واقع إنسانيّ يزداد قسوة بمخيّمات الفلسطينيّين جنوب لبنان

على رغم إعلان وقف إطلاق النار، وبدء العودة الخجولة لأبناء البلدات والقرى، فإنّ تداعيات الحرب على مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين في جنوب لبنان كانت قاسية وثقيلة من النواحي الأمنيّة والإنسانيّة والاقتصاديّة. وبينما شهد الجنوب نزوحًا شبه شامل جرّاء العدوان، بقي أبناء المخيّمات صامدين في أماكن سكنهم، رافضين الرحيل على رغم الظروف القاسية والمخاطر اليوميّة التي أحاطت بهم طوال فترة التصعيد.

في ظلّ الظروف الإنسانيّة الصعبة والمعيشة الكارثيّة التي عاشها ولا يزال يعيشها سكّان مخيّمات الجنوب، نتيجة الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان وما يرافقها من استهداف لمحيط المخيّمات، تعطلت مصادر الرزق وفُقدت مقوّمات الحياة الأساسيّة. إذ توقّفت أشغال مئات العمّال، ومعهم باتت آلاف العائلات الفلسطينيّة عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها من غذاء ودواء ومتطلبات حياتيّة يوميّة.

وأمام هذا الواقع المأسويّ، اضطرّ عمال كثر إلى المخاطرة بحياتهم سعيًا وراء لقمة العيش، في ظلّ غياب المساعدات الكافية وعدم توافر الدعم اللازم من الجهة التي تُعدّ الشاهد الأبرز على نكبة الشعب الفلسطينيّ وحقّ عودته، ألا وهي وكالة الأونروا. إلّا أنّ بعض هؤلاء العمّال دفعوا حيواتهم ثمنًا لهذا السعي، بعدما طالتهم غارات إسرائيليّة في أثناء محاولتهم تأمين دخل بسيط لعيالهم، ليصبحوا ضحايا لقمة العيش.

ضغوط نفسيّة وحال خوف

لم تقتصر معاناة أهالي المخيّمات على الجانب المعيشيّ وحسب، بل عاشوا أيضًا تحت ضغوط نفسيّة هائلة وحال من الخوف الدائم نتيجة القصف والتهديدات المستمرّة. وبين محاولات الصمود والتشبّث  في البقاء، سعى السكّان إلى حماية أرواحهم من القذائف التي كانت تنطلق في أيّ لحظة من مسيّرة إسرائيليّة، مارست مع الناس لعبة “القط ّوالفأر”، وحصدت أرواح أبرياء ومدنيين دون تمييز.

فتارة استهدفت مركبة على طريق عام مكتظ بالسيّارات، وتارة أخرى درّاجة ناريّة، دون أن يكون هناك أيّ اعتبار لهويّة الضحيّة أو جنسيّته؛ رجلًا كان أم امرأة، لبنانيًّا أم فلسطينيًّا أو سوريًّا. فالهدف بالنسبة إلى الاحتلال يبقى واحدًا: حصد مزيد من الأرواح بأشكال مختلفة.

تحمل المخيّمات الفلسطينيّة لدى سكّانها قيمة تتجاوز حدود المكان، فهي رموز من رمزيّة الوطن الفلسطينيّ، وشواهد حيّة على حقّ العودة. كذلك فإنها الأقرب جغرافيًّا إلى فلسطين، إذ يبعد مخيّم الرشيديّة، آخر المخيّمات الفلسطينيّة في جنوب لبنان، نحو 14 كيلومترًا عن الحدود الفلسطينيّة المحتلّة.

الدمار الذي خلّفته إحدى الغارات الاسرائيلية على مخيم الرشيديّة
غارات وضحايا

تعرّض مخيّم الرشيدية لأربع غارات إسرائيليّة منذ أواخر العام 2024 وحتّى التصعيد الأخير في أيّار (مايو) الماضي، ما أدّى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى بين سكانه. ويُعد مخيّم الرشيديّة من أكبر مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين في جنوب لبنان، إذ يقطنه أكثر من 27,500 لاجئ فلسطينيّ مسجّل لدى وكالة الأونروا، فيما تشير تقديرات غير رسميّة إلى أنّ العدد الفعليّ للسكّان يتجاوز 36 ألف نسمة. كذلك استقبل المخيّم خلال فترات التصعيد العسكريّ أعدادًا من اللبنانيّين النازحين من القرى المجاورة، ما زاد من الأعباء الإنسانيّة والمعيشيّة على سكّانه الدائمين.

تروي ابنة الرشيديّة فاطمة النبهان، وهي لبنانية لأمّ فلسطينيّة، جانبًا من المعاناة اليوميّة التي فرضتها الحرب على العائلات في الجنوب، إذ قالت إنّها تلازم المنزل منذ ثلاثة أشهر بعد توقّفها عن العمل، على رغم أنّها المعيلة الأساس لأسرتها. تتابع لـ”مناطق نت” أنّ “الحرب لم تقتصر آثارها على الخسائر المادّيّة وحسب، بل امتدّت لتطال الاستقرار النفسيّ والمعيشيّ للسكّان”.

تشير فاطمة إلى “صعوبة الحصول على الرعاية الصحّيّة والأدوية بسبب انقطاع بعضها وارتفاع أسعار أخرى، ما زاد الأعباء على العائلات التي فقدت مصادر دخلها وحُرمت من تأمين احتياجاتها الأساسيّة”.

شعور بإحباط وملل

تؤكّد النبهان أنّ “الحرب فرضت حالًا دائمة من القلق والخوف على العائلات، سواء على أفراد الأسرة أو المحيطين بها، فيما أدّى التوقّف القسريّ عن العمل إلى شعور بالإحباط والملل وفقدان الإحساس بالاستقرار”.

وتضيف أنّ “الحرب غيّرت نمط الحياة بالكامل، فبعد أن كانت أولويّاتنا مرتبطة بالطموحات والأهداف المستقبليّة، أضحى همّنا الأساس اليوم تأمين الاحتياجات الرئيسة والقدرة على تجاوز كلّ يوم بسلام في ظلّ ظروف صعبة ما زلنا نعيشها”.

توقّف مصادر الرزق

من ناحيته يقول محمود القطّ إنّ الحرب أثّرت بشكل مباشر في مصدر رزقه، إذ توقّف عن العمل في قطاف الليمون منذ أربعة أشهر بسبب الأوضاع الأمنيّة، ما أدّى إلى خسارة أكثر من 90 في المئة من دخله. يتابع لـ”مناطق نت”: “لم أحصل على مستحقّاتي من صاحب العمل، كذلك لم أتلقَّ أيّ مساعدات من الأونروا أو المؤسّسات والجمعيّات المهتمّة، على رغم تدهور الأوضاع المعيشيّة”.

يطالب محمود الأونروا بالالتفات إلى أوضاع العائلات التي بقيت في المخيّمات ولم تتمكّن من النزوح “لعدم امتلاكها أمكنة بديلة أو قدرات ماليّة على الانتقال”. ويؤكّد تمسكه بالبقاء في منزله على رغم المخاطر وغياب الدعم “أموت في بيتي أحسن لي”.

حرمان ومعاناة

من جهته، يقول أمين سر اللجنة الداخليّة في مخيّم الرشيديّة وعضو اللجنة الشعبيّة أحمد أبو الدهب إنّ مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين كانت على الدوام “خزّان عطاء للثورة الفلسطينيّة”، لكنّها في الوقت نفسه “تعيش حالًا مستمرّة من الحرمان والمعاناة”.

وتابع  أبو الدهب لـ”مناطق نت” أنّ “الحرب تركت آثارًا كبيرة على اللاجئين الفلسطينيّين، ولا سيّما في مخيّمات منطقة صور، حيث يعتمد معظم السكّان على العمل في الزراعة وورش البناء والأعمال اليوميّة في البساتين والأراضي الزراعيّة”. ويردف “إنّ التصعيد العسكريّ والاستهدافات المتواصلة التي طالت البشر والحجر أدّت إلى شلل شبه كامل في النشاط العمليّ والعمّاليّ، ما أجبر كثيرًا من الأهالي على البقاء في منازلهم خوفًا على حياتهم”.

وانتقد أبو الدهب “أداء وكالة أونروا”، معتبرًا أنّها “لم تتحمّل مسؤوليّاتها تجاه اللاجئين في مناطق صور المتضرّرة جرّاء الحرب، ولم تبادر إلى تقديم مساعدات إغاثيّة عاجلة مطلوبة، على رغم وجود برامج طوارئ مخصّصة لمثل هذه الظروف”، مشيرًا إلى “تفاقم معاناة المرضى بسبب نقص الأدوية، وبخاصّة أدوية الأمراض المزمنة”.

وأكّد أنّ “الأونروا تتحمّل مسؤوليّة أساسيّة تجاه اللاجئين الفلسطينيّين على المستويات الإغاثيّة والاجتماعيّة، وهي مطالبة برفع صوتهم أمام المجتمع الدوليّ والمؤسّسات الإنسانيّة من أجل تأمين الدعم اللازم لهم”.

تنسيق جهود الإغاثة

وأشار إلى أنّ “اللجنة الشعبيّة عملت على تنسيق جهود الإغاثة بين المؤسّسات المختلفة، إلّا أنّ حجم المساعدات المقدّمة بقي محدودًا جدًّا مقارنة بحجم الأزمة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيّون”.

وفي ظلّ الخوف الدائم من الموت ومحاولة التمسّك بالحياة، اضطرّ عدد من سكّان المخيّمات إلى النزوح لدى أقاربهم في مناطق أخرى، ولا سيّما في مخيّمات الشمال، وهربًا من المعاناة اليوميّة. في المقابل، بقي آخرون يواجهون أزماتهم بمفردهم، دون مساندة فعليّة أو دعم كافٍ من وكالة الأونروا أو من المؤسّسات الأهليّة والهيئات الشعبيّة واللجان المحلّيّة وغيرها من الجهات الرسميّة والدوليّة.

ويعاني سكّان المخيّمات من تقصير كبير في عديد من القطاعات الأساسيّة، وفي مقدّمتها الطبابة والغذاء والأمان. ومع استمرار هذا الواقع المأسويّ، يبرز سؤال مُلحّ: هل ستبقى لقمة العيش طريقًا إلى الموت؟ أم إنّ الجهات المعنيّة ستتحرّك لخفض حجم الكارثة الإنسانيّة والحفاظ على كرامة الشعب الفلسطينيّ في مخيّمات لبنان؟

مشهد عام لمخيم الرشيدية للاجئين الفلسطينيين جنوب صور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى