“كابوس الميم” بغرب بعلبك… مؤونة في زمن الحرب والغلاء

جلست نوف (اسم مستعار) على أرضيّة غرفة المؤونة بعد أن “بلّت مدّ من الكشك” (أيّ عجنت عشرين كيلوغراماً من الكشك، البرغل والحليب)، لتأخذ استراحة بعد عمل دام أربع ساعات متواصلة، أمسكت هاتفها تحسب بقيّة أصناف المؤونة التي اعتادت تحضيرها قبل كلّ شتاء. تنقّلت أصابعها بين قائمة المؤونة ورسالة قسط المدرسة وصور صفيحة المازوت.

وهي غارقة في الأرقام، دخلت داليا (اسم مستعار) جارتها تعتذر عن عدم قدومها للمساعدة، بسبب انشغالها باستلام هديّة “حليب معزة من قرايبنا”، وقد بات باستطاعتها أن تحضّر الكشك. وضع داليا لا يختلف عن وضع نوف: قرّرت هذه السنة أن تعدّ مؤونة أقلّ عمّا اعتادت تحضيره في السنوات الماضية، إذ ما تمّ ادّخاره في الصيف، لا يكفي سوى لتوفير كمّيّات محدودة من الكشك ومكدوس الباذنجان والبندورة.

تشكّل نوف وداليا نموذجاً عن عائلات قرى غربيّ بعلبك، الذين يواجهون مع بداية شهر أيلول (سبتمبر) من كلّ عام كابوساً متكرّراً: يترافق الشهر مع ثلاث استحقاقات كبيرة تبدأ جميعها بحرف “الميم” (مونة، مدارس، مازوت)، وهي تحضير المؤونة الشتويّة، والعودة إلى المدارس والجامعات، وتأمين المحروقات للتدفئة. على امتداد هذه القرى، لسان حال العائلات يتمحور حول كيفيّة تأمين المال الكافي، وسط تردّي الأحوال المعيشيّة في أعقاب الحرب الإسرائيليّة التي قلّصت إلى حدّ كبير من مدّخرات تلك العائلات.

أولى هذه الكوابيس هو تحضير المونة الشتويّة، التي تشكّل إرثاً اجتماعيّاً يرتبط ارتباطاً عميقاً بالموروث الثقافيّ- الغذائيّ في منطقة بعلبك منذ زمن الأجداد. وقد شكّل هذا الموروث وسيلة صمود خلال توسّع الحرب الإسرائيليّة على لبنان لمرتين حتّى الآن. فما هو الدور الذي لعبه خلال النزوح والحرب وأثناء الهدن المتقطعة؟ وكيف تؤثر الضائقة المعيشيّة في تحضير المؤونة الشتويّة؟ وما هو انطباع العائلات غرب بعلبك حول هذا الموروث بعيداً من الأزمات التي ألمّت بهم؟

تحضير المونة في منطقة بعلبك تقليد متوارث عن الأجداد
موروث ثقافيّ على زخمه

يكاد لا يخلو بيت في قرى غرب بعلبك من زاوية أو غرفة أو مستودع صغير مخصّص لتخزين مرطبانات (مراطيب) المكدوس الزجاجيّة الشفّافة وخيش الكشك اليابس، بجانبها على الجدار، تتدلّى خيوط ملوّنة بالخضار المجفّفة مثل الفليفلة والبامية والبندورة المقدّدة.

لم يندثر هذا الموروث الثقافيّ- الغذائيّ كممارسة مجتمعيّة- عائليّة، فمع نهاية كلّ صيف، تعكف العائلات على تحضير المؤونة بشكل جماعيّ. وعلى الرغم من أنّ بعض العائلات الميسورة، بخاصة النساء العاملات خارج المنزل، يقدمن على شراء قسم من المؤونة، التي تحتاج إلى وقت ومجهود كبيرين كالكشك اليابس، فهنّ يشترينها من نساء يصنعنها في منازلهنّ، بهدف الحفاظ على بيتوتيّة وصحّيّة المنتج. كذلك فإن هناك أخريات يشترين المنتج نصف مصنّع مثل الباذنجان المسلوق والمعصور ويقمن بحشوه بأنفسهنّ.

في العادة تقوم عائلات بادّخار المال من غلّة الصيف، ليغطّي نفقات تحضير أصناف المونة المختلفة. يتّخذ الرجال القرار في جلسات استشاريّة مع النساء، كونهن خبيرات في الكمّيّات والأصناف، ثمّ يعكفون على احتساب غلّة البيدر، ليكون قرار كمّيّة المؤونة مبنيّاً على أساس الموارد الماليّة والزراعيّة المتوافرة. أمّا النساء فتقع عليهنّ مهمّة صناعة المؤونة بأنفسهنّ مع الدعم الجسديّ من الرجال عند الحاجة.

تقول إكرام حيدر من بلدة كفردان لـ”مناطق نت” إنّ “المونة لا تزال تقليداً أساسيّاً حتّى لو خفّت ممارسته عن السابق، فنحن تربّينا أنّه من الضروريّ أن نصنع مؤونة في البيت”. وتضيف: “إن تصنيع المؤونة يعتمد على المحصول الزراعيّ، فلكلّ موسم منتج معيّن، مثل البندورة والباذنجان والزيتون والعنب وغيرها”.

مؤونة بسواعد النساء

على الرغم من المجهود الجسديّ الكبير المبذول لإنتاج كلّ ما يلزم، إلّا أنّ النسوة يجتهدن ويتعاونّ لإعداد هذه الأصناف لتكون مطابقة لمزاج العائلة وتلبّي الحاجة الغذائيّة في فصل البرد، إذ تصبح مهمّة الخروج من المنزل صعبة وإيجاد هذه الأصناف بأسعار مدروسة مهمّة شبه مستحيلة أو شاقّة.

في حديثها لـ”مناطق نت”، تشير ريهام أسعد، وهي من بلدة حوش الرافقة، إلى أنّه “بالنسبة لنا كسكّان الأرياف، لا نتمكّن دائماً من إيجاد السلع التي نريدها ونكون بحاجة إليها في موسم الشتاء، لذلك نحضّر ما نحتاجه مسبقاً. فنحرص على تحضير المكدوس والفليفلة مثلاً، لأنّهما صحّيّان لجميع الأشخاص، ويتمّ تقديمهما كسندويشات أو مع الطبخ. أو شراب البندورة، ففي فصل الشتاء يرتفع سعر البندورة، لذلك نحضّر شرابها بكمّيّات تكفي فصل البرد”.

ريهام أسعد: خلال الحرب، كانت العائلات تُعدّ مناقيش الكشك على الصوبيا، أو تغلي الكشك مع البطاطا أو البرغل. لأنّ الكشك مطحون ويابس، كان من السهل حمله إلى أماكن النزوح”

وسيلة للصمود زمن الحرب

ليس غريباً أن تكون المؤونة أولى خطوط الدفاع والصمود في زمن الحرب، لكونها أصلاً إرثاً عن الأجداد، فكأنّها الأمانة التي تركها من سبق هذه الأجيال لتكون خشبة الخلاص في أشدّ الأوقات صعوبة لتمدّ أبناءها وبناتها بالقوّة والصبر لتحمّل الصعاب، إن كانت شتاءً قارساً أو جوعاً كافراً أو حرباً ظالمة.

تشرح هلا الديراني، وهي من بلدة قصرنبا، لـ”مناطق نت”: “في أيلول 2024، لم أجلب معي شيئاً من المؤونة التي كنت لتويّ قد انتهيت من تحضيرها. حيث نزحنا، كانت أسعار السلع مرتفعة جدّاً ولم يكن من السهل شراؤها. لكن في آذار (مارس) الماضي، عندما نزحت من جديد مع عائلتي جلبت معي مرطبانات المكدوس والكشك واللبنة قبل أيّ شيء آخر. لو أنّني لم أجلبها لكانت الكلف المعيشيّة فوق طاقتنا”.

