مشاعات جبل لبنان وإهدن: من “المتصرفية” إلى “المالية”

لم يكن قرار مجلس شورى الدولة بوقف تنفيذ التعميم الذي أصدره وزير المال ياسين جابر رقم 609/2026، بتسجيل العقارات غير الممسوحة والمشاعات باسم الدولة، قرارًا إداريًّا عاديًّا، بل مناسبة لإعادة تسليط الضوء على ملفّ بالغ الحيويّة لطالما شكّل عيّنة صارخة بوجه الاعتداء على الملك العام المتمثّل بالمشاعات التي هي حقّ للناس من المفترض أن يتمّ استثمارها بشكل يخدم المجتمعات المحلّيّة وأهلها، تُستخدم عادةً لمنافع عامّة أو مشتركة، مثل الرعي والزراعة والطرق والمياه والأحراج، وفقًا لطبيعة كلّ منطقة والقوانين التي تنظّمها.

الجدير ذكره أنّه لا يمكن التعامل مع كلّ المشاعات على أنّها نوع واحد من الملكيّة. فهناك فرق بين المشاعات التابعة للدولة وبين المشاعات التي ترتبط تاريخيًّا بالقرى والبلديّات والجماعات المحلّيّة.

ضمن هذا السياق، فإنّ مشاعات جبل لبنان ليست أراضٍ متروكة أو مساحات غير مستثمرة، بل هي مرتبطة بتاريخ طويل من الملكيّة الجماعيّة لأهالي القرى، يعود هذا التاريخ إلى عهد متصرفيّة جبل لبنان (1861- 1918). وقد حافظت هذه الأراضي على خصوصيّتها خلال فترة الانتداب الفرنسيّ (1920- 1946) وبعد قيام الجمهورية اللبنانية (23 أيّار/ مايو 1926)، ولم تُنقل ملكيّتها إلى الدولة كما حصل في مناطق أخرى من لبنان.

وعلى مدى عقود، شكّلت هذه المشاعات جزءًا أساسًا من الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة في قرى جبل لبنان، فاستُخدمت للرعي والزراعة والمنافع العامّة، وأُديرت تقليديًّا من قبل الجماعات المحلّيّة والبلديّات.

بين البلديّات والدولة

عاد الملفّ إلى الواجهة مع تعميم أصدره وزير المال ياسين جابر في شباط (فبراير) الماضي، طلب فيه تسجيل العقارات غير الممسوحة والمشاعات بدايةً باسم الدولة، على أن تُنقل لاحقًا إلى البلديّات عند توافر المستندات التي تثبت حقّها فيها. أثار التعميم مخاوف لدى عدد من البلديّات والأهالي، إذ رأوا أنّ تسجيل هذه الأراضي باسم الدولة، ولو بصورة موقّتة، قد يغيّر طبيعة الملكيّة التاريخيّة لهذه المشاعات، ويضعها تحت إشراف وزارة المال باعتبارها الجهة الوصيّة على أملاك الدولة.

أعاد التعميم إلى الواجهة خلافًا قديمًا يعود إلى العام 2015، عندما صدر عن وزارة المال آنذاك تعميمًا مشابهًا أثار اعتراضات سياسيّة وشعبيّة واسعة، ولم يُطبَّق عمليًّا في عديد من المناطق.

كذلك تعود جذور هذا الملفّ إلى مرحلة بدايات النظام العقاريّ في لبنان بين عامَيّ 1922 و1932، حين أُقرّت قوانين راعت خصوصيّة الملكيّات في مختلف المناطق. وفي العام 1930، شكّل القرار الرقم 3339 أساسًا قانونيًّا ميّز مشاعات جبل لبنان، باعتبارها ملكيّات جماعيّة تعود إلى القرى أو البلديّات وتخضع للأعراف المحلّيّة.

وترسّخ هذا التمييز لاحقًا مع تعديل المادّة السابعة من قانون الملكيّة العقاريّة العام 1971، إذ اعتُبرت العقارات المتروكة المرفقة الواقعة ضمن النطاق البلديّ ملكًا خاصًّا للبلديّات.

جانب من مشاعات بلدة إهدن
شورى الدولة وتعميم الوزير

أصدر وزير المال ياسين جابر التعميم رقم 609/2026، وشدّد على عدم تسجيل العقارات غير الممسوحة والمشاعات مباشرةً باسم البلديّات أو الأفراد، بل قيدها أوّلًا باسم الدولة، على أن تُنقل لاحقًا إلى البلديّات عند إثبات حقّها القانونيّ. كذلك حصر دور المختارين بالوظيفة التعريفيّة ومنعهم من إصدار إفادات “علم وخبر” لهذه العقارات.

في المقابل، قرّر مجلس شورى الدولة وقف تنفيذ التعميم بعد مراجعة تقدّمت بها بلديّة رومية والنائب الياس حنكش، معتبرًا أنّ هناك أسبابًا جدّيّة تستدعي البحث في قانونيّته، وأنّ استمرار تطبيقه ربّما يؤدّي إلى أضرار يصعب تداركها، بخاصّة لناحية حقوق البلديّات والأهالي.

كذلك سجّل اعتراض عدد من اتّحادات البلديّات في جبل لبنان وكسروان والمتن والبترون على التعميم، معتبرين أنّ مشاعات القرى لها خصوصيّة وحقوق تاريخيّة، ولا يجوز التعامل معها تلقائيًّا كأملاك للدولة. في المقابل، تستند وزارة المال إلى ضرورة تطبيق الأصول القانونيّة ومنع تسجيل أو نقل ملكيّة هذه العقارات خلافًا للقانون.

ملكيّة المشاعات

تختلف ملكيّة المشاعات من حيث تبعيّتها العقاريّة والقانونيّة، وذلك بحسب الخبير العقاريّ المحلّف لدى المحكمة طوني عيسى، فهناك مشاعات تعود ملكيّتها إلى الدولة اللبنانيّة، وهي أراضٍ وعقارات تخضع لإدارتها وفقًا للأحكام والقوانين المرعيّة الإجراء. ومن جهة أخرى، هناك عقارات تُعرف بالمشاعات البلديّة، وقد اعتُبرت، بموجب تعديل المادّة السابعة من قانون الملكيّة العقاريّة بالقانون رقم 47 للعام 1971، من أملاك البلديّات الخاصّة.

يتابع عيسى لـ “مناطق نت”: “يترتّب على هذا التمييز اختلاف في كيفيّة إدارة هذه الأراضي واستثمارها والتصرّف بها ضمن الحدود التي يحدّدها القانون. وتبرز أهمّيّة هذا التفريق في الجدل القائم حاليًّا حول مشاعات جبل لبنان، إذ يتمحور الخلاف الأساس حول طبيعة ملكيّة بعض هذه الأراضي والجهة التي تملك الحقّ القانونيّ في إدارتها والتصرّف بها”.

يضيف عيسى “لكنّ خلف هذا الجدل القانونيّ العام، قضية أكثر قربًا من الناس، وتحديدًا في إهدن. فالمشاعات أراضٍ مرتبطة بتاريخ المنطقة وأهاليها، وتطرح اليوم أسئلة حول ملكيّتها وإدارتها ومَن يملك حقّ التصرف بها”.

حق مكتسب للناس

في هذا الشأن يوضح الناشط الاجتماعيّ غالب الدويهي أنّ المشاعات “الاهدنيّة”، والتي كانت ضمن متصرفيّة جبل لبنان سابقاً، بالنسبة إلى أبناء المنطقة هي حقّ مكتسب ومتوارث يعود إلى أجدادهم منذ زمن بعيد. يتابع لـ”مناطق نت”: “أبناء القرى كانوا يعتمدون تاريخيًّا على هذه الأراضي في الزراعة والرعي، وكانت المساحات المشاعيّة تشكّل جزءًا أساسًا من حياتهم ومصادر رزقهم، بما تحتويه من مراعٍ وأشجار وثروات طبيعيّة”.

يضيف الدويهي “هذا الحقّ ترسّخ خلال عهد متصرفيّة جبل لبنان، بعد ضغوط سياسيّة ودينيّة هدفت إلى تثبيت ملكيّة هذه الأراضي لأهالي القرى، وعدم اعتبارها ملكًا للسلطة أو للحاكم”. ويشير إلى أنّ “هذا الواقع انعكس لاحقًا في الوثائق والأنظمة العقاريّة، حيث جرى توصيف بعض هذه الأراضي بأنّها ‘مشاع عموم أهالي المنطقة‘، بما يعكس طبيعة الملكيّة الجماعيّة التي ارتبطت تاريخيًّا بأهالي القرى”.

وحول هذا الطرح، يوضح الدويهي أنّ “محاولات إعادة النظر في وضع المشاعات لم تبدأ من اليوم، بل تعود إلى سنوات طويلة، مع صدور قرارات وتعاميم في فترات مختلفة هدفت إلى تسجيل هذه الأراضي باسم الدولة بدلًا من إبقائها على وضعها التاريخيّ كملكيّة جماعيّة لأهالي القرى”.

من هنا تبرز المخاوف وفق الدويهي إذ أشار إلى أنّها تغدو أكبر في حال أصبحت هذه الأراضي مصنّفة كأملاك للدولة، إذ تصبح خاضعة لنظام أملاك الدولة ولصلاحيّاتها في الإدارة والاستثمار والتصرّف، بما في ذلك إمكانيّة تخصيصها أو تأجيرها أو بيعها وفق الأطر القانونيّة.

مشاعات بلدة إهدن منذ أيام المتصرفية
على الدولة إثبات حقّها

من جهته يقول المحامي والحقوقيّ أمين بشير إنّ “قرار مجلس شورى الدولة الذي أبطل قرار وزير الماليّة يشكّل ضمانة أساسيّة لحقوق أهالي القرى، لأنّ الإدارة لا تستطيع أن تعيد إنتاج القرار نفسه بمجرّد تغيير عنوانه أو شكله”. ويتابع لـ”مناطق نت”: “إذا كانت هذه الأراضي مشاعات عائدة تاريخيًّا إلى أهالي القرى، فإنّ تحويلها إلى مشاعات للدولة ليس مسألة إداريّة بسيطة، بل هو مساس بطبيعة الحقّ وبالملكيّة، ولا يمكن أن يتمّ بقرار إداريّ يفتقر إلى سند قانونيّ واضح”.

يضيف بشير “إذا كانت الدولة تدّعي ملكيّتها لعقارات معيّنة، فعليها أن تثبت هذه الملكيّة وفق الأصول القانونيّة والعقاريّة، وليس أن تفترض ملكيّتها لجميع المشاعات بصورة شاملة”.

“المسألة هنا ليست صراعاً بين الدولة والأهالي”، يوضح بشير “بل احترام دولة القانون، فإذا كان للأهالي حقّ ثابت، يجب حمايته، وإذا كانت للدولة ملكيّة ثابتة، فلتثبتها وفق القانون. أمّا نقل مشاعات الأهالي إلى الدولة بقرار إداريّ شامل، من دون معالجة كلّ حالة وفق سندها القانونيّ، فهو أمر لا يمكن التسليم به”.

ملكيّة مثبتة بمرسوم

بدوره يوضح رئيس “حركة الأرض اللبنانيّة” طلال الدويهي، أنّ اعتراضه على التعميم المتعلّق بمشاعات جبل لبنان، ومن ضمنها مشاعات إهدن، ينطلق من مسألة أساسيّة تتعلّق بملكيّة هذه الأراضي وطبيعتها القانونيّة. يقول الدويهي لـ”مناطق نت”: “التعميم الذي صدر سابقًا عن وزير المال السابق علي حسن خليل، وأُعيد طرحه في عهد الوزير الحالي، يقوم على اعتبار هذه المشاعات من مشاعات الجمهوريّة اللبنانيّة”. معتبرًا أنّ “هذا التوصيف يتعارض مع الأساس القانونيّ الذي نشأت عليه ملكيّة هذه الأراضي”.

وأوضح الدويهي أنّ “المرسوم الذي حدّد طبيعة هذه المشاعات يعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، حين كان المفوّض السامي يتمتّع بصلاحيّات تشبه صلاحيّات رئيس الجمهوريّة، وبالتالي لا يمكن، أن يأتي تعميم صادر عن وزير لينتزع شرعيّة ملكيّة قرى وبلدات مثبتة بموجب مرسوم”.

ولفت الدويهي إلى أنّ “أيّ تغيير جوهريّ في طبيعة هذه الملكيّات، إذا كانت الدولة تريد اتخّاذه، يجب أن يتمّ عبر الأطر الدستوريّة والقانونيّة المعتمدة، سواء من خلال رئاسة الجمهوريّة أو مجلس الوزراء أو مجلس النوّاب، وليس من خلال تعميم وزاريّ”.

يختم الدويهي “القضيّة لا تتعلّق فقط بملكيّة الأرض، بل أيضًا بدور الجهات المحلّيّة والبلديّات والأوقاف والمؤسّسات الموجودة في هذه المناطق، فماذا عن مصير هذه الحقوق والمشاريع إذا أصبحت هذه الأراضي خاضعة لملكيّة الدولة وإدارتها المركزيّة؟”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى