الجنوبيون ينتظرون التعويضات بفارغ الصبر والشائعات تُربك آمالهم

انتظار التعويضات سواء المتعلّقة ببدلات الإيواء أو الأضرار الجزئيّة الناتجة عن الحرب، هو حال النازحين من القرى الحدوديّة التي تمعن إسرائيل يوميًّا بتفجير أحيائها وتجريفها، إضافة لأولئك الذين دُمّرت منازلهم في القرى الخلفيّة في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبيّة وغيرهما من المناطق، مع كلّ ما يرافق ذلك الانتظار من ظروف صعبة وقاسية يعيشها النازحون وتتمثّل بالوضع الأمنيّ غير المستقرّ، إذ لا تزال اسرائيل تواصل يوميًّا استهداف المناطق الجنوبيّة، إضافة للوضع الاقتصاديّ الصعب الذي يعيشه معظم النازحين وهم يعانون من ارتفاع بدلات الإيجار بنسب قياسيّة.
هذا الواقع الصعب جعل السؤال عن مصير التعويضات محل اهتمام يوميّ من قبل الناس، حيث ازدادت وتيرته في النصف الثاني من شهر تمّوز (يوليو) المنصرم، بعدما انتشرت شائعات في الجنوب والضاحية الجنوبيّة تُفيد بأنّ “حزب الله” بدأ “يُعدّ العدّة لدفع تعويضات خلال شهر آب (أغسطس) الجاري”، إلّا أنّ التدقيق في تلك الرواية اتّضح أنها لا تعدو كونها شائعة.
خسارات بالجملة
وإذا كانت التقديمات قد سارت بشكل شبه طبيعيّ منذ بداية حرب الإسناد في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) 2023، إلّا أنّها لم تبقَ كذلك بعد توسّع الحرب في الثاني من آذار(مارس) الماضي، والتي كانت كلفتها على اللبنانيّين عمومًا وسكّان الجنوب بخاصّة ضخمة، إذ لم تقتصر على تدمير المنازل والمحال التجاريّة والممتلكات وحتّى ترميد القرى، بل كذلك شملت توقّف أعمال قسم كبير من الجنوبيّين ومصادر رزقهم.
وما ضاعف الأعباء أنّ الحرب أدّت إلى موجات نزوح كبيرة ومُتكرّرة وصلت أعدادها في الـ16 من نيسان (أبريل) 2026 إلى 141,733 نازح في مراكز الإيواء، فضلًا عن مئات الآلاف خارجها، فضّلوا استئجار منازل مع ما يترتّب على ذلك من كلف باهظة. وعلى رغم وقف إطلاق النار في الـ 20 من حزيران (يونيو) الماضي إلّا أنّ مئات الآلاف من الجنوبيّين الواقعة بلداتهم وقراهم في ما بات يُعرف بالخطّ الأصفر ما زالوا غير قادرين على العودة إليها وما زالوا يتكبّدون دفع بدلات إيجار مرتفعة، بالإضافة إلى الذين خسروا منازلهم في البلدات والقرى الجنوبيّة المختلفة.
يوضح برهان أبو ساري، أنّ “حزب الله قدّم مساعدات محدودة لأبناء القرى الحدوديّة في الفترة الممتدّة ما بين الثامن من تشرين الأوّل 2023 ولغاية توسّع الحرب في الـ23 من أيلول العام 2024، بمعدّل ثمانية أشهر. وكانت هذه المساعدات تأتي على شكل مبالغ شهريّة مُحدّدة بـ200 دولار لكلّ عائلة نازحة، يُضاف إليها 200 دولار أخرى للعائلات التي قرّرت استئجار منزل، في حين أنّ العائلات التي نزحت إلى مراكز إيواء لم تحصل على مثل هذه المبالغ.
على رغم وقف إطلاق النار في الـ 20 من حزيران (يونيو) الماضي إلّا أنّ مئات الآلاف من الجنوبيّين الواقعة بلداتهم وقراهم في ما بات يُعرف بالخطّ الأصفر ما زالوا غير قادرين على العودة إليها وما زالوا يتكبّدون دفع بدلات إيجار مرتفعة
أخبار مُتداولة عن تعويضات
يشرح أحمد (اسم مستعار)، وهو نازح في أحد مراكز الإيواء في صور ويتحدّر من بلديّة يارين (صور)، أنّه سمع أخبارًا تُفيد بأنّ حزب الله سيُقدّم تعويضات بقيمة خمسة آلاف دولار أميركيّ، وأنّ وزارة الشؤون الاجتماعيّة ستُباشر بتوزيع مبلغ 65 دولارًا لكلّ نازح (لمرة واحدة). ويلفت أحمد إلى أنّ “هذه الخمسة آلاف دولار ستكون تعويضًا عن حرب 2026 مُقسّمة بين 4 آلاف دولار بدل إيواء وألف دولار هديّة بحسب ما يتمّ تداوله”. يتابع أحمد لـ”مناطق نت” أنّ “هذه المعلومة مُتداولة بشكل كبير، ولكن لغاية الآن لم يصلنا شيء ولا يوجد أيّ دليل ملموس”.
يشير أحمد إلى أنّ ما يُعزّز من هذه الخبريّة أنّ “المسؤولين عن هذا الملف في ‘حزب الله‘ يتواصلون مع المواطنين ويجمعون البيانات حول النازحين وحجم الأضرار التي تكبّدوها”، مضيفًا “ولكن في المقابل ما يُشكّك في هذا الأمر أنّه خلال الحرب الماضية جرى توزيع مبلغ 200 دولار ولكن لم تشمل جميع النازحين، فكيف يمكن أن يقوموا بتوزيع مبلغ كبير إلى هذا الحدّ الآن”.
يرُجّح أحمد أن يكون الحديث عن هذه المساعدات “ما هو غير وعود لدفع النازحين في المدارس إلى مغادرتها واستئجار منازل، ما يُمكّن وزارة التربية من استئناف العام الدراسيّ المقبل في المدارس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء”. اللافت في الأمر أنّ أحمد لم يكن لديه فضول للتواصل مع أحد بغية التأكّد من المعلومة “فنحن زهقنا من الوعود المتكرّرة” يقول.
خسائر جسيمة وتعويضات زهيدة
يستذكر أحمد أنّ ما خسره هو وأخوته منذ حرب الإسناد التي اندلعت في الثامن من تشرين الأوّل 2023 هو سبعة منازل، فضلًا عن “مصدر رزقي حيث كنت أعمل مزارعًا من ناحية وأملك جرارًا زراعيًّا (تراكتور) أقوم بفلح أراضي المزارعين من ناحية أخرى”. في الوقت الحالي لا يعمل أحمد بأيّ مهنة بشكل ثابت وإنّما يعمل في ما يتسنّى له يوميًّا.
يرى أحمد أنّ الواقع الحالي يؤكّد أنّ “العودة إلى بلداتنا أمر غير مُتاح بالمدى المنظور. لذا، فإنّ التعويض العادل ينبغي أن يكون مبلغًا يُمكّننا من أن نشتري منزلًا بدل منازلنا التي دُمّرت، أيّ مبلغ يتراوح بين 40 و50 ألف دولار، كي نتمكّن من ستر أنفسنا بدلًا من أن نبقى في مراكز الإيواء”.

تعويضات بطريقة مُختلفة
في سياق متّصل، تُشير نانسي (اسم مستعار)، ابنة بلدة كفرّرمان، في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أن ّالمعلومة التي وصلتها تُشير إلى أنّ “حزب الله أنهى عمليّة إحصاء جميع الأضرار والمنازل المتضرّرة والمُدمّرة، وسيتمّ دفع تعويضات خلال أيّام أو أسابيع لكلّ صاحب منزل متضرّر أو مُدمّر، ولكن بطريقة مُختلفة عن المساعدات التي قُدّمت بعد توسّع الحرب في الـ23 من أيلول (سبتمبر) العام 2024”.
تلفت نانسي إلى أنّه “بعد وقف إطلاق النار خلال الـ27 من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، تمّ دفع مبلغ ثمانية آلاف دولار لكلّ عائلة بدل إيواء وأربعة آلاف دولار بدل أثاث منزليّ، أمّا الآن فسيتمّ دفع مبلغ شهريّ، قيمته غير محدّدة، بانتظار بلورة الأوضاع العسكريّة”.
العودة أكبر من أي تعويض
من جانبه، يُوضح برهان أبو ساري، من بلدة الظهيرة الحدوديّة (صور) ونازح إلى منطقة الزراعة الواقعة على أطراف مدينة صور، في حديث لـ”مناطق نت”، أنّه سمع عن دنو موعد دفع تعويضات من قبل حزب الله من دون تحديد المبلغ، كذلك “سمعت أنّهم يتّصلون بالمواطنين لإحصاء الأضرار، ولكن لم يتصّل أحد بي، فبادرت أنا إلى الاتصال بأحد المسؤولين عن الملف وطلبت منه إدراج اسمي”.
يتحدّث أبو ساري، وهو أب لأربعة أولاد، عن خسائره بغصّة مُشيرًا إلى “أنّني خسرت منزلي وبستانًا يضمّ أشجار قشطة وأفوكا وزيتون، كذلك كُنت أملك خيمًا بلاستيكيّة مخصّصة لزراعة الخضار، كلّو راح”. ويُضيف أنّه “منذ النزوح في العام 2023 أقمت في مركز إيواء لمدّة 15 يومًا، ومن ثمّ استأجرت منزلًا بمبلغ 300 دولار شهريًّا، إذ إنّ السكن في مراكز الإيواء صعب جدًا”.
ويلفت أبو ساري إلى أنّ “كلف الحياة كبيرة جدًّا، فالمصاريف لا تقتصر على إيجار المنزل بل ثمة مصاريف يوميّة من مأكل ومشرب وحاجات لا يمكن الاستغناء عنها، وكلّ ذلك يترافق مع عدم وجود مردود مادّيّ أو دخل ثابت، إذ إنّني عاطل من العمل في الوقت الحاليّ، فقد سجّلت اسمي للعمل ضمن تعاونيّة، ولكن صُدمت عندما علمت أنّ الأجر اليوميّ الذي عُرض عليّ هو 10 دولارات مقابل 9 ساعات عمل يوميًّا”. ويوضح أبو ساري أنّ “هذه الظروف دفعتني إلى بيع سيّارتي، وكُل ما أتمنّاه هو العودة إلى ضيعتنا، فهذا الأمر أكبر من أيّ تعويض مهما بلغ حجمه”.
خسائر صعبة التعويض
من ناحتيه، يُشير ياسر الخليل، ابن بلدة أنصار (النبطية)، في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أنّه خسر جنى عمره فـ “أنا وأختي كنّا نملك مركزًا تجاريًّا يضمّ 13 محلًّا تحوي ثمانية مصالح مختلفة، جرى تدميره بالكامل بعد استهدافه بشكل مباشر بعد التوسّع الذي شهدته الحرب في الثاني من آذار (مارس) الماضي”. ويلفت الخليل إلى أنّ “قيمة البضائع التي كنت أملكها في متجري المخصّص للخرضوات تبلغ نحو 500 ألف دولار”، مضيفًا أنّ “أخي كان يملك منزلًا بمساحة 300 متر في الطابق العلوي من المبنى، وبعد تدميره انتقل إلى أحد مراكز الإيواء حيث ما زال يقيم فيه مع عائلته بسبب وضعه المادّيّ”.
يوضح خليل أنّ “ثمّة عدم مبالاة من قبل الجميع، في ما يتعلّق بالتعويضات، فباستثناء مجلس الجنوب الذي قام بالكشف على الأضرار لم يتواصل معنا أحد”. ويعتقد أنّه “لا توجد تعويضات سواء للمنازل أو حتّى للمصالح التجاريّة”. بيد أن أكثر ما يؤلم الخليل أنّه يبلغ من العمر 56 عامًا و”من المفروض أن أتقاعد بعد أربع سنوات بما أنّ مصلحتي التجاريّة تعمل بشكل جيّد، ولكنّ ما حدث أعادني إلى الصفر”. في الوقت الحالي قام الخليل بوضع “هنغار صغير” في أرض يملكها أهله وأعاد افتتاح متجره من خلال علاقاته مع التجّار والشركات ما يساعده على جني قوت يومه.

مصادر تنفي الشائعة
من ناحيته، يُشير مصدر في حزب الله في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أنّ “ما يحدث في الوقت الحالي هو عمليّة إحصاء من خلال تسجيل الأضرار، وتمّ تقسيمها إلى قسمين: الأوّل هو من دُمّر أو تضرّر منزله واضطرّ إلى استئجار منزل، والقسم الثاني هو من تمكّن من إيجاد منزل من دون دفع بدل إيجار، بحيث سيتمّ دفع مساعدات للقسم الأوّل عندما تتوافر الأموال، في حين سيتمّ تحييد القسم الثاني إلى مرحلة لاحقة، ولكن لغاية اليوم هذه الأموال غير متوافرة”.
ما أشار إليه المصدر في حزب الله يتقاطع مع مصدر في بلديّة مدينة صور تحدّث إلى “مناطق نت” مشيرًا إلى أنّ “الكلام حول دفع تعويضات من قبل حزب الله منتشر بكثرة بين المواطنين إلّا أنّ مراجعة المسؤولين عن الملفّ تؤكّد أنّ هذه المعلومات ما هي إلّا شائعات وكلّ ما يحدث في الوقت الحالي هو عمليّة إحصاء للأضرار تمهيدًا لدفع مساعدات في المستقبل عندما تتوافر الأموال”.
النازحون أرقام وكلف
من جانبه، يُشير الباحث في الدوليّة للمعلومات، محمّد شمس الدين، في حديث لـ”مناطق نت”، إلى أنّ عدد الوحدات المدمّرة كلّيًّا في حرب العام 2026 بلغ 47 ألف وحدة، وهي تُضاف إلى الوحدات السكنيّة التي دمّرت في العام 2024 وبلغت 53 ألف وحدة، ممّا يعني أنّ العدد الإجماليّ للوحدات السكنيّة المُدمّرة والتي لا يمكن السكن فيها بلغت 100 ألف وحدة”، مضيفًا أنّ “من بينها نحو 76 ألف وحدة سكنية في الجنوب فقط”.
أمّا في ما يتعلّق بحجم الكتلة النقديّة من المساعدات التي سيتكبّدها “حزب الله”، فهي تعتمد بشكل أساس على قيمة التعويض الذي يُقرّر منحه لكلّ وحدة سكنيّة. وفي حال الاعتماد على المساعدات التي قدّمها بعد حرب 2024 والبالغة 12 ألف دولار لكلّ وحدة. فيمكن القول إنّ المبلغ الذي سيدفعه الحزب يُقارب المليار و200 مليون دولار، ما عدا التعويضات المرتبطة بالأضرار الجزئيّة. في هذا السياق، يلفت شمس الدين إلى أّن “الكلفة الاجماليّة لإعادة التعمير هي نحو 17 مليار دولار”. وحول أسباب عدم مُباشرة “حزب الله” بدفع التعويضات يضع شمس الدين احتمالين أساسيّين، أوّلهما أنّ “الحزب لم يُباشر بهذه الخطوة على اعتبار أنّ الحرب لم تضع أوزارها بعد”، أمّا الاحتمال الآخر فيتمثّل بـ”عدم امتلاكه للأموال”.
إنّ الشائعات المرتبطة بدفع “حزب الله” للتعويضات في المرحلة الحاليّة لا تبدو محصورة في منطقة جغرافيّة محدّدة، بل تتداول في مناطق مختلفة تُعدّ ضمن بيئة الحزب الاجتماعيّة والشعبيّة. ويشير انتشارها في هذا الشكل إلى أنّ الموضوع تحوّل إلى حديث متداول على نطاق واسع عبر التواصل المباشر بين الأهالي.
تتنوّع الروايات المتداولة بين حديث عن بدء دفع التعويضات، وتحديد مبالغ أو مواعيد معيّنة، وصولًا إلى معلومات غير مؤكّدة حول آليّات الاستفادة منها والجهات التي ستتولّى عمليّة الدفع. تكمن خطورة هذه الشائعات في أنّها تنتشر في سياق حسّاس، حيث ينتظر عدد كبير من المتضرّرين والمواطنين أيّ معلومات تتعلّق بالتعويضات وإعادة التعمير، ما يجعلهم أكثر عرضة لتصديق الأخبار غير الموثوقة أو إعادة تداولها. كذلك، فإنّ انتشار الرواية في أكثر من منطقة، وبصيغ متقاربة أحيانًا، ربّما يعطي انطباعًا زائفًا بأنّها تستند إلى معلومات أكيدة، فيما لا يعني تكرارها ضرورة صحّتها.



