مفاضلة الصمود أم النزوح الآمن زمن الحرب؟.. عبّا نموذجًا

تحوّل خيار الصمود في المكان أو النزوح المتكرّر إلى أحد أقسى التداعيات التي يواجهها اللبنانيّون في ظلّ الحرب المستمرّة منذ ثلاث سنوات (2023 – 2026). فالأزمة الحقيقيّة لم تعد تقتصر على قرار البقاء أو النزوح الأوّل، بل في استنزاف التكرار. ولأنّ هذه الحال تمثّل حدثًا تاريخيًّا – اجتماعيًّا مفصليًّا، يقدّم علم النفس الاجتماعيّ- كعلم مساعد لعلم التاريخ- تفسيرًا عميقًا للظاهرة؛ إذ يثبت أنّ البقاء أو النزوح لا يخضع لـ”الحظ”، بل لآليّات نفسيّة وسلوكيّة معقّدة تتشكّل لدى الفرد في مواجهة التهديد الوجوديّ.
في ظلّ هذا العدوان المستمرّ، أتاح لي التواصل المباشر مع أبناء بلدتي عبّا (النبطيّة) رصد وتحليل إجاباتهم وفق منهجيّة علم النفس الاجتماعيّ. وسلّطت هذه الشهادات الضوء على الدوافع العميقة التي وجّهت خيارات “العبّاويّين” بين التمسّك بالأرض على رغم المخاطر، أو النزوح بحثًا عن أمان. وبناء على توثيق هذه القصص وتحليل بيئة الحرب، خلصت إلى أنّ القرار لم يكن أمنيًّا بحتًا، بل نتاج شبكة معقّدة من الحسابات الاقتصاديّة، والروابط الاجتماعيّة، وآليّات “التكيّف النفسيّ” المتداخلة مع “الهويّة الجماعيّة”، لتتجاوز هذه القرارات مجرّد ردود الفعل الغريزيّة الناتجة عن الخوف.

أولًا: سيكولوجيّة البقاء

تفكيك آليّات الصمود والدفاع النفسيّ في بلدة “عبّا”.
يكشف التحليل المعمّق لخيارات أهالي بلدة “عبّا” ممّن آثروا الصمود، أنّ قرار البقاء لم يكن مجرّد عناد جغرافيّ، بل استند إلى منظومة معقّدة من الاستراتيجيّات النفسيّة والدفاعات الإدراكيّة التي عملت كدرع لحماية الجهاز العصبيّ من الانهيار تحت وطأة التهديد الوجوديّ المستمرّ. ويمكن تفكيك هذه الظاهرة عبر المحاور الآتية :

آليّات التكيّف وتطبيع الخطر

عند التعرّض لخطر مستدام، يعيد الدماغ البشريّ تنظيم آلّية استجابته للمثيرات الصادمة لحماية التوازن النفسيّ. ففي بداية الحرب، كان دويّ الانفجارات يثير “استجابة الكرّ أو الفرّ” كحالة طوارئ بيولوجيّة قصوى. ومع امتداد الأسابيع، حدث نوع من “التعوّد الحسّيّ”، إذ تراجع الهلع الفوريّ وتحوّل صوت القصف من مهدّد مرعب إلى مجرّد “خلفيّة صوتيّة” معتادة للحياة اليوميّة. ترافق ذلك مع تمدّد “خطّ الأساس النفسيّ”، حيث أعاد العبّاويّون تعريف مفهوم “اليوم الجيّد”؛ فأصبح اليوم الذي لا تسقط فيه قذيفة في المحيط المباشر يومًا ممتازًا ومستقرًّا، وهو ما يعكس مرونة عالية في إعادة بناء التوقعات.

الانحياز للتفاؤل كوسيلة حماية

نشأ لدى الصامدين ما يُعرف في علم النفس المعرفيّ بـ”وهم النجاة” أو “الانحياز للتفاؤل”. هذا الانحياز دفع الأفراد للاعتقاد بأنّ القذائف قد تصيب الآخرين، لكنّهم وعائلاتهم سينجون حتمًا. وعلى رغم كونه خطأ إدراكيًّا من الناحية المنطقيّة، إلّا أنّه يمثّل آليّة دفاعيّة حيويّة حمت العبّاويّين من الشلل النفسيّ، ومنحتهم الدافع اليوميّ للاستمرار في ممارسة تفاصيل حياتهم دون السقوط في فخّ العجز المكتسب.

التجذّر بالهويّة والمفاضلة النفسيّة للمكان

ارتبط خيار البقاء بمفهوم “الارتباط بالمكان” واعتُبرت مغادرة البلدة بمثابة تعرية للهويّة والتاريخ الشخصيّ، ليتحوّل الصمود إلى شكل من أشكال “المقاومة السيكولوجيّة غير العنيفة”. ومن جهة أخرى، ولّد الخوف من المجهول مقارنة نفسيّة ومفاضلة واعية بين “خطر الموت في الوطن” بكرامة، وبين “ذلّ النزوح وفقدان المكانة الاجتماعيّة” في بيئات اللجوء. لقد رجّحت كفّة البقاء لأنّ البيئة المألوفة- وإن كانت خطرة- توفّر للفرد شعورًا (ولو كان وهميًّا) بالأمان والتحكّم، مقارنة ببيئة اللجوء المجهولة التي تسلب الإنسان سيادته ورمزيّته الاجتماعيّة.

الإدارة الوجوديّة والدعم الإيمانيّ

لعبت المنظومة العقائديّة دورًا محوريًّا كعامل مساعد لإدارة القلق الوجوديّ. فقد لجأ كثيرون إلى استراتيجيّات التكيّف المستندة إلى الإيمان بالقدر والقدريّة، ممّا رسّخ لديهم قناعة بأنّ عمر الإنسان محدّد مسبقًا، وبالتالي فلا معنى للهروب. تعزّز هذا البعد الوجوديّ بوازع أخلاقيّ ومعنويّ يرى في البقاء واجبًا تجاه الأرض، وتجاه الجيران، وتكريمًا لشهداء البلدة. هذا التلاحم في مواجهة الصدمة المشتركة خلق روابط فائقة القوّة تُعرف بـ”التضامن في الكوارث”، حيث تولّدت مسؤوليّة جمعيّة تتجاوز الفرديّة لتأمين حماية المجتمع ومشاركة الموارد الضئيلة.

مشهد عام لبلدة عبّا
النمذجة السلوكيّة والضغط الاجتماعيّ الإيجابيّ

شكّلت رؤية الجيران والأقارب وهم صامدون نوعًا من “النمذجة الاجتماعيّة” التي منحت الفرد العبّاويّ شجاعة سلوكيّة مستمدّة من المجموع. في المقابل، تفعّل نوع من الضغط الاجتماعيّ الضمنيّ، حيث خشي البعض من “وصمة العار” أو الشعور بالذنب وجلد الذات إذا ما غادروا وتركوا مجتمعهم وراءهم، ممّا جعل البقاء خيارًا تضامنيًّا يحمي السمعة الاجتماعيّة والنفسيّة للفرد.

الحفاظ على الموارد

وفقا لهذه النظريّة، يستميت الإنسان في حماية “رأس ماله” المادّيّ والرمزيّ المتمثّل في منزله، عمله، ومدّخراته داخل البلدة. فالمغادرة تعني تصفير العدّاد والوقوع في الفقر المدقع والتبعيّة الاقتصاديّة. من هنا، رأى الصامد أنّ البقاء هو الوسيلة الوحيدة لحماية أصوله ومستقبله الاقتصاديّ، وهو رهان وجوديّ مستعدّ للمخاطرة بحياته من أجل الحفاظ عليه.

استراتيجيّات السيطرة الثانويّة

وسط فوضى الحرب العارمة وفقدان السيطرة على العوامل الخارجيّة (كالاستهداف والقصف)، لجأ العبّاويّ إلى “السيطرة الثانويّة” عبر التحكّم في ردود أفعاله وبيئته الداخليّة الصغرى. تجسّد ذلك في التمسّك الصارم بالأنشطة الروتينيّة اليوميّة: كالاهتمام بالتفاصيل المنزليّة الصغيرة. هذه السلوكيّات الروتينيّة ليست عبثيّة، بل هي أدوات نفسيّة واعية لإعادة خلق شعور بالنظام والتحكّم الفرديّ وسط مناخ عامّ تحكمه الفوضى المطلقة.

ثانيًا: سيكولوجيّة النزوح

تفكيك آليات الفرار وحسابات النجاة الرعائيّة
في المقابل، يقدّم علم النفس الاجتماعيّ تحليلًا مغايرًا وعميقًا لقرار النزوح والهروب من بيئة الحرب؛ إذ يثبت أنّ النزوح ليس مجرّد فعل فيزيائيّ للانتقال الجغرافيّ، بل هو “استراتيجيّة صمود نشطة” وقرار سلوكيّ معقّد. يرتكز هذا الخيار على تقييم عقلانيّ حادّ للمخاطر، وتفعيل واع لغريزة حماية الذات والآخرين في مواجهة الفناء. ويمكن تفكيك العوامل النفسيّة والاجتماعيّة لهذه الظاهرة وفق المحاور الآتية:

يندفع الآباء والأمّهات أو المعيلون نحو النزوح مدفوعين بغريزة حماية الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال وكبار السنّ.

غريزة البقاء ونظام التهديد العصبي

تُفعّل استجابة “الفرار” كآليّة دفاعيّة حتميّة عندما تتجاوز المثيرات الصادمة- كالاستهداف المباشر وتدمير المحيط العمرانيّ لبلدة عبّا- قدرة الجهاز العصبيّ على التحمّل. في هذه اللحظة، تترجم الإشارات الدماغيّة الخطر كتهديد فوريّ للموت، ويتحوّل الفرار إلى سلوك بيولوجيّ أكثر عقلانيّة لحفظ الحياة. ومع استمرار العيش تحت وطأة الخطر الممتدّ، يستهلك “الإنهاك المعرفيّ” طاقة الدماغ الاحتياطيّة. وحين تصل الذات إلى مرحلة “الإنهاك النفسيّ التام” وتكفّ آليّات التكيّف عن استيعاب الصدمات، يصبح الخروج هو الوسيلة الحمائيّة الوحيدة لمنع الانهيار العقليّ الكامل.

نظريّة التقييم المعرفيّ للمخاطر

يتشكّل قرار النزوح عبر مرحلتين من المحاكمة العقليّة المعقّدة؛ في “التقييم الأوّليّ” يدرك الفرد بدقّة أنّ حجم التهديد الوجوديّ في البلدة فاق بكثير أيّ مكاسب رمزيّة أو مادّيّة يمكن جنيها من البقاء (مثل حماية المنزل أو الأصول). أمّا في “التقييم الثانويّ” فيراجع النازح قدراته الذاتيّة وموارده المتبادلة لمواجهة هذا الخطر. وعندما يخلص إلى أن وسائله الدفاعيّة المتاحة- كالتحصّن أو الصبر النفسيّ- لم تعد تجدي نفعًا أمام الآلة المدمّرة، يتّخذ قرار المغادرة كآليّة واعية لاستعادة السيطرة على مصيره الشخصيّ ومصير عائلته.

المسؤوليّة الاجتماعيّة والحماية الرعائيّة

لم يكن دافع النزوح لدى شريحة واسعة من “العبّاويّين” نابعًا من الخوف الذاتيّ، بل من “المسؤوليّة الأخلاقيّة والرعائيّة” تجاه التابعين. يندفع الآباء والأمّهات أو المعيلون نحو النزوح مدفوعين بغريزة حماية الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال وكبار السنّ. وبذلك، يتجرّد الهروب هنا من سمة الضعف ليصبح عملًا بطوليًّا وتضحية واعية بالاستقرار والممتلكات الشخصيّة، في سبيل توفير الأمان لمن يعتمدون عليهم في بقائهم.

نظرية كسر دائرة الصدمة للأطفال

يتداخل قرار النزوح مع إدراك أبويّ حادّ لـ”الصحّة النفسيّة المستقبليّة”؛ إذ يدرك الأهالي أنّ إبقاء الأطفال في بيئة الحرب يسبّب أضرارًا نفسيّة جسيمة ممتدّة، في مقدّمها اضطراب ما بعد الصدمة. من هنا، يُنظر إلى النزوح كأداة وقائيّة لإنقاذ الصحّة العقليّة والمستقبل النفسيّ للجيل القادم، وعزله عن المثيرات البصريّة والسمعيّة التي تعيد هيكلة دماغه على الخوف التراكميّ.

نظريّة الحفاظ على الموارد وتجنّب الخسارة الكارثيّة

في مقابل صمود رأس المال المادّيّ، يمارس النازح قلبًا جذريًّا للأولويّات الإدراكيّة لتعريف “المورد الأثمن”. فوفقًا لهذه المقاربة، تصبح “الحياة، السلامة الجسديّة، والتماسك العائليّ” هي رأس المال البشريّ الأوحد الذي يستحيل تعويضه، في حين تُصنّف المنازل والمدّخرات العينيّة كموارد ثانويّة قابلة للتعمير والتعويض لاحقًا. يترافق هذا التحوّل مع دافع واع لتجنّب “الاستنزاف الكامل” للقدرات؛ إذ يختار الفرد النزوح كخطوة استباقيّة قبل أن تتلاشى طاقته الاقتصاديّة والنفسيّة بالكامل، مفضّلًا استثمار ما تبقّى من هذه الموارد الشحيحة في تأسيس حياة موقّتة، بدلًا من المغامرة بهدرها كاملة داخل الجغرافيا المحاصرة.

التفكّك الشبكيّ والمحاكاة السلوكيّة الجماعيّة

يتأثّر قرار النزوح بشكل حاسم بما يُعرف في علم النفس الاجتماعيّ بـ”العدوى السلوكيّة الإيجابيّة” وضغط النمذجة الجماعيّة. فعندما تبدأ العائلات المحيطة، أو النخب المحلّيّة في البلدة بالمغادرة، يتولّد إدراك جمعيّ متتابع بأنّ “البقاء تجاوز حدود الجدوى والممكن”. ويتسارع هذا القرار مع التفكّك التدريجيّ لشبكة الدعم البنيويّ والاجتماعيّ- كخروج الأطبّاء، إغلاق المؤسّسات الحيويّة، ونزوح الجيران- ليجد الفرد نفسه في حال “عزلة وجوديّة” داخل بيئة أفرغت من مقوّمات الحياة والروابط اليوميّة، ممّا يعجّل بقرار اللحاق في المجموع النازح بحثًا عن “أمان جماعيّ” في فضاء جديد.

إعادة الهيكلة المعرفية للمقاومة

يمارس” العبّاوي” آليّة نفسيّة متقدّمة لإعادة تعريف مفاهيم الصمود؛ حيث يجرّد النزوح من دلالات “الاستسلام أو الهروب”، ليعيد تأطيره كخيار نابع من “الصمود من أجل الاستمرار”. في هذه الحال، يصبح اختيار “البقاء حيًّا” وسيلة واعية لرفض التحوّل إلى ضحيّة سلبيّة في مشهد الحرب، بل خطوة شجاعة- على رغم مرارتها وقسوتها السيكولوجيّة- لحفظ الوجود الإنسانيّ، وضمان القدرة على مواصلة الحياة وتحقيق الأهداف المستقبليّة في بيئة بديلة.

جدليّة الصمود والفرار

من المنظور العلميّ لعلم النفس الاجتماعيّ واستراتيجيّات إدارة الكوارث، لا تقدّم المفاضلة بين الصمود والنزوح إجابة مطلقة تصنّف إحدى الحالتين بأنّها “الأفضل” بشكل مجرّد؛ فكلا القرارين يمثّلان آليّتين مشروعتين وصورتين مختلفتين من صور “الصمود البشريّ” في مواجهة الفناء. وتتحدّد الكفاءة النفسيّة والوجوديّة لكلّ قرار بناءً على التوازنات الآتية:

ملاءمة الاستراتيجيّة للواقع

تتوقّف أفضليّة قرار البقاء في المكان على مدى انسجام الاستراتيجيّة السلوكيّة مع الواقع الميدانيّ المعيش. ويتمّ ذلك عبر “حسابات جدوى” مستمرّة توازن بدقّة بين حجم المكاسب الرمزيّة والمادّيّة المحقّقة، وحجم الخسائر النفسيّة والوجوديّة المترتّبة على الصمود تحت وطأة الخطر.

البقاء المرن واستدامة رأس المال

في حالة النزوح، يتجلّى ما يُعرف بـ”البقاء المرن”، والذي يضمن حماية “رأس المال البشريّ” الأثمن والمتمثّل في الحياة والجسد وحماية الجيل القادم. تمنح هذه المرونة الجغرافيّة الجهاز العصبيّ فرصة حيويّة للخروج من وضعيّة الطوارئ والإنهاك الإدراكيّ الحادّ، للانتقال إلى بيئة مستقرّة تتيح للعقل البشريّ استعادة التوازن والبدء في التخطيط العقلانيّ للمستقبل.

هرميّة الأولويّات البيولوجيّة

بعيدا من الاعتبارات والشخصنة، يظلّ “النزوح” هو الخيار العلميّ الأفضل والأكثر موضوعيّة عندما يصبح التهديد حتميًّا، مدمّرًا، وغير قابل للتنبّؤ (مثل القصف العشوائيّ الشامل). في هذه اللحظة الوجوديّة الحرجة، تتجاوز غريزة حفظ الحياة الفيزيائيّة وتستعلي علميًّا على أيّ حاجة نفسيّة أو اجتماعيّة أو رمزيّة أخرى؛ إذ لا يمكن الحديث عن الهويّة أو المكانة ما لم تكن الحياة نفسها مضمونة أوّلًّا.
في النهاية، تكشف تجربة بلدة “عبّا” في زمن الحرب أنّ الصامدين والنازحين- على حدّ سواء- ليسوا مجرّد ضحايا سلبيين في نشرات الأخبار، بل هم فاعلون سيكولوجيّون يمارسون أعلى درجات الذكاء التكيّفيّ المقاوم؛ إذ يدافع الأوّل عن رمزيّة الأرض والكرامة، بينما يحمي الثاني ديمومة الإنسان وصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى