وصيّة الحج محمّد: شجرة الرمّان تنتظر عودة أهلها

كان الهواءُ في غرفتنا الموقّتة ثقيلاً، كأنّه خشبٌ قديم يرفض أن يلج الرئة، لا يشبه أبداً هواء “البلاد” الذي كان يغسل الروح قبل الوجه، ويحمل معه دائماً رائحة الندى والتراب المبلول.
جلس “الحجّ محمّد” في ركنه المعتاد، مستنداً إلى وسادته الشاحبة، يرقب بجسده المنهك وغطائه الصوفيّ الغيماتِ الهاربات من النافذة، وكأنّها مرسالٌ سرّيّ يأتي من تلال الجنوب المحروقة كي يخبره أنّ الوقت حان. لم يكن الحجّ يبكي، فالدموع عند الرجال الذين شهدوا مواسم الزيتون وهي تُعمّد بالنار، وعاشوا مرارة التهجير، تتحوّل إلى ملحٍ دافئ يقبع تحت الجفون ليحفظ الذاكرة من التعفّن والنسيان.
التفت الحاج ببطء، وعيناه الغائرتان تلمعان ببريق الرحيل الوشيك، ونظر إلى حفيده الذي كان يجلس عند طرف الفراش، يمسك بيده المرتعشة. وبصوتٍ متهدّج يشبه حفيف الشجر المتعب إذ توشك ريحه أن تسكن، قال له: “يا بنيّ.. اسمعني جيّداً واكتب كلامي بدمعك إنّ جفّ حبرك. أنا هنا غريب، والجسد واهنٌ كما ترى، وأشعر ببرودة غريبة تسري في أطرافي، برودة لا يشبهها إلّا شتاء الشتات. أخاف يا ابني أن يدركني الموت في هذه الغرفة الضيّقة، بعيداً من شمس تشرق من خلف تلالنا”.
وتابع: “أنت اليوم وصيّتي. أنت الجسر الذي سيعبر فوق غيابنا. أنت الذي سيعود يوماً صوب البلاد، والبلاد هناك يا بنيّ لا تطلب في وصيّتي مالاً ولا طعاماً، بل تطلب فقط أن يظلّ السلامُ موصولاً، وألّا تنقطع سلالتنا عن ذاك التراب”.
وصيةٌ تعبر الغياب
صمت الجدّ قليلاً كي يستجمع أنفاسه اللاهثة، مستحضراً في تلك اللحظة صورة والده القديمة؛ ذاك الفلّاح العتيق الذي أخبره يوماً أنّ الشمس لا تغيب خلف الأفق لتنام، بل يفتتها الأجداد بأصابعهم الخشنة ليلاً، فينثرونها نجومًا تسهر في “الليل” الذي يحرس القرى والبيوت المهجورة.
وتابع يهمس بكبرياءٍ مبلّل بالوجع:
“جدّي لم يمت يا بنيّ، صار جزءاً من تراب عيناثا (بنت جبيل)، هو هناك في بنت جبيل وفي الخيام (مرجعيون)، عين ماء تمشي في وادي الحجير (بين أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطيّة)، وتسمع صوته في ضحكات الصغار الذين يتفركشون بدمعة الفراق قبل أن يشتدّ عودهم ويشتدّ حنينهم، وإليك وصيّتي الكبرى: إذا كُتبت لك العودة وقُدّر لي الغياب قبلها، ومررت بالليطاني (نهر)، فاصمت قليلاً، اخلع نعلَيك واحنِ رأسك، ودع النهر يخبرك عن عطشنا للأرض وعن حكايتنا التي ذابت في مياهه”.
وتابع: “إذا وصلت إلى النبطيّة أو وقفت على مشارف الخيام، ووجدت الجيران يتفقّدون ركام بيوتهم، قلّ لهم إنّ الحاج محمّد مات وقلبه هناك، معلّقٌ بغصن زيتون عنيد لم ينكسر ولن ينكسر. قلّ لهم إنّ عيوننا غلبها نوم الموت من فرط التعب، لكنّ أرواحنا تظلّ صاحية، ترصد كلّ حجر، وكلّ زاروب، وتطوف فوق كلّ حلمٍ حجبته عنّا الأيّام”.
“في ساحة الضيعة، تذكّر جيداً… كانت هناك أشجار رمّانٍ تملأ الدنيا بهجة باللون الأحمر والزهر النضر. قطعوا كلّ شيء وشرّدوا الظلّ، ولم يبقَ من ذلك البستان إلّا شجرة واحدة”.
الجنوب في ذاكرة المهجّرين
تنهّد الجدّ بمرارة غصّت منها حجرته، متذكّراً شالاً ضائعاً على تلّة شلعبون (قرب بنت جبيل)، يخصّ طفلةً تاهت كلماتُها وسط دخان القذائف وعتمة الملاجئ، وقال بصوت مخنوق:
“ستجد هناك في طرقات القرى من يسأل عن أهله الذاهبين نحو المجهول، وهو لا يعرف من حاله شيئاً… إذا رأيتهم يا بنيّ، لا تبكِ أمامهم، بل غنِّ لهم. غنِّ لتراب الجنوب غناءنا القديم، فالغناء في بلادنا هو صلاتنا الأخيرة لكي تنام الأرواح المتعبة بسلام، وهو هويّتنا التي لا تضيع”.
عصر الحاج محمد كفّ حفيده بقوّة فاجأت ضعف جسده، وضغط عليها بشوقٍ يختصر مسافات التهجير وألم السنوات السبعين:
“وفي ساحة الضيعة، تذكّر جيداً… كانت هناك أشجار رمانٍ تملأ الدنيا بهجة باللون الأحمر والزهر النضر. قطعوا كلّ شيء وشرّدوا الظلّ، ولم يبقَ من ذلك البستان إلّا شجرة واحدة. وحيدةً كأرواحنا في هذا الشتات البارد. أوصيك يا بني، إن وصلت إليها، اسقها من ماء عينيك إن جفّ ماء البئر وحرموك السقيا.. فبقاء تلك الشجرة مخضرةً هو صكّ عودتنا، وهو دليل على أنّنا سنرجع يوماً”.
شجرةٌ تنتظر العودة
أرخى الجدّ يده ببطء، وأغمض عينيه متعباً، مستسلماً لسكينة غريبة، بينما مضى الحفيد وصوت الوصيّة يتردّد في أعماقه، كأنّه جرس كنيسة عتيق أو آذان فجر يتردّد في الوديان.
وبقي الجدّ في ركنه يلملم ما تبقّى من حكايات وأنفاساً أخيرة، موقناً أن البلاد التي تسكنها قصائدُ الحنين والوصايا المكتوبة بالدم لا يمكن أن تضيع أبداً، وأنّ كلّ مهجّرٍ يحمل في صدره “رفّ حمام” سيندفع يوماً ما، رغماً عن الموت والغياب، ليعود ويهبط فوق السطح العتيق لبيوتنا.
نرفع عنها مناديل الحداد السوداء، لنعلن أنّ الموت كان مجرّد غيمة عابرة، وأنّ البلاد تشفى حين يعود إليها أهلها.



