مباني طرابلس المهدّدة بالسقوط.. حكايا تختبئ خلف الجدران

على بعد أمتار قليلة من الركام المتناثر في محلّة القبّة (طرابلس)، حيث لا تزال رائحة الغبار عالقة في الهواء جرّاء سقوط المبنى قبل نحو ثلاثة أسابيع، يقف الثلاثيني أحمد هلال، بوجه متعب وعينين لم تعرفا النوم العميق منذ أسابيع. إلى جانبه عربة قهوة صغيرة، غطّاها بشادر قماش ليحتمي به من برد الليل وحرّ النهار. هذه العربة التي كانت مصدر رزق أحمد، لم تعد وظيفتها تقتصر على ذلك، بل تحوّلت إلى بيته الموقّت بعد أن انهار المبنى الذي كان يقطنه، ومعه اختفى المنزل بكلّ ما فيه تحت طبقات الركام والحجارة.
قبل شهر واحد فقط، كان أحمد يعيش قلقًا عاديًّا يشبه قلق أيّ شاب يستعدّ للزواج. كان ينتظر رمضان كي يضاعف ساعات عمله، من أجل توفير بعض المال فيُكمل شراء أثاث منزله الجديد. “كنت أحسب الأيّام”، يقول بصوت مبحوح ويردف “كنت أفكّر كيف سأستفيد من حركة رمضان لأدّخر أكثر، كي أتزوّج وأستر نفسي”.
منذ ستّ سنوات يعمل أحمد على عربته يبيع القهوة والشاي في المكان ذاته. ومنذ خمس سنوات عقد خطوبته على حبيبته، ووعدها ببيت بسيط يليق بحلمهما المشترك. اليوم لم يبقَ من الحلم سوى العربة، وبعض أكواب بلاستيكيّة، وصورة صغيرة يحتفظ بها في جيبه.
حلم تحت الركام
“كلّ شيء اختفى”، يقول أحمد وهو يشير بيده نحو الركام. يتابع لـ “مناطق نت”: “الأثاث الذي جمّعته من اللحم الحي، قطعة قطعة، صار تحت الأنقاض، ولم يعد لي قدرة على استئجار منزل جديد”. ثمّ يسأل بحسرة: “أين أذهب، ومن يعوض عليّ؟”.
يصوم أحمد نهاره واقفًا إلى جانب عربته، ويفطر أحيانًا في مكان عمله نفسه. يتحنّن عليه الجيران؛ هذا يرسل وجبة، وذاك يناوله سندويشًا، وكأنّ المدينة تحاول أن تعتذر له على طريقتها الخاصّة.
قصّة أحمد ليست استثناءً، بل واحدة من مئات الحكايات التي تختبئ خلف جدران متشقّقة في طرابلس. أكثر من 114 مبنى مهددًا بالسقوط في أيّ لحظة، وعائلات بأكملها تعيش شهر الصيام بين الخوف والترقّب؛ في مدينة عُرفت بأجوائها الرمضانيّة وأسواقها المزدحمة، وأصوات المآذن التي تتداخل مع ضحكات الأطفال. كلّ ذلك أضحى قلقًا، حلّ ضيفًا ثقيلًا على موائد الإفطار.
سقوف متشقّقة ونفوس قلقة
في جبل محسن، وعلى مقربة من المبنى الذي انهار قبل مدّة قريبة وأودى بحياة 15 شخصًا وأصاب ثمانية آخرين بجروح، تقف عليا المحمّد داخل شقّتها المتصدّعة. تشير إلى السقف وتقول “جاء رمضان، والمبنى الذي أسكن فيه متشقّق وأساساته مهترئة، لم يكشف أحد عليه حتّى الساعة، ليس من البلدية ولا من المعنيّين، نجلس إلى المائدة وننظر إلى السقف المتشقّق، ونقول: ربّما يسقط فوق رؤوسنا في أيّ لحظة”.
تصف عليا لـ “مناطق نت” إحساسها بالانتظار القاتل. لا هي قادرة على المغادرة، ولا هي مطمئنّة للبقاء. تُضيف “نأكل ونحن ننظر إلى الشقوق، نصلّي ونسمع أصوات تكسّر خفيفة في الليل”. تروي بقلق ماذا يقول الأطفال “أولادنا يسألوننا، هل سيقع البيت، فبماذا نجيبهم؟”.
“كلّ شيء اختفى”، يقول أحمد وهو يشير بيده نحو الركام، الأثاث الذي جمّعته من اللحم الحي، قطعة قطعة، صار تحت الأنقاض، ولم يعد لي قدرة على استئجار منزل جديد
مدينة متوترة
المدينة بأكملها تعيش حال توتّر على وقع إنذارات بالإخلاء تصدر فجأة، وعلى كشوفات تُجرى بين الحين والآخر على مبنى هنا ومبنى هناك، في ظلّ قرارات حكوميّة يراها السكّان غير كافية، إذ تضمّنت بدل إيواء لمدّة سنة للعائلات التي تغادر منازلها، بقيمة قدرها 90 مليون ليرة للوحدة السكنية. لكنّ الأهالي يقولون إنّ إيجار منزل في طرابلس يصل إلى نحو 400 دولار شهريًّا، ما يعني أنّ المبلغ لا يغطّي سوى شهرين ونصف الشهر تقريبًا. أمّا مركز الإيواء الوحيد، وهو معهد طرابلس الفندقيّ، فلا يتّسع لأكثر من 40 عائلة، في الوقت الذي يتجاوز فيه عدد العائلات المهدّدة 1000 عائلة.
أمام هذا الواقع، اختارت عائلات كثيرة البقاء في منازلها. بعضهم يقول بمرارة إنّهم يفضّلون الموت على الخروج إلى “المجهول” أو إلى ما يعتبرونه إذلالًا. آخرون افترشوا الشوارع أو لجأوا إلى بيوت أقاربهم، ينتظرون تعويضًا لم يصل بعد، أو خطّة واضحة لم تتبلور.
زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام إلى طرابلس حملت معها أملًا لدى بعضهم، وقلقًا لدى آخرين. تجمهر الناس في القبّة والتبّانة والميناء، كلّ يحمل سؤالًا واحدًا “أين نذهب؟”. شرح سلام خطّة الحكومة وبدائل الإيواء، لكنّ الأصوات علت لتقول إنّ مركز الإيواء لا يتّسع، والبدل عن ذلك لا يكفي، وكثيرون ممّن شمل أبنيتهم قرار الإخلاء لم يقبضوا شيئًا بعد. للحظات، ساد صمت ثقيل، ثمّ انفضّ الجمع وبقيت الأسئلة معلّقة في الهواء.
رمضان ثقيل تحت أسقف متعبة
يمرّ رمضان هذا العام ثقيلًا على سكّان الأبنية المتصدّعة. لا زينة تُعلّق فوق الشرفات خوفًا من اهتزاز إضافيّ، ولا سهرات طويلة تحت أسقف متعبة. الإفطار ليس لحظة روحانيّة وحسب، بل اختبار يوميّ للشجاعة. كلّ وجبة ربّما تكون الأخيرة تحت هذا السقف، وكلّ ليلة تمرّ بسلام تُحسب نعمة موقّتة. ومكسب حياة إضافيًّا.
في القبّة، يعود أحمد إلى إعداد القهوة مع اقتراب موعد الإفطار. يشعل ناره المتواضعة، ويرتّب أكوابه بعناية، كأنّ النظام البسيط الذي يفرضه على عربته يعوّض شيئًا من الفوضى حوله. يقول إنّه لا يطلب المستحيل، فقط سقفًا آمنًا، وتعويضًا يعيد إليه ما خسره، وفرصة ليكمل حياته التي توقّفت فجأة عند لحظة الانهيار.
بين ركام القبّة وتشقّقات جبل محسن، تتشابه الوجوه والقصص. مدينة كاملة تصوم على الخوف، وتفطر على الانتظار. الناس هنا لا يبحثون عن شفقة، بل عن أمان. يريدون أن يعود رمضان مناسبة للطمأنينة، لا موسمًا لحساب الشقوق في الجدران وعدّ الدقائق تحت سقف مهدّد بالسقوط.
إلى أن يوضع ملفّ الأبنية المتصدّعة على السكّة السليمة، كما يطالب الأهالي، يبقى الموت احتمالًا مؤجّلًا، والحياة استراحة معلّقة على نشرات الأخبار، وبينهما يقف أحمد وعليا ومئات غيرهما، متمسّكين بما تبقّى من أمل، ولو كان بحجم فنجان قهوة يُعدّ على عربة صغيرة في شارع يجاور الركام.



