أمنية مكّي: لست حكواتيّة إنّما “خيّاطة القصص”

لم تولد أمنية مكّي بهذا الاسم، لكنّها اختارته كي يعكس شخصيّتها ومسيرتها. بين صيدا مسقط رأسها، وحبّوش (النبطيّة) موطن والدتها، وبلاط (مرجعيون) بلدة زوجها وأولادها، وبيروت العاصمة التي نسجت معها علاقة خاصّة، تشكّلت هويّتها الثقافيّة.
على رغم أنّ كثيرين يُطلقون عليها لقب «الحكواتيّة»، إلّا أنّها ترفض هذا الوصف، وتصرّ على تعريف نفسها بـ«خيّاطة القصص». فالحكاية بالنسبة إليها ليست مجرّد وسيلة للترفيه، بل مشروع لإحياء الذاكرة الجماعيّة وربط الإنسان بأرضه وتاريخه.
تروي مكّي أنّها عندما بدأت البحث عن اسم يختصر تجربتها، درست تاريخ الحكواتيّ في بلاد الشام، واكتشفت تنوّع تجاربه بين من يروي القصص الشعبيّة، ومن يُقدّم عروض «مسرح الشارع»، ومن ينقل الأخبار كما كان يفعل الحكواتيّ قديمًا في العهد العثمانيّ. وتقول إنّها أدركت أنّ هذا الدور لا يشبه ما تسعى إليه.
تتابع مكّي لـ«مناطق نت»: «أنا لا أحكي القصص للتسلية، ولا أنقل أخبارًا يوميّة. ما أقوم به هو جمع خيوط التاريخ والمكان والأسطورة والعادات والأطعمة والذاكرة الشعبيّة، ثم أنسج منها قصّة واحدة، كما يحوك الحيّاك قطعة قماش ليصنع منها ثوبًا. لذلك قلت لنفسي: أنا لست حكواتيّة، بل خيّاطة قصص».
البداية مع «بوكاهانتس»
تعود بداية علاقتها بالحكاية إلى العام 2008، عندما اكتشفت مكتبة أطفال مُغلقة في بلديّة صيدا. ولأنّ البلديّة لم تكن قادرة على توظيف مُشرف على المكتبة، عرضت التطوّع كي تروي القصص للأطفال أسبوعيًّا.
استعانت برسّام صمّم لها كتابًا كبيرًا يشبه كتب «ألف ليلة وليلة». كذلك أعدّت أزياء خاصّة بالشخصيّات التي تقدّمها. وكانت «بوكاهانتس» هي أوّل قصّة ترويها للأطفال، التي رأت فيها نموذجًا للجَسر بين الحضارات والثقافات.
يومها، شعرت أنّ الحكاية لم تعد بالنسبة إليها «مجرّد وسيلة لتسلية الأطفال، بل أصبحت وسيلة لبناء ذاكرة جماعيّة وتعزيز قيم الشهامة والمروءة التي فقدناها».

من تاريخ بيروت لجدّات الجنوب
بدأ مسار مكّي في حياكة القصص ونسجها من بيروت، حين قرّرت البحث في تاريخ المدينة والعودة إلى جذورها القديمة. غاصت في الكتب والمراجع، واكتشفت طبقات من التاريخ والأساطير والأحداث التي صنعت هويّة العاصمة.
تقول مكّي: «لم أكن أبحث عن قصّة واحدة، بل عن ذاكرة مدينة كاملة. كنت أريد أن أجمع التاريخ بالمكان والأسطورة والتسلسل الزمنيّ، حتىّ تصبح الحكاية وسيلة لفهم هويّة المدينة، وليس مجرّد عرض ترفيهي».
من هذه التجربة ولدت قناعتها بأنّ دورها الحقيقيّ هو إعادة خياطة الذاكرة الجماعيّة، وتحويل العناصر المتفرّقة من تاريخ وعادات وموروث إلى قصّة متماسكة يستطيع الناس من خلالها إعادة اكتشاف أمكنتهم.
بعد نجاح التجربة في بيروت، وسّعت مكّي عملها باتّجاه الجنوب، حيث بدأت تجمع الكتب والخرائط والروايات الشفويّة، وأطلقت مبادرتها «ذهب حنّة». وتوضح أنّ اختيار الاسم لم يكن عابرًا، فـ«حنّة» بالنسبة إليها ترمز إلى المرأة الجنوبيّة الصابرة، وتشبه أمّها وجدّتها وجدّات الجنوب.
المكان وناسه
توضح مكّي أنّ «المبادرة تهدف إلى تحويل الحكاية من عرض عابر إلى مشروع يُوثّق المكان والناس، ويحفظ التراث الشعبيّ للأجيال المقبلة».
وعلى رغم تعاونها مع عدد من المنظّمات والمؤسّسات الدوليّة، فهي ترفض أيّ تمويل يفرض أجندات على مشروعها، مؤكّدة أنّها تستطيع أن تذهب إلى أيّة قرية لتروي حكاية من دون مقابل، لأنّ ما تقوم به هو رسالة لا مهنة.
بدأ اهتمام مكّي بتوثيق تاريخ جبل عامل قبل الحرب بسنوات، إذ شعرت بأنّ المكان مهدّد بفقدان جزء من ذاكرته، بعد الحرائق التي طالت مساحات واسعة في الجنوب العام 2019.
منذ ذلك الحين، بدأت رحلة ميدانيّة للتعرّف على القرى الجنوبيّة، والتقت عددًا من المؤرّخين والباحثين، من بينهم المؤرّخ «الشيخ» غالب سليقا، الذي أغنى معرفتها بتاريخ جبل الشيخ «حرمون» وجبل عامل. كذلك شرعت في توثيق العادات والتقاليد والروايات الشفهيّة التي حفظتها الجدّات، «انطلاقًا من قناعة بأنّ هذا الإرث مهدّد بالاندثار إذا لم يُوثَّق» تقول.
أمنية مكّي: “كلّما تعمّقت في الجنوب، ازداد يقيني بأنّ الإنسان الجنوبيّ يرتبط في أرضه بعلاقة تتجاوز الجغرافيا. إنّها علاقة هويّة وانتماء وذاكرة، وهذا ما أردت أن أحفظه”.
علاقة تتجاوز الجغرافيا
تضيف مكّي: «كلّما تعمّقت في الجنوب، ازداد يقيني بأنّ الإنسان الجنوبيّ يرتبط في أرضه بعلاقة تتجاوز الجغرافيا. إنّها علاقة هويّة وانتماء وذاكرة، وهذا ما أردت أن أحفظه».
ومع اندلاع الحرب العام 2024، أعادت مكّي النظر في مشروعها، بعدما شعرت بأنّ استهداف المكان لا يقتصر على العمران، بل يمتدّ إلى الذاكرة والهويّة.
وتوضح: «أدركت أنّ دوري هو إحياء حبل السرّة الذي يربط الإنسان بأرضه. ربّما يفقد الإنسان منزله، لكنّه يتمسّك بمفتاحه، لأنّ القيمة الحقيقيّة ليست في الحجر، بل في الذاكرة التي صنعت المكان».
من هنا، «أعدتُ توجيه مبادرة ‘ذهب حنّة‘ نحو توثيق تاريخ القرى والموروث الشعبيّ والقصص المحلّيّة، وربطها بالحياة اليوميّة. واستخدمتُ المأكولات والعادات الشعبيّة كمدخل للحكاية، ورويت حكاية صنع ‘الكبّة النيّة‘ حيث شاركتهم بإعداد ‘تحويجة الفراكة الجنوبيّة‘، وتعريفهم إلى بلدة عين عطا من خلال إعداد ‘الليموناضة باللافندر‘، ليصبح التراث تجربة عيش لا مجرّد معلومات».
الحكاية طريق إلى الهويّة
مشروع مكّي لا يقتصر على رواية القصص، بل يقوم على إعادة وصل الإنسان بجذوره. تقول: «اسمي الحقيقيّ رجا، لكنّني لا أريد أن يعرفني الناس باسم الحكواتيّة رجا، بل كخيّاطة قصص تُعيد حياكة الذاكرة. أريد أن يوثّق الناس ذاكرتهم عن المكان، والأكل، والشرب، والتقاليد، لأنّ هذه التفاصيل هي التي تصنع هويّة المجتمعات».
وتعلّق مكّي على تبديل اسمها، مشيرةً إلى أنّها بعد وفاة والدها، وخلال وجودها في مصر، لفتها انتشار اسم «أمنية»، وشعرت أنّه يُعبّر عن مرحلة جديدة في حياتها. فاختارته لنفسها، وأضافت إليه كنية والدتها مكّي، لتولد شخصيّة «أمنية مكّي» التي ارتبطت بمشروع «ذهب حنّة».
حلم مدينة
نقلت مكّي تجربتها إلى شوارع بيروت، كذلك قدّمت عروضًا في الأردنّ ومصر، حيث كانت تروي قصصها في الساحات العامّة. لكنّها تأسف لأنّ بيروت، على الرغم من غناها الثقافيّ، تكاد تخلو من الفنون في الفضاء العام، وتتمنّى أن تتحوّل شوارع العاصمة إلى مساحة مفتوحة للفنّ والموسيقى والحكاية والمسرح.
تحلم مكّي بأن تصبح الحكاية جزءًا من الحياة اليوميّة في المدن والقرى اللبنانيّة، وأن يجد الناس في الشارع موسيقيًّا أو حكواتيًّا أو عرضًا مسرحيًّا يُعيد الحياة إلى الفضاء العام.
وتطمح كذلك إلى توسيع مشروع «ذهب حنّة» بالتعاون مع المؤسّسات الأمميّة والهيئات الثقافيّة الرسميّة، ليصبح منصّة وطنيّة لحفظ الذاكرة الشعبيّة، وتوثيق التراث غير المادّيّ، ونقله إلى الأجيال بأسلوب معاصر.
وتؤكّد لـ«مناطق نت» أنّ غايتها ليست حفظ الماضي لذاته، بل إعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومحيطه، بحيث تبقى الحكاية جسرًا يصل الحاضر بالجذور، ويمنح الأجيال القادمة خريطة للعودة إلى ما شكّل هويتها.
صور متفرقة لـ “خيّاطة القصص” أمينة مكي خلال جلسات سرد قصص وحكايات تراثية وشعبية.










