أحوالمعاش

الدراجة الهوائية بديلًا عن ذلّ محطات البنزين في لبنان

هل تجد الدراجات الهوائية سبيلها في حياة اللبنانيين؟

 

هل تكون الدراجات الهوائية خياراً يعتمده اللبنانيون كوسيلة نقل بديلاً عن التنقل بالسيارة للتخفيف من أزمة  قطاع النقل وطوابير الذل على محطات البنزين في لبنان؟ اعتماد الدراجة الهوائية للتنقل هو واحد من البدائل والحلول الترقيعية التي يجهد اللبنانيون في البحث عنها لمواجهة أزماتهم والتخفيف من حدتها ومنها البنزين، مع اقتناعهم بأنها ستستمرُّ طويلاً.

بالرغم من أن اعتماد الدراجة الهوائية للتنقل في المسافات القصيرة والمتوسطة قد يكون خياراً ناجعاً، إلا أن ذلك يواجه أزمة مزدوجة. الأولى غياب شبه تام لشبكة نقل عام رسمية، والثانية تتمثل بعدم وجود ممرات وطرقات مخصصة للدراجات الهوائية، وهذا يضع عوائق أمام خيار الدراجات الهوائية كوسيلة نقل ويزيد من مخاطر استخدامها.

بالرغم من ذلك تتزايد يوماً بعد يوم أعداد الناس التي تلجأ لاقتناء دراجة هوائية واعتمادها للتنقل، بغية التخفيف من استخدام السيارة بعد استفحال أزمة البنزين ووقوف السيارات طوابير طويلة ولساعات أمام المحطات في مشاهد بات يطلق عليها اللبنانيون طوابير الذل وهي كذلك.

الدراجات الهوائية تعتبر خيارًا أكثر توفيرًا وأمانًا ولا تبالي بتقلب أسعار المحروقات أو انقطاعها، وبعد أن كانت رياضة تقتصر على الهواة والمحترفين بات العديد من المواطنين يستخدمونها للتنقل بين المناطق باعتبارها حاجة ضرورية في الوقت الراهن.

 

الحاجة تزيل العوائق الاجتماعية والجندرية

لم يعد سائقي الدراجات الهوائية يكترثون لتعليقات الناس الذين يسخرون من هذه الخطوة مع تفاقم الأزمة ووقوف الناس لساعات في محطات البنزين في لبنان، فقد وصل سعر صفيحة البنزين إلى حوالي 71 ألف ليرة لبنانية أي 18 % من الحد الأدنى للأجور مقابل صفيحة واحدة. عن ذلك يقول صاحب مؤسسة لبيع الدراجات الهوائية في منطقة الشياح إن “نظرة الآخرين والعوائق الاجتماعية لم تعد تهمّ مقابل التوفير الذي يجنيه هؤلاء من خلال الاستغناء عن سياراتهم في المسافات القصيرة. يضيف “في الفترة الأخيرة هناك إقبال ملحوظ على شراء الدراجات الهوائية بسبب أزمة البنزين”.

ويعدّد صاحب المؤسسة الفوائد الأخرى لهذه الخطوة التي لا تقتصر على إيجاد بديل لأزمة المحروقات، فلاستخدام الدراجات الهوائية فوائد صحية متنوعة، إذ تزيل الضغوطات النفسية وتُبعد راكبيها عن المكوث في زحمة السير، كما أن إصلاح أي عطل يطرأ عليها يبقى أقل كلفة من السيارات والدراجات النارية.

 

الدراجة الهوائية.. من الترفيه والرياضة إلى حاجة للتنقل بين المناطق

في المسافات القصيرة لم يعد مروان إبن الـ 51 عامًا يتنقل إلا باستخدام الدراجة الهوائية. سئم مروان من مشاهد “طوابير الذل” أمام محطات البنزين في لبنان، ولجأ إلى الدراجة الهوائية كوسيلة نقل بديلة عن السيارة ولتفادي مشاكل قطاع النقل في لبنان. يقول مروان “لطالما كنت استخدم الدراجة الهوائية بهدف الترفيه والرياضة، ولكن اليوم أتنقل فيها بين المناطق ضمن بيروت لحوالى 4 ساعات يوميًا وذلك بسبب ارتفاع سعر صفيحة البنزين والحاجة إلى الوقوف طويلاً في طوابير أمام المحطات”.

يؤكد مروان أن اعتماد الدراجة الهوائية في التنقل أحدث وفراً في مصاريفه اليومية، ويؤدي إلى إزالة الضغوطات النفسية التي يعيشها اللبنانيون خاصة في ظل الأوضاع الراهنة. وذلك من خلال تفادي الوقوع في ازدحام السير، والرياضة التلقائية الناتجة عن قيادة الدراجة الهوائية.

ولم ينفِ مروان المخاطر التي يتعرض لها راكبو الدراجات الهوائية جرّاء تنقلهم بين السيارات، عازياً السبب لغياب أي مسارب وممرات في الطرقات تراعي سير الدراجات الهوائية، وهذا أمر مؤسف ويؤدي إلى أن سائق الدراجة الهوائية يجب أن يكون يقظاً ومتنبهاً بشكل دائم.

الأزمة الإقتصادية تطال أسعار الدراجات الهوائية

وبالرغم من أن اقتناء دراجة هوائية قد يكون بديلاً عن التنقل بالسيارة في ظل الأزمة، إلا أن هذا البديل ليس في متناول الجميع، وقد يقتصر على ميسوري الحال ممن يملكون العملة الخضراء. إذ مع ارتفاع الطلب عليها بدأ سوق الدراجات الهوائية يشهد ارتفاعاً في الأسعار، ولم تعد تُباع الدراجة الهوائية سوى بالدولار الذي لا يجد له طريقاً إلى جيوب الفقراء.

“أسعار الدراجات الهوائية تبدأ من 150 دولار كحدّ أدنى أي أكثر من مليوني ليرة على سعر الصرف اليوم ويمكن أن تصل إلى 1000 دولار أو أكثر”. هذا ما قاله علي عطوي وهو صاحب متجر لبيع الألعاب والدراجات الهوائية، مضيفاً “أن تصليح أي قطعة أو استبدالها مكلفٌ أيضًا فمثلًا ارتفع سعر دولاب الدراجة الداخلي من 15 ألف إلى أكثر من 100 ألف ليرة”.

الأمر لم يقتصر على قطع غيار الدراجات الهوائية بل انسحب على أسعار مستلزمات الحماية أثناء قيادة الدراجة الهوائية مثل خوذة الرأس والمعدات التي تحمي الذراعين أصبحت مكلفة في الوضع الراهن أيضًا. لكن بالرغم من كلّ ذلك، يؤكد عطوي أن الإقبال على شراء الدراجات الهوائية زاد بشكل كبير مع أزمة محطات البنزين في لبنان وتأثيرها على قطاع النقل.

مؤسسة تجارية تعرض دراجات هوائية أمام المتجر
عجلات هوائية امام احدى المتاجر معروضة للبيع
قطاع النقل في لبنان من سيىء إلى أسوأ

اعتماد الدراجة الهوائية كبديل للتنقل عن السيارة، يتعدى مسألة أزمة البنزين والطوابير في محطات البنزين في لبنان، ليطاول مشكلة قطاع النقل البري والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً بغياب شبكة نقل عام رسمية (النقل المشترك) داخل المدن وبين المناطق، وهذا يُشكل عبئاً على المواطن الذي يضطر لتأمين ذلك من خلال شراء سيارة الأمر الذي يسبب بدوره ازدحاماً مرورياً.

غياب خطط لتنظيم النقل العام في لبنان كان نهجاً متعمداً من معظم الحكومات المتعاقبة التي كانت على الدوام تهمل هذه القضية الحيوية التي تعتبر أولوية في معظم الدول لما لها من دور أساسي في في عملية تنظيم المدن وحركتها المرورية، مع التذكير أن للنقل المشترك في لبنان تاريخا عريقا. بدأ مع الترامواي في بدايات القرن الماضي واستمر عشرات السنين. ومن ثم خلفه الأوتوبيس الذي توقف خلال الحرب.

 

غياب الوعي يفاقم المشكلة

في المقلب الآخر، يعتقد جواد سبيتي صاحب ومؤسس مشروع “Beirut By Bike” أن زيادة الاستهلاك ليس سببه الوحيد أزمة البنزين بل يرتبط بأهداف رياضية أيضًا. ورغم كل الجهود والمساعي التي قاموا بها كجمعية تشجّع على استخدام الدراجات الهوائية لا تزال ثقافة النقل الحضري ضعيفة، إذ أن “المواطن اللبناني ليس لديه مانع من أن يقف في طوابير في محطات البنزين في لبنان لساعات أو أن يشتري دراجة كهربائية سعرها حوالى 2000 دولار على قاعدة بيتدين ليتزين، ولكنه يمتنع عن شراء دراجة هوائية والتي هي أرخص بكثير”.

ويرفض سبيتي اعتبار المشكلة مقتصرة على عدم وجود مسارات خاصة للدراجات الهوائية في لبنان، ويوضح لـ “مناطق” أن “ابتكار مسار خاص للدراجات الهوائية ليس بالأمر الصعب. نحن كشركة قدمنا مسبقًا دراسات و 3 خرائط تشمل مناطق عدة، وسعينا مع العديد من الجهات الرسمية لتنفيذ المشاريع حتى أننا تبرعنا بمبالغ مالية لتنفيذها إلا أن جميعها قد توقّف”.

العقبة ليست في غياب الحلول، يعتبر سبيتي بل في غياب الوعي والثقافة التي تدفع الجهات الرسمية إلى الاعتقاد بأن النقل السلس أو الحضري ليس له الأولوية في ظل مصائب لبنان العديدة. وينوّه سبيتي إلى أن استخدام الدراجات الهوائية لا يمكن اعتباره حلًّا لأزمة قطاع النقل في لبنان، حيث أن التنقل فيها يقتصر على المسافات المتقاربة وبالتالي لا يمكن اعتبارها بديلًا عن السيارات.

صورة تعبيرية

قطاع النقل في لبنان.. الحلّ يبدأ بتحسين النقل العام

قد يكون الحديث عن المطالبة بتحسين واقع النقل العام وتنظيمه ليصبح متاحًا للجميع وبكلفة زهيدة في هذه الظروف ضرباً من الجنون في ظل الانهيارات المتلاحقة لشتى القطاعات الحيوية والتي تؤشر لانهيار عام في كل شيء. لذلك الاعتماد على الدراجات الهوائية كوسيلة للتخفيف من حدّة الأزمة وليس كبديل يمكن التعويل عليه لمنع الفوضى التي قد تحدث جرّاء تفاقم الأزمة.

لجوء الناس إلى الدراجات الهوائية كحل للأزمة التي يعيشونها يشير إلى أن المواطن متروك لقدره وحيداً يحاول تدارك الأسوأ. لم تترك له المنظومة السياسية التي حكمت البلاد عقوداً من الزمن سوى إنجازات من وزن أكبر صحن حمّص وأكبر جاط تبولة ومؤخراً دبكة أمام محطة من محطات البنزين في لبنان على أنغام “قلهن إنك لبناني”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *