من الشفقة إلى الحقوق… كيف يتعامل الإعلام مع ذوي الإعاقة؟

إن شاهدت أو سمعت يوماً شخصاً من ذوي الإعاقة في مقابلة على أحد البرامج أو وسائل الإعلام اللبنانيّة، فغالباً ما سيكون هدف المقابلة هو تسليط الضوء على تفوّقٍ في امتحانٍ ما، أو جمع تبرّعات، أو حتّى صنع “ترند”.

مع الأسف، على رغم تطوّر تقنيّات الإعلام، إلّا أنّ المفاهيم التي تحكم التعاطي مع الفئات المهمّشة والأشخاص من ذوي الإعاقة لم تتغيّر بالقدر نفسه. ففي ظلّ نضال هذه الفئات كي يكونوا جزءاً من المعادلة اللبنانيّة والإعلاميّة، لا تزال هذه الثقافة غير المتوازنة تساهم في تنميط أشخاصٍ يمتلكون كفاءات وإرادةً وقدراتٍ، يمكن للإعلام، أن يقدّمهم بوصفهم أصحاب اختصاص وإنجاز، لا بوصفهم حالات تستدعي الشفقة.

من الصورة إلى القضيّة

ربّما يكون الإعلاميّ الكفيف ناصر بلّوط، إلى جانب عددٍ من أقرانه، شاهداً على هذا الواقع. لم ينتظر بلّوط فرصةً على الشاشات المحلّيّة، التي يرى أنّها لا تمنح أمثاله المساحة الكافية، في وقتٍ يبحث فيه الإعلام، في كثيرٍ من الأحيان، عن الصورة والانتشار أكثر من الثقافة والتخصّص.

خرج بلّوط من بيئة ثقافيّة آمنت بقدراته، فاختار أن يخوض تجربته الإعلاميّة عبر منصّة خاصّة، ليقول إنّ المسألة لا تتعلّق بمجرّد الظهور، بل بما يمكن للإعلام أن يقدّمه من قضيّة وصوت ومساحة.

“أعمل في منصّة لديها انتشار أكبر من بعض التلفزيونات. المهمّ أن نعرف ماذا نريد أن نوصِل. نريد أن نوصِل قضيّة، وليس فقط أن نظهر شخصاً ونطلب من الناس أن تشفق عليه أو تتبرّع له”، يقول بلّوط لـ”مناطق نت”. الإشكاليّة بالنسبة إليه لا تتوقّف عند غياب المساحة، بل تكمن في طبيعة الأسئلة التي تُطرح على الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي حصرهم غالباً بإعاقتهم.

أسئلة نمطيّة وصورة جاهزة

يتابع بلّوط متسائلاً: “لماذا لا نرى شخصاً لديه إعاقة يتحدّث في الإعلام عن السياسة أو الاقتصاد أو الفنّ؟ لماذا يتمّ حصره دائماً في موضوع إعاقته؟ نسمع دائماً الأسئلة نفسها: كيف تعلّمت؟ كيف درست؟ كيف عملت؟ وكيف أصبحت بطلاً على رغم إعاقتك؟ هذه القصص مهمّة، لكنّها أصبحت نمطيّة. نحن نريد أن نغيّر الحديث”.

من هنا، نستخلص الإشكاليّة الأوسع: كيف يحوّل الإعلاميّ القصّة إلى قضيّة، والقضيّة إلى وعي؟ وكيف يمكن للتغطية أن تتجاوز الصورة الجاهزة، لتعيد تقديم الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم جزءاً طبيعيّاً من المجتمع؟

إيناس شري: الإعاقة بحدّ ذاتها ليست هي المعوّق، بل البيئة التي لا تؤمّن له تكافؤ الفرص.

الثقافة الإعلاميّة بمواجهة التهميش

عن هذه الإشكاليّة، تتحدّث رئيسة تحرير “المفكّرة القانونيّة” وعضو الهيئة الإداريّة في اتّحاد الصحافيّين والصحافيّات إيناس شرّي، فترى أنّ الثقافة والوعي الإعلاميّ هما أساسان في تغيير طريقة التعاطي مع الفئات المهمّشة.

شرّي، التي تتابع هذه القضايا في عملها الصحافيّ والقانونيّ، ترى أنّ المطلوب ليس تقديم الشخص باعتباره “حالة” أو “شخصاً من ذوي الحاجات”، بل النظر إليه كشخص تحدّى المعوّقات الموجودة حوله، وتمكّن من أن يكون فاعلاً وبارزاً في مجتمعه. وبالنسبة إليها أيضاً، فإنّ السؤال أصلاً يجب أن يتغيّر.

“السؤال يجب أن يكون مختلفاً. ليس “على رغم إعاقته”، بل على رغم المعوّقات الموجودة في البيئة المحيطة به. لأنّ الإعاقة بحدّ ذاتها ليست هي المعوّق، بل البيئة التي لا تؤمّن له تكافؤ الفرص”، تقول شرّي لـ”مناطق نت”.

وتشدّد على أنّ التغطية الإعلاميّة لقضايا الفئات المهمّشة لا تزال لا تأخذ المساحة المطلوبة، على رغم أنّ الأزمات والحروب تجعل هذه الفئات أكثر هشاشة، ما يفترض أن يدفع الإعلام إلى منحها مساحةً أكبر. لكن، وفقاً لها، فإنّ ما يحصل هو العكس.

البحث عن “الريتش”

إلى جانب ذلك، تشير شرّي إلى نقص الوعي والتدريب لدى عددٍ من الصحافيّين، فيما يؤثّر البحث عن الـ”ريتش” في اختيار القضايا وطريقة معالجتها، وربّما يؤدّي أحياناً إلى تكريس صورة نمطيّة أو تقديم الفئات المهمّشة بطريقة مسيئة لا تخدم قضاياها. ويظهر ذلك في التغطيات الإعلاميّة التي غالباً ما تقدّم الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم حالات بحاجة إلى التبرّع، بخاصّة في المناسبات والأعياد، أو كقصص نجاح تُقدَّم على قاعدة “على رغم إعاقته استطاع أن ينجح”.

هنا تكمن إحدى أبرز المشكلات التي تشير إليها شري: لماذا يُفترض أن يكون نجاح الشخص مرتبطاً بإعاقته؟ ولماذا لا يُنظر إليه ببساطة كإنسان قد ينجح أو يفشل، مثل سائر الناس؟

بالنسبة إلى شرّي، يجب أن ينطلق الخطاب الإعلاميّ من تكافؤ الفرص والعدالة والمساواة والحقوق، لا من الشفقة. لكن من يضبط هذا النوع من التغطية؟ وأين تبدأ مسؤوليّة الإعلامي وأين تنتهي؟ وهل تكفي القوانين، أم أنّ المسألة تحتاج إلى قواعد مهنيّة واضحة وآليّات للمساءلة؟ هنا ينتقل النقاش من الثقافة الإعلاميّة إلى الإطار القانونيّ.

مدوّنة السلوك والإطار القانونيّ

من جهته يضع النائب السابق الخبير في الشأن الإعلاميّ والتشريعيّ المحامي غسّان مخيبر مدوّنة السلوك الإعلاميّ في صلب هذه المعادلة، معتبراً أنّ الهيئة الوطنيّة للإعلام ستكون من الجهات المعنيّة بصياغة مدوّنة سلوك، بالتعاون مع المؤسّسات الإعلاميّة والخبراء.

يشير مخيبر في حديثه لـ”مناطق نت”، إلى أنّ “جزءاً من المبادئ التي يمكن أن تستند إليها هذه المدوّنة موجود أصلاً في القانون 220 المتعلّق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي مقدّمها عدم التمييز والمساواة”.

لكن الإشكاليّة لا تتوقّف عند وجود النصوص، بل عند المساحة الفاصلة بين حقّ الإعلام في نقل المعلومات، وحقّ الشخص في حماية خصوصيّته وصورته وكرامته. فمتى تتحوّل التغطية الإعلاميّة من ممارسة لحقّ نقل المعلومة إلى انتهاك لحقوق الإنسان؟

بين حقّ نقل المعلومة وكرامة الإنسان

وفق مخيبر “لا يحدّد التشريع جميع التفاصيل المرتبطة بالتغطية الإعلاميّة للأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيّما ما يتعلّق بالكرامة والصورة والخصوصيّة والتشهير والذمّ، ولذلك تصبح مدوّنات السلوك والأخلاقيّات المهنيّة جزءاً أساساً من تنظيم هذه العلاقة”.

يقدّم مخيبر مثالاً يتجاوز قضيّة الإعاقة نفسها، ويتعلّق بتصوير ضحايا الحوادث والانفجارات أو الأشخاص المتوفّين، حيث لا يكفي السؤال عمّا إذا كان القانون يمنع التصوير صراحةً، بل يجب أن يحضر أيضاً سؤال الكرامة الإنسانيّة وحرمة الموت والحقّ في الصورة.

ومن هنا، يرى مخيبر أنّ “مدوّنة السلوك لا ينبغي أن تكون مجرّد نصّ إضافيّ، بل جزء من منظومة متكاملة تحدّد المعايير المهنيّة، وتوضّح حدود المسؤوليّة، وتوفّر آليّات للتظلّم والمساءلة”. ولا يرى مخيبر أنّ “الحلّ يكمن في العقوبة وحدها: المؤسّسة الإعلاميّة نفسها تتحمّل مسؤوليّة أساسيّة، والمدير المسؤول فيها مؤتمن على تطبيق القواعد المهنيّة، بينما يُفترض أن تؤدّي كلّيّات الإعلام دوراً في نشر الثقافة الأخلاقيّة والمهنيّة، إلى جانب وجود لجان أخلاقيّات وهيئات للتظلّم، وصولاً إلى القضاء عندما تتحوّل المخالفة إلى فعل يجرّمه القانون، كالقدح والذمّ والتشهير”.

غسّان مخيبر: متى تتحوّل التغطية الإعلاميّة من ممارسة لحقّ نقل المعلومة إلى انتهاك لحقوق الإنسان؟

من الشفقة إلى الحقوق

في قضيّة الأشخاص ذوي الإعاقة تحديداً، المطلوب، وفق مخيبر، هو الانتقال من الحديث عنهم بوصفهم “أشخاصاً ذوي إعاقة” إلى منحهم مساحةً حقيقيّة للحديث عن أنفسهم وقدراتهم وإنجازاتهم، انطلاقاً من أنّ الحقوق ليست امتيازات يمنحها الإعلام، بل حقوق أقرّها القانون.

هنا، تعود الحرب إلى واجهة الاختبار. ففي التوسّع الأخير للحرب، لم يكن السؤال فقط عن حجم المعاناة التي طالت الأشخاص ذوي الإعاقة، بل عن كيفيّة تعامل الإعلام معهم: هل سُئلوا عن مراكز الإيواء المجهّزة؟ عن قدرتهم على الوصول إلى الخدمات؟ عن حقّهم في متابعة التعليم؟ عن تكافؤ الفرص؟ وعن دور الدولة والمؤسّسات المعنيّة في حمايتهم؟

تلك الأسئلة، بالنسبة إلى شرّي، أكثر أهمّيّة من اختزال القصّة بكلمة “حرام” أو تقديم الشخص بوصفه حالةً تستدعي الشفقة. فالمشكلة ليست في أن يكون الشخص من ذوي الإعاقة موضوعاً للتغطية، بل في كيف يُقدَّم، ولماذا، وبأيّ لغة، ومن أيّ زاوية؟

إعلام يتجاوز الشفقة إلى الوعي

بين ناصر بلّوط الذي يريد تغيير الأسئلة، وإيناس شرّي التي تطالب بتغيير الثقافة الإعلاميّة، وغسّان مخيبر الذي يضع المسألة في إطار الحقوق والقواعد المهنيّة، تبدو المعادلة واحدة: أن يتحوّل الأشخاص ذوو الإعاقة من مادّة للشفقة إلى أصحاب قضيّة، ومن “حال إنسانيّة” إلى مواطنين لهم حقوق، ومن قصّة تبحث عن “الترند” إلى حضور طبيعيّ في الإعلام والمجتمع.

فالاختبار الحقيقيّ للإعلام ليس في قدرته على الوصول إلى الناس فقط، بل في ما الذي يتركه في وعيهم بعد أن يصل إليهم.

أُنتج هذا التحقيق ضمن برنامج زمالة مشترك بين اتّحاد الصحافيّين والصحافيّات في لبنان وبرنامج “قريب”، بهدف دعم إصلاحات قانون الإعلام وتعزيز الوعي بها.

“قريب” هو برنامج إقليميّ تنفّذه الوكالة الفرنسيّة للتنمية الإعلاميّة CFI Médias)) بتمويل من الوكالة الفرنسيّة للتنمية AFD)).

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى