يا حولا… من يسقي زيتوننا قبل أن نعود؟

«هدّوني هدّوني، ع حولا ودّوني،
لزور تراب الحمّارة وأسقي هالزيتوني.
يا رايح ميّل عالدير وسلّم عصبحيّة،
وعالصوّانة كفّي السير ومسّي عالديابيّة،
وسلّم ع آل ياسين وقلهم والله مشتاقين،
وسهراتك يا حولا بعدا ما ارتاحت عيوني».

ما إن يُسكب الشاي ويبدأ القطاف، حتّى ترتفع أصواتنا بهذه الأغنية. هكذا كانت تبدأ جلساتنا العائليّة في موسم الزيتون، كبرتُ وأنا أردّدها. الأغنية من كلمات وسام قطيش، ابن حولا، كتبها في التسعينيّات، يوم كانت القرية محتلّة وأهلها ممنوعين من العودة إليها. خرجت من وجعهم، ثمّ صارت لنا تراثاً نغنّيه تحت الأشجار.

أعترف أنّني كنت أردّدها لسنوات كما يشارك الطفل في ما يفعله الكبار. فقط لأكون معهم، دون أن يمسّني معناها. أمّا اليوم، فأسمع حولا التي عرفناها، والأرض التي حُرمنا منها، والعودة التي لا بُدّ منها.

يومٌ من أرض حولا

كنا نستيقظ عند الثالثة فجراً، نمضي إلى سهل الخيام أو المنارة في ميس الجبل. نمشي بين ربوع حولا ونقطف الأوراق من صفوف التبغ الطويلة. وعلى رأسنا ضوء صغير يدلّنا نحو المسير، بينما الندى يبلّل أكمامَنا. ونستمر في القطاف حتّى بزوغ الشمس؛ ثمّ نعود إلى الدار وأيادينا صفراء، تفوح منها رائحة التبغ، وتعكس تعبَ النهار الذي ما زال في أوّله.

في الدار، نفترش الباحة بأشوال التّبغ، ويبدأ النظم. يجتمع الجيران وتتوزّع الأيدي بين الإبرة (الميبر) والخيط، وتبدأ الأحاديث والصبحيّات. لكلٍّ مسلّته: حكايا القرية، وأخبار الموسم، وضحكات تعلو حتّى يسمعها الحيّ بأكمله. كانت الأيدي تعمل والكلام لا يتوقّف، فلا يشعر أحد بمرور الوقت.

تربّيت على حبّ الأرض والاعتناء بها، كي نأكل من خيراتها ونتعلّم مّما نجنيه. وعلى رغم صعوبة هذه الزراعة، اشتقتُ إلى كلّ تفاصيلها، إذ كان التعب يومها جميلاً. كانت المواسم تتعاقب، ومع كلّ موسم كانت الأرض تترك فينا شيئاً منها.

شك الدخان في حولا (تصوير كامل جابر)
للزيتون كلّ الحكايا

بدايات الشتاء اليوم تذكّرني بتلك الأيّام، برائحة التراب الأولى. انتهاء موسم قطاف العنب وتصفية التبغ قبل تسليمه لشركة الريجي، وبداية موسم الزيتون. لكلّ موسم حكاية، وللزيتون كلّ الحكايا.

ننتظر الموسم بكلّ تفاصيله، ونُسرع حتّى نتفرّغ للزيتون. نخرج مع الفجر بالمعاول والسلال، ونفترش الميازر تحت الأشجار، وتمتلئ الأرض بأصواتنا.

نقسّم الأدوار: واحد على الأشجار يهزّ الأغصان بعصا الرّمان، وآخر على الأرض يجمع الحبّات، وثالث يوقد النار تحت إبريق الشاي ويعدّ الفطور. وعندما تحين ساعة الراحة، نجلس على الأرض، يلفّنا دخان الموقدة. نحرّك كاسة الشاي بعود من أغصان الزيتون وتدور الضحكات والنكات الممزوجة بالتعب، وأصواتنا تعلو بالأغاني لتخفّف عنا عناء القطاف.

حين يميل النهار، نعود محمّلين بالأكياس، متعبين، وفي أعيننا ثمرة سنة كاملة. نبدأ بتفريغ المحصول، ثمّ بفرز الزيتون على العرّابة: هذا “للرصّ” ذاك “للعصر”. بعدها يحمل أبي الشوالات إلى المعصرة. فنلحق به وننتظر دورنا بين أكياس الزيتون ورائحته التي تملأ المكان. نراقب الحبّات وهي تدخل الآلة، ثمّ ننتظر لحظة خروج الزيت، أخضرَ في بدايته، تفوح منه رائحة الموسم كلّه. نعود إلى البيت ونحن نحمل بين أيدينا حصاد تعبنا ومعنا مؤونة سنة كاملة.

على بُعد أمتار

اليوم، لا موسم زيتون، ولا زيت، فقط ذكريات نستعيدها وصور نحدّق بها. أكتب وأنا جالسة على تلال شقراء المقابلة لقريتي، أراقب زيتوننا من مسافة أمتار. أعاين بصمت كيف يفخّخ الاحتلال البيوت، ويجرف الطرقات، ويحرق أشجار الزيتون. أرى الدخان يرتفع من حيث كنّا نشعل موقدة الشاي، وأعجز عن الاقتراب.

أفكّر أحياناً أنّ البيوت، مهما تهدّمت، يمكن أن تعود. يمكن أن تُبنى حجارةً فوق حجارة، وأن تعود النوافذ إلى أماكنها، والأبواب إلى عتباتها بسرعة. لكنّ الأشجار… ماذا نفعل بها؟

الشجرة لا تحمل ثمرها وحده، إنّما تحمل سنواتٍ من الانتظار، تحمل أيد غرستها، وموسماً تلو موسمٍ سقتها، وطفلاً كبر وهو يركض بين أغصانها، ووجوهاً كانت تجتمع تحت ظلّها. في قريتنا، الشجرة جزءٌ من ذاكرة القرية، من تعب الفلّاح، من مواسم القطاف، ومن رائحة التراب بعد المطر. 

الحرب تهدد أرزاق آلاف العائلات التي تعتمد على موسم الزيتون في الجنوب (تصوير كامل جابر)
وصيّة الزيتون

في الـ26 من كانون الثاني (يناير) 2025، دخلنا إلى حولا بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً. دخلناها ونحن نحمل في قلوبنا شوق سنتين. لكنّ يوم العودة هو نفسه اليوم الذي فقدت فيه خالي (الشهيد علي غالب قطيش). عُرف بـ”عاشق حولا” من فرط حبّه لهذه الأرض، وقد قتله الاحتلال برصاصة أصابت قلبه. بقيت كلماته الأخيرة حاضرة في ذهني، كأنّها تركت لي أمانةً تجاه هذه الأرض.

حتّى في وصيّته، لم يغب الزيتون. كان آخر ما كتبه على صفحته “فيسبوك” كلمات للأرض. وكأنّه كان يعرف أنّ العودة إليها ستكون أقرب ممّا نتصوّر: “جهّزوا معاولكم لنزرع الزيتون ونكرّم التراب، فالعودة باتت قريبة، ابتعدوا عن شؤم الغراب. سنعود إليها حاملين على أكتافنا مسك الجنوب، فنحن ما خرجنا منها إلّا لنعود إليها”.

عهد التراب

كلّما استعدت هذه الكلمات، أقرأها بمعنى مختلف. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أرى الأرض مثلما كنت أراها سابقاً. صارت أكبر من المكان والذاكرة، تحمل وجهه، وصوته، وكلماته الأخيرة. صار الزيتون أكثر من شجرة، والتراب أكثر من تراب، والأرض ذاكرة من أحببناهم، ووصية من رحلوا وهم يؤمنون بالعودة.

اليوم، أقطع عهداً على نفسي: سأعود إلى حولا التي حُرمتُ منها، وأزرع فيها ما استطعت، وأكرّم ترابها كما أوصانا خالي، لنذكّر العالم بأنّ الزيتونَ لنا، والمواسم لنا، وحولا… والبلاد.

بلدة حولا بعد الحرب دمار يحاكي دمار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى