يا طير الجنوب… أنا مثلك أتوق للعودة

كلّما غنّى مرسيل خليفة أغنية عن الجنوب، شعرت بأنّني أسمع شيئاً من حكايتي، حكاية الجنوب الذي نغادره بأجسادنا، ونظلّ معلّقين به مهما ابتعدنا. “يا طير الجنوب” واحدة من تلك الأغاني التي تتحدّث عن الانتماء والعودة أو الرحيل. في كلّ مرّة أسمعها تجعلني أرى نفسي في ذاك الطير، وأفهم شيئاً عن علاقتي بالمكان الذي أنتمي إليه. نحن الذين نزحنا عن الجنوب أكثر من مرّة، نعلم أن مغادرة البيت لا تعني تركه حقّاً. ربّما نبتعد من أبوابه وشوارعه، لكنّ شيئاً منّا يبقى هناك، معلّقاً بما تركناه وراءنا، ينتظر عودتنا.
في النزوح الأوّل العام 2024 ارتجفت أجنحتي كما ارتجفت أجنحة كثيرين. ظننت أنّني وللمرّة الأولى أختبر حبّي للجنوب، وكنت في الحقيقة أكتشف أنّني أحبّه أكثر ممّا تخيّلت. حين عدت، أحسست بأنني أتعافى. لم يعد كلّ شيء مثلما تركته، لكنّني استطعت أن أمشي في شوارع أعرفها، وأن أرى البحر، وأن أطمئنّ بعودتي إلى حيث أنتمي. يومها أدركت أن الرحيل كان وقاية، وأنّ العودة ردّت إليّ شيئاً من نفسي.
كنت أغار من الطيور
ثمّ جاء النزوح الثاني 2026. هذه المرّة لم أشعر بأنّني أغادر مكاناً وحسب، بل كأنّ رصاصة أصابت جناحيّ. كنت أعرف معنى النزوح من قبل، لكن المعرفة لا تخفّف الألم دائماً، وأحياناً تضاعف الخوف، لأنّنا نعرف كيف يبدو الغياب حينما يطول. النجاة ليست تدريباً على الفقد.
في حينه، أدركت أنّني لا أشبه عصفور “مرسيل” تماماً. أستطيع أن أعيش في مكان آخر، وأن أعتاد تفاصيله، وأن أكون ممتنّة لمن فتح لي بابه. لكنّني لا أستطيع أن أطلب من قلبي أن ينقل مقرّه بهذه السهولة. يمكن للمرء أن يشكر باباً انفتح أمامه، وأن يشتاق في الوقت عينه إلى بابه الذي يألفه. لا تعارض بين الأمرين.
في الجنوب لا نحبّ المكان وحده، بل نحبّ تحليقنا في أرجائه. ولهذا حين نغادره لا نشعر أنّ السماء اتّسعت، بل نرى العالم صار أضيقَ.
أعود إلى الطفلة التي كنتها… كنت أغار من الطيور. تطير وتحلّق، وتختار أين تحطّ ومتى تغادر، ولا تحتاج إلى إذن كي ترحل ولا إلى تفسير كي تعود. وكنت أظنّ أنها تملك السماء.

مواسم الرحيل والنجاة
ذات مرّة ألحّيت على صديق والدي بأن يسمح لي في إطعام عصفوره، ضممته إلى يديّ بحبّ أكبر من احتمال جسده النحيل، فاختنق ومات بين يديّ. لم أكن أعرف يومها أنّ الحبّ ربّما يؤذي حين لا نعرف حدوده. ومنذ تلك اللحظة تعلّمت أنّ ثمة أشياء جميلة لا تُحَبّ إلا من بعيد.
حين كبرت اكتشفت أنّ الرحيل ليس بالبساطة التي تخيّلتها. كلّما كبرنا ازدادت الخيوط التي تربطنا بالأماكن. نصبح أَعرَف بأنفسنا، لكنّنا نغدو أيضاً أشدّ تعلّقاً بما عرفناه. نحن لا نغادر الأماكن كاملين، نترك شغاف قلوبنا فيها ونحمل ما تيسّر. غادرت المدرسة وما زلت أرى نفسي على مسرحها، أركض لكي أكون الأولى. غادرت الجامعة وما زلت أشمّ رائحة الشاي في زواياها. نغادر الأشياء، ثمّ نكتشف أنّها تركت شيئاً منها فينا.
ليس كلّ رحيل هروباً
ربّما لهذا الاعتياد تؤلمنا النهايات، ليس لأنّ كلّ ما ينتهي كان جميلاً، بل لأنّنا اعتدنا وجوده، وعرفنا كيف نعيش معه حتى حين كان يتعبنا. أمّا البدايات فليس لدينا عنها سوى الاحتمالات. هذا ما يسمّيه علم النفس “منطقة الراحة”: يمنحنا التعوّد، الأمان، ثمّ يجعلنا نخاف من كلّ ما يقع خارجه. فنستمرّ أحياناً بعلاقة تؤذينا، أو نبقى في مكان لم يعد يشبهنا، لأنّنا نعرف وجعنا القديم، ولا ندرك شيئاً عن الوجع الذي ينتظرنا في المآل الجديد.
لكن ليس كلّ رحيل هروباً، وليس كلّ بقاء وفاءً. أحياناً نغادر كي نحمي ما تبقّى منّا، وأحياناً نبقى لأنّ شيئاً فينا ما زال يجد معناه في المكان. حتّى العصافير لا ترحل طوال العام، لها مواسمها ووجهاتها وأسبابها التي لا نعرفها كلّها. حين يبرد الطقس تهاجر بحثاً عن الدفء، ولا يعني الأمر أنّها كرهت ما تركته أو تاه طريقها إليه. إنّها تفعل ما تدركه كي تعيش. فهل يكون الرحيل شكلاً من أشكال الوفاء للحياة؟
أحياناً نغادر كي نحمي ما تبقّى منّا، وأحياناً نبقى لأنّ شيئاً فينا ما زال يجد معناه في المكان.
حريّة البقاء
في القرآن، وعدٌ للمهاجرين: “وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً”. أحبّ هذه الآية لأنّها تفتح الأرض أمام الخائف، وتذكّره بأنّ المكان الذي ضاق به ليس العالم كلّه.
لكنّني أفكّر أيضاً في الذين يأبون المغادرة. في الذين يتعلّقون ببيوتهم ويحفظون وجوه جيرانهم، ولا يطلبون من الحياة أكثر من العيش فيها بسلام. ماذا لو لم تكن المشكلة أنّهم عجزوا عن اكتشاف سعة الأرض، بل إنّ أحداً سلبهم حقهم في البقاء؟
أفكر في العصفور الذي اختنق بين يديّ. أردت أن أحميه فضممته إليّ، ولم أفهم أن خوفي عليه سيؤذيه. اليوم أفهم شيئاً آخر: ليس كلّ ما نحبّه نستطيع حمايته، وليس كلّ ما نعجز عن حمايته نستطيع التخلّي عنه. ما زالت الطفلة في داخلي تتمنّى لو كانت عصفورة كي ترحل متى شاءت. ثمّ أفهم أنّ ما أريده حقّاً ليس القدرة على الرحيل، بل ألّا أُجبر عليه. أن أملك حرّيّة البقاء أيضاً.
لا أريد أن يتحوّل الجنوب إلى صورة أستعيدها، أو أغنية أسمعها حين أشتاق، أو حكاية أرويها لمن لم يعرفه. أريده مكاناً أترعرع فيه وأكبر، وأملّ من شوارعه أحياناً، وأعود إلى بيتي في نهاية يوم عادي. أريده مكاناً للحياة، لا ذكرى للنجاة.
هل نعود؟
أريد جناحين لا كي أبتعد عن الجنوب، بل لأعود إليه كلّما أبعدتني الحرب. أن تصير العودة حقّاً عاديّاً وليس معجزة، وأن أعود من دون أن أحصي ما فقدته، ومن دون أن أختبر الخوف عينه مرة أخرى.
لا أعرف إن كانت العصافير تحنّ إلى الأماكن التي تغادرها، لكنّني أعرف أنّنا نفعلها. ورحيلنا مختلف لأنّه يحمل شرط العودة منذ لحظته الأولى، رحيل لا يقطع الخيط عن المكان، بل يشدّه أكثر. كأنّ المسافة، مهما اتّسعت، لا تفعل سوى أن تُبقي الشوق حيّاً، والسؤال معلّقاً: متى سنعود هذه المرّة؟ أو: هل سنعود؟




