غريزة الهجرة في رواية “ظلال التيتانيك” لمحمّد الحجيري

على الرغم من المساحة السرديّة التي تحتلّها خبريّة غرق سفينة الـ “تيتانيك” في رواية محمّد الحجيري “ظلال التيتانيك/ حكاية متري” (دار نلسن، 2026)، فإنّ ثمّة ما يغوي متلقي هذا العمل، للقفز فوق هذا الحدث والتوقّف مليًّا عند ثيمة الهجرة، كما عالجها الحجيري في هذه الرواية، لنكون عندئذ إزاء تيتانك من نمط آخر، تيتانك بحجم وطن ترى الغالبيّة العظمى من أبنائه، محلّ رغبة للقفز من فوقه بسبب ما يعتوِر تاريخه وحاضره، وربّما مستقبله، من أمواج عاتية، لا تودي بهذا الوطن إلى الغرق، لكنّها أيضًا لا تبحر به إلى شاطئ الأمان.

لا تستجدي اللعبة السرديّة كما يمارسها محمّد الحجيري في روايته، الحدّ الأدنى من مآرب الخلاص، وكأنّنا بكلّ شخصيّة من شخصيّات هذه الرواية، حيال يقين أنّ الخلاص إنّما هو حدث صدفويّ، وإن تجلّى في الرواية موضوع هذه المادّة في الهروب، في الفرار وفي الهجرة إلى بلاد الله الواسعة، حيث ذلك الحيّز الهائل الذي ستحتلّه غابات الذاكرة في التالي من السرد.

فأن ينبش هذا المهاجر أو ذاك ذاكرته لسبب رئيس هو “أن يؤجّل موته”، كما جاء في الرواية، فإنّ الهجرة عندئذ هي واحة مترامية الأطراف من بثّ الحنين، واحة تتأسّس على مصارعة الذات مع ذاتها، وبشكل أساس هي واحة يُصار عبرها إلى استجداء الماضي، ماضي بلدة كفرمشكي (راشيّا- البقاع)، وشارع الحمرا، والـ “هُورس شو”، وغيرها من مطارح الألفة بغية البقاء على قيد الحياة.

كفرمشكي رمز لكل لبنان

ليست كفرمشكي كما بثّها الحجيري في هذا العمل مجرّد قرية لبنانيّة تزخر بكثير من أسباب الهجرة والرحيل، إنّما هي – كما ساقها سرد المؤلّف – بمثابة رمز لكلّ لبنان، لبنان الانتداب الفرنسيّ، وقبله لبنان السلطنة العثمانيّة، ثمّ لبنان الاستقلال، وحرب “الـ 58 ” ثمّ لبنان منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وفتح لاند، وصولًا إلى لبنان حرب الـ 75 وزعماء الطوائف، والأحزاب، والخطف على الهويّة كما شاهدنا في أحد فصول الكتاب.

إنّ أكثر ما تشي به رواية محمّد الحجيري هو أنّ لبنان – كما صيغ عبر شخوص الرواية– هو من بين أشياء أخرى، تأملًا في صعوبة الإجابة على السؤال الآتي: “ما الوطن؟”. يجهد متري، الشخصيّة الأساسيّة في هذا العمل، من أجل أن يلقى الجواب، إنّما الجواب كلّ مرّة كان أقرب إلى كتلة من الضباب، حيث “النجاة (من الموت) هو جزء من الهويّة” – كما يرى متري إلى الأمر- وهو ما يضاد الحدّ الأدنى من فكرة الوطن بالأصل، باعتباره ذلك الحيّز الذي ينعم المرء فيه بالثبات والأمان والاستقرار.

الهجرة غريزة للبقاء

إنّ غرق سفينة التيتانيك والذي واكب مجمل السرد في هذه الرواية، هو في بعده الأعمق استعارة حيّة لوطن هو بدوره أشبه بسفينة تؤسّس أكثر ما تؤسّس كلّ ضروب الفرار من أجل النجاة، وليست الذاكرة في هذا المنحى إلّا عبارة عن مأزق، مأزق المكوث في بلاد الغربة من جهة، ومأزق الحنين واللهفة والدموع السرّيّة وسماع فيروز (كما هي حال متري) من جهة أخرى.

ليست كفرمشكي كما بثّها الحجيري في هذا العمل مجرّد قرية لبنانيّة تزخر بكثير من أسباب الهجرة والرحيل، إنّما هي – كما ساقها سرد المؤلّف – بمثابة رمز لكلّ لبنان

أن تتحوّل الهجرة إلى غريزة للبقاء – كما نقرأ في هذا الكتاب– فإنّ الذاكرة عندئذ تراها ترهق الرواة، تراها تجعلهم يستنجدون النسيان ولكن، كما جاء على لسان واحد من رواة الحجيري، “كلّ محاولة نسيان تجلب التذكّر” بشكل أقوى مرّات ومرّات فإذا بإنسان الهجرة هو على الدوم أسير شجرات ضيعته، أو شوارع مدينته من جهة، وأسير يبوسة الغربة و”ضيق” شوارعها من جهة أخرى.

صور غائبة

يخبرنا الفرنسيّ غاستون باشلار في “شاعريّة أحلام اليقظة”، عن تلك الصور الغائبة والتي تراها تحتلّ يوميّاتنا في التالي من السنين. تتحوّل تلك الصور في كتاب الحجيري عن أن تكون محض صور من الذاكرة، لتصير محلّ كثافة وثقل أكثر حضورًا من الواقع المعاش.

إنّه حال مهاجري رواية “ظلال التيتانيك” حيث السعي الذي لا يتعب بغية “ابتكار مراكز اشتياق ومحطّة حنين”. ليست الذكريات بحسب صياغة الحجيري لها شبيهة مثلًا بـ “البخّور المحجوز في الماضي” – إذا أردنا أن نستعير مجدّدًا باشلار– إنّما هي عبق طازج على الدّوم لا تحدّ روائحه طول وعرض المسافات ولا هيجان البحّار والمحيطات.

ومع هذا ثمّة على الدوم “عفاريت الحرب” التي ترهق بذكرياتها المشوبة بالدم، كلّ إمكان صاف للحنين، وهو حال متري بالتمام. فبين الفجيعة الشخصيّة المتمثّلة بخيانة زوجته له وفجيعة كونه مواطن من بلد لا محلّ فيه للاستقرار، ترى متري كما رسمه الحجيري أقرب إلى تلك الحقيقة غير المتبلورة بشكل نهائيّ، وهو ما لمسه متري بالذات لمس اليدّ عقب هجرته إلى كندا، حيث الاحتمالات المفتوحة، وحيث جدران الماضي الشديدة الصلابة والقسوة، ولكن أيضًا الشديدة الرقّة والفتور واللمعان.

حيويّة فائقة

فضلًا عن كثرة الأحداث التي تتقافز كالضفادع (وهو مجاز بديع ركّبه الحجيري في روايته)، فإنّ الرواية من حيث التركيب والشكل تتميّز بحيويّة فائقة بسبب ذلك التداخل الدائم بين الماضي والحاضر، بين المتوقّع والمستحيل وبين المرتجى وعاقبة السوء. إنّ الزمن في لعبة الحجيري السرديّة ساهم في هذه الحيويّة بالقصّ، وذلك فضلًا عن تلك العبارات الشديدة العامّيّة، والتي دفعتْ هذا السرد الحيويّ في بعض المقاطع لأن يسابق فعل القراءة، حيث التمهّل في القراءة يصير أقرب إلى المستحيل.

أمّا ذلك التشابك الذي يميّز قصص ناس “ظلال التيتانيك” ثمّ تداخل أقدار هؤلاء الناس وتعدّد رواياتهم بل وتسابقهم في فضّ رسائل القصص والحكايا والروايات منذ البدايات الأولى للرواية، كلّها عوامل عزّزتْ تلك الحيويّة السرديّة وأفضتْ إلى كثير من المتعة في البناء السرديّ العام وفي البال في هذا الصدد تحديدًا ذلك التوجّه في النقد الأدبي القديم والحديث والذي يرى أنّ ازدياد عدد الرواة يزيد من متعة القصّ. فنحن في هذه الرواية لسنا إزاء راو واحد إنّما أمام جملة من الرواة، ولكلّ منهم حكايته الخاصّة والتي تداخل حكاية متري تارة باختصار وتارة بإسهاب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى