهريًّا 1000 يورو ليُسدّدا بها إيجار المنزل، و7500 يورو سنويًّا ليدفعا أقساط الجامعة، أمّا حاليًّا، فهما يعيشان ضائقة ماليّة لأنّني تأخّرت في تزويدهما بالمال جَرّاء هذه الحرب المشؤومة، ولم يتبقَّ معي سوى 200 دولار فقط، أحاول أن أقضي بها حاجات عائلتي اليوميّة إلى أن يأتي الفرَج، ولكن من أين سيأتي؟!”.
بالإضافة إلى هموم عائلته يتابع قنبر أمور أقاربه الذين يتوزّعون على مدارس كسروان الرسميّة، “أطمئنّ عليهم يوميًّا، فيجيبونني “ماشي حالنا، عَم ندَبِّر أمورنا”، لكنّني أعرف في قرارة نفسي أنّهم ليسوا كذلك”.
في أثناء مغادرتنا مراكز النزوح في جونية وحارة صخر يَصِل موظّفون من شركة سانيتا، حاملين بأيديهم كثيرًا من أدوات التنظيف والمناديل الورقيّة، فتبتسِم المديرة ريتّا غاوي مُعلنة أنّ اتصالاتها أثمَرت، مُتمنّية أن تثمِر أكثر في الساعات الآتية.