شكلّ توسع الحرب بجولتيه ( 2024- 2026) أحد التحدّيات المستجدّة على هذه المنطقة، كونه مختلفاً عن حرب 2006، إذ طال القصف والنزوح كلّ المناطق الممتدّة من البقاع الأوسط إلى البقاع الشماليّ. في ظلّ موجات النزوح المجنونة هذه، عندما هامت الناس على وجوهها، حزم البعض مع متاع الهرب ما صنعته أيادي النساء ليكون أماناً في رحلة الخوف.

سند النازحين

هنا، تشير إكرام حيدر إلى أنّها حين نزحت مع عائلتها خلال التوسّع الأخير للحرب “حملنا معنا المكدوس والكشك وربّ البندورة. ساعدتنا المونة كي لا نشتري أغراضاً من السوق، خصوصاً وأنّ المناطق التي نزحنا إليها أسعار الاحتياجات فيها باهظة، فكنّا نلجأ إلى المؤونة في موضوع الطعام، وتحديداً الكشك، لأنّ لقمته تبرك وتقيت”. وتضيف: “ترتاح ربّة المنزل حين توجد المؤونة في البيت، في ظلّ الحرب والغلاء، تسندنا، وبخاصة في الشتاء، عندما يأتي مصروف المازوت”.

وتضيف ريهام أسعد “خلال الحرب، كانت العائلات تُعدّ مناقيش الكشك على الصوبيا، عوضاً عن ذهابهم إلى الأفران، أو تغلي الكشك مع البطاطا أو البرغل. ولأنّ الكشك مطحون ويابس، كان من السهل حمله إلى أماكن النزوح”.

تتابع أسعد: “في العام 2024، كنت أُعدّ المكدوس فيما كانت طائرة الاستطلاع تحوم فوق رأسي. حين توسّعت الحرب، كنت لا أزال في مرحلة سلق الباذنجان، نشّفته ووضعته في غالونات بلاستيكيّة كبيرة. حملتها إلى حيث نزحنا، من أجل أولادي، حبّة مكدوس في رغيف خبز، تشبع ولداً”.

وتؤكّد أسعد: “المؤونة ساعدت كثيراً من الناس، كنّا نعتمد عليها من ناحية تأمين الطعام. نزحنا إلى مناطق بعيدة وجبليّة، الأسواق كانت بعيدة منّا، فكانت المؤونة قوتاً لنا”.

ارتفاع الكلف وانخفاض الإنتاج

لم تنتهِ الحرب ولا تبعاتها، فالأوضاع المعيشيّة للعائلات في قرى غرب بعلبك لم تعد كسابق عهدها. هي بحال تراجع منذ بدء الأزمة الاقتصاديّة العام 2019. إلّا أنّها منذ ثلاث سنوات وهي في تراجع متسارع، وبخاصّة في أعقاب العدوان الإسرائيليّ والنزوح القسريّ الذي أجهز على مجمل المدّخرات، يضاف إليه تراجع مردود المحصول الزراعيّ. من الطبيعيّ، في ظروف مثل هذه، أن تتأثّر المؤونة في مستوى الكمّيّات التي تحدّدها العائلة بناءً على إمكاناتها المادّيّة، إذ تراجعت الكمّيّات إلى النصف تقريباً في غالبيّة الأصناف نظراً إلى ارتفاع أسعار المواد الأوّليّة.

تقول ابنة طاريا، دلال حميّة لـ”مناطق نت”: “في العام الماضي، بللت 40 كيلوغراماً برغلاً من أجل إعداد الكشك، أمّا هذه السنة، فاكتفيت بـ20 كيلوغراماً”. تشير حميّة إلى أنّ “سعر سطل لبن البقر يبلغ نحو 500 ألف ليرة لبنانيّة، والماعز نحو 600 ألف. في السنوات الماضية، كنت أضع قرابة 30 سطلاً للمدّ الواحد. هذه السنة، وضعت سطلاً لكلّ كيلوغرام من البرغل، أيّ 20 دلواً لـ20 كيلوغراماً”.

تضيف: “بلغ ثمن كيلوغرام البرغل دولاراً واحداً، وفي أماكن أُخرى في السوق يُباع بسعر 65 ألف ليرة لبنانيّة، وبالتالي، كلّفني إعداد 25 كيلوغراماً من الكشك السنة، مليون 500 ألف ليرة”. وتؤكّد حميّة أنّ الحال ذاتها تنطبق على إعداد الباذنجان، إذ “لا يمكن تقليل كمّيّته بشكل كبير، فقد اشتريت 70 كيلوغراماً من سوق الحسبة في بعلبك، حيث المنتجات من سهل القاع ويونين، طبعاً يُضاف إلى حسبة الباذنجان، الزيت والحشوة المكوّنة من الثوم والفليفلة والفستق الذي يُعدّ أقلّ كلفةً من الجوز”.

تحضير الكشك من أساسيات المونة البعلبكية
السوق ليست خياراً

بالنسبة إلى خيار شراء كمّيّات أقلّ من الكشك، على سبيل المثال، من السوق يُعدّ مخاطرة، نظراً إلى عدم توافر نوعيّة جيّدة يمكن الوثوق بها، كما تقول ياسمين الحاج لـ”مناطق نت”، إذ “يراوح سعر كيلوغرام الكشك اليابس في السوق بين 15 و25 دولاراً”. وبالتالي، على الرغم من سوء الأحوال المعيشيّة، إلّا أنّ هناك كثيراً من النساء يرفضن شراء المؤونة وخصوصاً الكشك من السوق، ولو اضطرت أن تصنع فقط 10 كيلوغرامات تكتفي بها لأنّها هي من صنعتها بيديها لعائلاتها.

فضلاً عن أنّ هذه الأسعار تجعل خيار شرائها غير ممكن بسبب غلائها، إلّا لمن استطاع إليها سبيلاً. وبطبيعة الحال، فإنّ أهالي هذه المنطقة يرزحون تحت وطأة أزمة تآكل القدرة الشرائيّة وتراجع التقديمات الاجتماعيّة الرسميّة منها وحتّى الحزبيّة أو الأهليّة.

كذلك توضح حميّة أنّ “العائلات تجمع كلّ غلّة تمّ جمعها من الأعمال الزراعيّة أو أيّ عمل آخر خلال الصيف، لتتمكّن من تأمين الميزانيّة الكافية لشراء المواد الأوّليّة للمؤونة وكذلك للمازوت والحطب، والمشكلة أنّ المادّتين ترتفع أسعارهما بطريقة جنونيّة، تصبّ كلّ أفكار الناس نحو البحث عن سبل لتأمينها”.

صراع مع الزمن

“حجر الصيف بينفع بالشتا”، مقولة موروثة تلخّص العلاقة العاطفيّة والوجدانيّة بالمؤونة الشتويّة، حيث لا يزال هذا الحجر يتركّز في المكان الصحيح فيقضي على الجوع الكافر في زمن الحرب، وكذلك يفعل في زمن البرد البعلبكيّ القارس. فهل ستصمد المؤونة كموروث ثقافيّ- غذائيّ أمام متغيّرات العصر الحديث واستمرار انهيار الأوضاع المعيشية في غرب بعلبك؟

  • «كابوس الميم» أو «ثلاثيّة الميم» هو تعبير شعبي شائع في لبنان وبلاد الشام ويطلق على الأعباء الماليّة والمعيشيّة الكبيرة التي تتزامن مع بداية شهر أيلول ومع موسم الخريف.  تتكون هذه الثلاثيّة من ثلاثة مصطلحات تبدأ بحرف الميم: المكدوس، المدارس، المازوت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى