قانون الصيد المائيّ.. لحماية الصيّادين أم احتكار الشركات؟

خلال الـ17 من تمّوز (يوليو) الماضي، أقرّ مجلس النواب قانون الصيد المائيّ وتربية الأحياء المائيّة. لكن ما إن تمّ إقرار القانون حتّى علا صوت الصيّادين رافضين بشكل قاطع القانون الذي يرون فيه خطوة مجحفة مهدّدة لأرزاقهم.
فعلامَ ينّص القانون؟ وهل تخدم بنوده الشركات والمصالح الكبرى في مقابل قطع أرزاق صغار الصيّادين؟ وكيف؟
قانون بناء اقتصاد أزرق؟
اعتبرت وزارة الزراعة أنّ القانون يشكّل خطوة تشريعيّة لتنظيم قطاع الثروة السمكيّة، ويهدف إلى بناء اقتصاد أزرق مستدام، يعزّز الأمن الغذائيّ والإنتاج الوطنيّ، مع جعل الوزارة المرجعيّة الموحدّة لإدارة قطاع الصيد وتربية الأحياء المائيّة.
وبحسب البيان فإنّ القانون يفتح المجال أمام تربية الأسماك البحرّية لأوّل مرّة، بعد أن كان لبنان آخر دولة متوسّطيّة لا تعتمد هذا النشاط. وهو ما يُشجّع الاستثمار في تربية الأحياء المائيّة لزيادة الإنتاج المحلّيّ، وتقليل استيراد الأسماك، وتحسين الأسعار للمستهلك. ويُعزّز الحوكمة والرقابة ومكافحة الصيد غير المشروع وغير المنظّم. ويوائم القانون المعايير الدوليّة، وخصوصًا إرشادات منظّمة الأغذية والزراعة (FAO) والهيئة العامّة لمصايد أسماك البحر المتوسّط (GFCM).
أمّا لجهة حقوق الصيّادين فقد اعتبرت الوزارة أنّ القانون يحمي الصيد الحرفيّ الصغير النطاق ويضمن حقوق الصيّادين ويُؤمّن استدامة مصادر رزقهم، كذلك يمنح الأولويّة لتعاونيّات ونقابات الصيّادين للاستثمار في مشاريع تربية الأحياء المائيّة ويُساهم في خلق فرص عمل جديدة وتحفيز الاستثمارات ضمن إطار التنمية المستدامة.
الجدير ذكره ووفق بيان لوزارة الزراعة كانت فد نشرته في العام 2025 فإن لبنان ينتج ما بين 2 و3 آلاف طن من الأسماك البحرية والنهرية سنوياً، في حين يستورد نحو 13 ألف طن من الخارج. ففي عام 2023، بلغت قيمة واردات الأسماك والمنتجات السمكية في لبنان نحو 93 مليون دولار أميركي، مقارنةً بـ 0.8 مليون دولار أميركي فقط من الصادرات. وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة
وتستضيف السواحل اللبنانية 44 مرفأً وموقعًا لإنزال الأسماك. وتشمل أهم مرافئ الصيد، من الجنوب إلى الشمال: صور، صيدا، الأوزاعي، بربور، طرابلس، والعبدة، كما يوفّر قطاع الصيد في لبنان فرص عمل لنحو 10,000 صياد خلال مواسم الذروة.
ما رأي الصيّادين؟
في المقلب الآخر، وما إن تمّ إقرار القانون حتّى علا صوت الصيّادين معلنين رفضهم للقانون، إذ أصدر تجمّع صيّادي لبنان بيانًا أبدوا فيه اعتراضهم على القانون، إثر لقاء موسّع عقدوه في ميناء ضبيّة، ضمّ صيّادين ونقابات وتعاونيّات، معتبرين أنّه أُقرّ من دون الأخذ بتوصياتهم وملاحظاتهم، وأقصى أصحاب الخبرة والحقّ عن صياغة تشريع يمسّ مصدر رزقهم.
ووفق نصّ البيان فإنّ القانون «لم يُعدّل بما يخدم القطاع»، بل أُضيفت إليه بنود مبهمة وملغومة مفصّلة على قياس «مستفيد سيظهر قريبًا على الشاشة»، بالإضافة إلى أنّه «يؤدّي إلى احتكار الثروة البحريّة»، ويتجاهل بذلك التمييز القانونيّ والعمليّ الواجب بين «الصيد البحريّ الحرفيّ» و«تربية الأحياء المائيّة والاستزراع».
من جهته يقول ممثّل صيّادي تعاونية الناقورة، أحمد سليم إنّ «اللقاء الذي حصل بين الصيّادين هو للطعن بالقرار، بسبب تهمشينا». تابع لـ«مناطق نت»: «هناك صيّادون حتّى الآن لا يعلمون بوجود هذا القرار. كذلك هناك نازحون منهم، ما يعيق إمكانيّة الوصول إليهم وإبلاغهم بالقرار، ومع ذلك يمضون في تنفيذه».

مزارع أسماك أم محميّات؟
وفق سليم «الدولة تنفّذ مشروعًا مدعومًا من منظّمة ‘الفاو‘، ووفقًا لهذا المشروع يريدون إنشاء خمس أو ستّ مزارع للأسماك الأجنبيّة. المستفيد الأوّل هو تلك الشركات، التي ستوظّف عددًا محدودًا من الأشخاص، بينما الخاسر الأكبر هو الصيّاد».
وأشار سليم إلى أنّه «سيتّم تحديد مساحة يُمنع الاقتراب منها، فتصبح منطقة محميّة لهم. تمامًا كما هو الحال مع المسابح الخاصّة التي ردمت مساحات كبيرة من البحر ويُمنع الاقتراب منها، والآن تجيئ مزارع الأسماك هذه، في حين أنّ البحر ملك عامّ فأين سيذهب الصيّاد بعد ذلك؟».
ويشكو سليم من «غياب الدولة وتقصيرها في دعم الصيّادين على الرغم من أنّهم يدفعون الرسوم لوزارتيّ الزراعة والنقل في بداية العام وآخر العام، ولكن في المقابل لا يحصلون على أيّ دعم. منذ 40 أو 45 عامًا وهم يعدوننا بالتغطية الصحّيّة وإدخالنا في الضمان الاجتماعيّ. وكلّ سنة يكرّرون الوعود نفسها ويقولون إنّ الملّف أُقرّ في مجلس الوزراء، وحتّى الآن لم يتحقّق شيء».
مخاوف احتكار البحر
لم ينحصر الاعتراض على القانون بالصيّادين. بدورها اعتبرت رئيسة الحركة الزراعيّة سارة سلّوم، أنّ «هناك انتهاكات صارخة في القانون. من بينها حصر صلاحيّة اتخّاذ القرار بيد الوزير. كذلك فإنّ الأراضي التي سيقام عليها الاستزراع ستصبح بمثابة أراضٍ خاصّة، والاستزراع انتهاك بيئي، إذ لا يُعرف ما هي الموادّ التي ستُستخدم ولا نوع الأعلاف التي ستُقدَّم للأسماك».
تابعت سلوم لـ«مناطق نت»: «كذلك لا أحد يعلم إلى متى ستبقى هذه الشركات، أو إلى أيّ حدّ ستستحوذ على مصادر الرزق، ما قد يحرم الصيّادين حتّى من الوصول إلى أماكن تكاثر الأسماك ووضع البيض. ولا يوجد في القانون ما يوضح هذه المسائل. كذلك هو لا يتطرّق إلى الصيد الليليّ، على رغم ما يسبّبه من أضرار في الثروة السمكيّة».
وتوضح سلوّم أنّ هناك «مخاوفَ من انتهاكات بيئيّة، إذ لا يُعرف ما إذا كانت ستُستورد أنواع من الأسماك المعدّلة وراثيًّا والخاضعة لحقوق ملكيّة فكريّة؟ وهو ما قد يؤثر في البيئة البحريّة وطبيعتها». ونبّهت من أنّ شركة «GFCM» الوارد ذكرها في بيان الوزارة «ستصبح الجهة الوحيدة المسيطرة على المرفأ، وستستخدم المرافئ بشكل احتكاريّ، في حين يجري منع المرافئ والتعاونيّات من أن يكون لها أيّ وجود في تلك المنطقة». وتردف «إنّ التضييق بدأ قبل صدور القرار في الجريدة الرسميّة».
للصيّادين باع طويل في النضال والمطالبة بحقوقهم، وخلاف مع شركة «بروتين» للصيد البحريّ، ولا بدّ من ذكر تظاهرة الصيّادين الحاشدة في مدينة صيدا احتجاجًا على منح الشركة امتيازًا في احتكار صيد الأسماك والتي أُغتيل فيها ابن المدينة المناضل معروف سعد في الـ26 من شباط (فبراير) 1975. وهنا تتساءل سلّوم: «كيف يمكن اليوم استقدام بروتين جديدة؟».
(تأسّست شركة «بروتين» للصيد البحريّ(Protein) في لبنان العام 1971 بموجب مرسوم جمهوريّ، ومارست أعمال الصيد البحريّ في المياه الإقليميّة اللبنانيّة وعرض البحر باستخدام بواخر ومعدّات حديثة. واقترن اسم الشركة بالحدث التاريخيّ البارز المتمثّل في الاحتجاجات الشعبيّة العارمة التي قادها الصيّادون في مدينة صيدا رفضاً لاحتكار الشركة لقطاع الصيد البحريّ على طول الشاطئ اللبنانيّ ممّا اعتبروه تهديدًا لأرزاقهم).
وزير الزراعة: لدينا في الوزارة، لجنة معنيّة بقطاع الصيد البحريّ، وهدف هذه اللجنة إشراك العاملين في القطاع وجميع الشركاء في اتّخاذ القرار
الوزير: قانون للأمن الغذائيّ
في المقابل يوضح وزير الزراعة نزار هاني موقف الوزارة مفنّدًا القانون، قائلًا إنّه «يتيح تقليص الفجوة الكبيرة بين الاستيراد والإنتاج، ويسمح للبنان بإنتاج كمّيّات أكبر من الأسماك ممّا يعزّز الأمن الغذائي».
تابع الوزير لـ«مناطق نت»: «في ما يتعلّق بحقوق صغار الصيّادين والصيد الحرفيّ، ينصّ القانون بوضوح على أنّ حماية الصيّاد الصغير هي أساس، وأنّ إشراك التعاونيّات هو أيضًا من الأسس. ووفقًا للمراسيم التطبيقيّة التي ستصدر قريبًا، سيكون هناك تعاون إلزاميّ، وستُوضع شروط تفرض على الشركات الراغبة في الاستثمار إقامة تعاون وثيق مع التعاونيّات، أو إعطاء الأولويّة لتعاونيّات الصيّادين في هذه الاستثمارات».
وفي ما يتعلّق بالاستثمار يقول الوزير هاني: «تتمثّل هذه المشاريع في أقفاص ذات مساحة محدودة، وكذلك فإنّ حجم الاستثمار فيها ليس كبيرًا، ويمكن للصيّادين وتعاونيّاتهم تنفيذ هذه الاستثمارات بأنفسهم، أو، إذا لم تكن لديهم الإمكانات الكافية، التعاون مع شركات خاصّة أو مموّلين لإنشاء هذه الأقفاص وتربية الأسماك في البحر، وكذلك في الأنهار والبرك”.
عن الشروط البيئيّة والاحتكار
عن موضوع احتكار الصيّد في البحر أكّد الوزير هاني أنّ «الشروط البيئيّة أُخذت بعين الاعتبار»، مشيرًا إلى أنّ «تربية الأسماك لن تؤدّي إلى احتكار أجزاء من البحر، وأنّ دراسة أُجريت بالتنسيق مع وزارات النقل والدفاع والبيئة لتحديد الاستخدامات المختلفة للمساحات البحريّة». وأضاف أن «إقامة الأقفاص العائمة تخضع لشروط عدّة بما يضمن حماية البيئة وعدم تعارضها مع الأنشطة السياحيّة والتجاريّة والصيد».
أمّا عن حقوق الصيّادين فهي أساس في القانون وفق ما أشار الوزير هاني «اليوم لدينا، كما هو الحال في سائر اللجان القطاعيّة الموجودة في الوزارة، لجنة معنيّة بقطاع الصيد البحريّ، وهدف هذه اللجنة إشراك العاملين في القطاع وجميع الشركاء في اتّخاذ القرار».
وعن الرسوم المفروضة على الصيّادين، قال هاني: «الرسوم المفروضة اليوم على الصيّادين هي رسوم بسيطة، فمثلًا من يملك فلوكة أو قاربًا يقلّ طوله عن ثمانية أمتار يدفع ما بين 20 و22 دولارًا فقط، وهي رسوم على القارب والمعدّات الموجودة فيه، وبالتالي لا يوجد ما يدعو إلى القلق بشأن هذه الرسوم».
وأردف هاني: «أمّا تربية الأسماك في البحر أو الاستزراع السمكيّ، فهي تحتاج إلى معايير بيئيّة وممارسات سليمة، ولذلك لا بدّ من اتّباع الممارسات الصحيحة، وهي معايير مطبّقة عالميًّا ولها أصولها المعروفة. وإذا دقّقنا في القانون، نجد أنّه يتضمّن موادّ عديدة تؤكّد هذه المسألة وتشدّد على ضرورة الالتزام بها».
المنطقة الاقتصاديّة البحريّة
وبما يتعلّق بالمنطقة الاقتصاديّة البحريّة الخالصة للبنان، التي وردت في القانون أنّه «يمكن منح تراخيص فيها لشركات أجنبيّة»، فإنّ النصّ لا يفرض منح هذه التراخيص، بل يجيز ذلك فقط. كذلك فإنّ المنطقة الاقتصاديّة الخالصة تبدأ بعد 12 ميلًا بحريًّا (يساوي1852 متراً أو 1.852 كيلومتر)، وفي الوقت الحالي تدخل سفن أجنبيّة للصيد فيها، من دون وجود آليّة قانونيّة لمحاسبتها.
وقد أُدرجت هذه المادّة بهدف تنظيم هذا الواقع ووضع آليّة للمحاسبة، إلى جانب التخطيط لتشجيع الشركات اللبنانيّة على الصيد في المنطقة الاقتصاديّة الخالصة البعيدة، بدلًا من تركها للشركات الأجنبيّة.
من المفترض أن يُعقد لقاء بين وزير الزراعة والصيّادين بتاريخ الخامس من آب (أغسطس) الجاري، للبحث في القانون ورفع طلباتهم إليه. ولكن أمام واقع غياب التعويضات عن الخسائر التي طالت الصيّادين ومراكبهم بسبب الاعتداءات الإسرائيليّة وتدمير ميناء الناقورة على سبيل المثال، هل تكون الثقة حاضرة بين الجهات المعنيّة والصيّادين؟



