الكتابة على خطّ التماس ما يتوارى خلف السطور

أفتح الحاسوب ثمّ أغلقه، لا أعرف لماذا، أو ربّما أعرف ولا أريد مواجهة نفسي. لستُ ممّن يبحثون عن جدال، لكنّني أعترف: لديّ أفكار لا أقولها، ليس في مقالة، ولا في حديث، أو حتّى في نقاش خاصّ، وهو بالتأكيد عكس ما يتوجّب على الصحافيّ فعله.
أحيانًا، أكتب الفكرة وأحذفها، ليس لخلل فيها، بل لأنّها قريبة جدًّا من نقطة تفضح هشاشتنا في وقتٍ لا نملك فيه رفاهيّة العطب، لأنّني لا أريد أن يراها الآخرون وهي تومض بحقيقتها، في موضع لا يحتمل التصدّع.
في خضم هذه المناورة، وتحسّبًا للكشف، أبتلعُ ما أردتُ قوله لتتحوّل الكتابةُ لديّ إلى نوعٍ من المراوغة، أضعُ فاصلةً فرارًا من الموقف، وأستبدلُ المباشرة بالتشبيهات، وأُغرق الحقيقة في زحام الاستعارات.
أكتب، محاولةً أن أقول من دون أن أقول. أُلمّح، وأنا أُغلِق الباب على أكثر الحقائق وضوحًا، في نصّ يختبئ خلف صيغة المبنيّ للمجهول.
ما نكتمه يصوغنا
لا أحد يراني وأنا أعيد صياغة أفكاري، تلك الأفكار المتواترة التي تتزاحمُ في رأسي ولا أستطيع اللحاق بها؛ وأنا أنتظر دوري، وأنا أغسل وجهي، أو حين أطيل النظر إلى سقف الغرفة قبل النوم. أظلُّ أُبرّر، وأقنع نفسي بتلك الحكمة القديمة: «إذا كان الكلام من فضّة، فالسكوت من ذهب».
بيد أنّ السكوت حين يطول، لا يُخفي الحقيقة، بل إنّ كلّ شيء لم نقله يظلّ حيًّا فينا، يُشكّلنا، وينتهي بنا إلى مزيد من العيش خلف الأوهام المضلِّلة…
ولأنّنا لا نقول الحقيقة، صرنا نفهم أنفسنا أقلّ. لا نعرف إن كنّا مظلومين أم خائفين؟ لا نعرف إذا كان انسحابنا احترامًا أم تواطؤًا؟ تتراكم هذه الأفكار غير المنطوقة، ليس في الذاكرة وحسب، بل في سلوك جماعيّ يبدو طبيعيًّا لكنّه مزيّف.
هكذا تُصبح الأفكار التي لم نَقُلها أكثر ثقلًا وحضورًا من كلّ ما كتبناه، مقتنعين أن اللغة أقصر قامةً من أن تطال ما نشعر به. لكن، هل السكوت حماية للذات، أم إنّه ممارسةٌ صامتة لشكلٍ أعمق وأعنف؟
الرقيب القابع في الداخل
يوضح الفيلسوف الفرنسيّ ميشال فوكو، في تحليلاته العميقة لبنية السلطة والخطاب، أنّ أشدّ أشكال السلطة خطورة ليست تلك التي تُمارس عبر الهراوات أو الجدران العازلة، بل تلك التي تنفّذ إلى أجسادنا وأفكارنا، فتجعلنا نراقب أنفسنا بأنفسنا. يقول فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب»:
«ليس هناك حاجة للسلاح، ولا للعنف المادّيّ، لتشكيل السلوك وتطويع الفكر». حين نفكّر في قول شيء ثمّ نعدل عنه، فإنّنا نحاكي نموذج «البانوبتيكون» (السجن المثاليّ) لدى فوكو؛ حيث يمتصّ الفرد السلطة في داخله ليصبح هو السجّان والمستبدّ بحقّ أفكاره الخاصّة.
العنف هنا لا يتجلّى في الفكرة المُقالة، بل في الفكرة المحذوفة، في ذلك التنازل الصامت الذي يُلزم النصّ بحدود «المسموح به» اجتماعيًّا أو نفسيًّا. إنّ قمع الأفكار قبل ولادتها هو الشكل الأعمق لعنف الخطاب؛ حيث تُصاغ لغتنا وفق متطلّبات الرقيب القابع في العقل الباطن، لأنّ محاولة إخراج تلك الأفكار المحجوبة إلى العلن تتطلّب خرقًا للصمت، وهتكًا للحجب التي نختبئ خلفها. لكنّها ضروريّة، لأنّها تفتح العقل كي يصل إليه الهواء والشمس، فأفكارنا دائمًا بحاجة إلى تهوية.
الشجاعة هي الإقرار بأنّ النصّ الذي ننشره ليس إلّا نصف الحقيقة، وأنّ النصف الآخر ما زال يتوارى تحت السطور.
أحيا صراعًا ذاتيًّا
عندما أجلس أمام الشاشة، أحيا صراعًا ذاتيًّا، فالصمت الذي يسبق الكتابة يتأرجح بين الرغبة في التعبير والخوف من كشف المسكوت عنه. الفكرة التي تراودني ثمّ أقرّر حجبها في اللحظة الأخيرة، هي ضحيّة لعمليّة رقابة ذاتيّة، وهي رقابة تمارس هيبتها دون الحاجة إلى رقيب خارجيّ.
ربّما لا يوجد من يراقبني. لكنّ داخلي يعرفني أكثر ممّا أحبّ، يُفتّش في أفكاري كأنّها أدلّة جنائيّة، ويعيد صياغتها كي لا تُربكني.
أعرف جيّدًا أنّ هذا النوع من التردّد ليس حكمةً، بل تقنينٌ للانهيار الجماعيّ عندما تتحكّم في متى تقول، وماذا تقول، وتصدّق أنّ «ليس كلّ ما يُعلم يُقال، ولكلّ مقام مقال».
الكتابة العنيفة تنتزع الحقيقة
الكاتب التشيكي الذي كتب بالألمانية فرانز كافكا، خاض معركة أبديّة مع الصمت واللغة، يعبّر عن العنف الداخليّ المزروع في أصل فعل الكتابة، حين يقول في إحدى رسائله الشهيرة:
«أعتقد أنّه لا ينبغي لنا أن نقرأ إلّا تلك الكتب التي تغرز أنيابها فينا. إذا كان الكتاب الذي نقرؤه لا يوقظنا بلكمة على جمجمتنا، فلماذا نقرأه إذن؟ إنّنا نحتاج إلى الكتب التي تنزل علينا كالمصيبة، التي تحزننا عميقًا… إنّ الكتاب يجب أن يكون الفأس التي تهشّم البحر المتجمّد في داخلنا».
الكتابة بحدّ ذاتها، طبقًا لترسيمة كافكا، تتطلّب نوعًا من العنف: العنف ضدّ الذات أوّلًا لانتزاع الحقيقة من عتمتها، والعنف ضدّ السكون والتكيّف ثانيًا. كلّ فكرة اخترنا ألّا نقولها اليوم هي بمثابة جزء من الحقيقة التي آثرنا إخفاءها، ربّما تجنّبًا للألم من مواجهة الحقيقة.
تمتدّ يدي إلى لوحة الطباعة، لا لأكتب، بل فقط لأتأكّد أنّني ما زلت أملك خيار البوح، لكنّ الصمت غالبًا هو رفيقي الوحيد الذي لا يُخطئ التأويل، أختاره أحيانًا، لأنّني لا أحتمل ثقل سوء الفهم.
بين البوح والصمت
حين نُفكّر في القول ثمّ نتراجع، فإنّنا نفعل ذلك لأنّ الكلمات المتاحة تبدو إمّا أضيق من الفكرة، أو أقسى من أن يُحتمل أثرها. هذا التردّد يضعنا أمام مرآة أنفسنا: هل نكتب لنرضي الآخرين، أم نكتب لنفهم أوجاعنا؟ هل هدف التدوين هو إيجاد مساحة آمنة لتنميق العبارات، أم أنّه محاولة لتوثيق ما يجري في المساحات المظلمة؟
في كتابه «فضاء الكتابة»، يرى الفيلسوف الفرنسيّ موريس بلانشو في الكتابة وسيلةً للخروج إلى العزلة المطلقة، وممارسةً تفكيكيّة تجعل الكاتب صريع كلماته الخاصّة. اللغة ليست طيّعة دائمًا، بل إنّها تمارس علينا عنفًا حادًّا حين ترفض مطابقة ما نكبته في الداخل.
قد يكون السكوت استراحة محارب، أو تأجيلًا لمعارك قادمة. لكنّ الأشّد قسوة هو أن نستسلم لهذا الصمت إلى الأبد، أن نُصلح من شأن السجّان في داخلنا حتّى تختفي الأفكار الحقيقيّة تمامًا. والشجاعة هي الإقرار بأنّ النصّ الذي ننشره ليس إلّا نصف الحقيقة، وأنّ النصف الآخر ما زال يتوارى تحت السطور.
إنّ أعمق النصوص هي تلك التي يُجازَفُ بكتابتها على خطّ التماس؛ بين الخوف والحرّيّة، بين الرقابة والشجاعة، وبين صمتٍ نسعى لكسره وعنفٍ نخشى إطلاقه. إنّني أُدرك جيّدًا أنّ هذه الأفكار لا تختفي لمجرّد محوها، بل تتنكّر في ممارساتٍ عديدة؛ وكلّ ما فضّلنا حذفه اليوم، سيعودُ غدًا على هيئةِ معاناةٍ جماعيّةٍ جديدة.



