سرطان الثدي… نساء بمواجهة الألم النفسيّ وكلف النجاة

في غرفة العلاج من سرطان الثدي، تتشابه الكراسي التي تجلس عليها النساء، لكن لكلّ واحدة منهنّ حكاية لا يعرفها أحد. امرأة تحاول إخفاء خوفها كي لا يراه أطفالها، وأخرى تحسب ما بقي في جيبها قبل أن تفكّر في موعد الجلسة التالية، وثالثة تتأمّل جسدها الذي أنهكه العلاج، ثمّ تنهض لتبحث عن مال سيتيح لها مواصلة الطريق.

هنا، لا يقف السرطان وحده في مواجهة المرأة؛ يقف إلى جانبه القلق والفواتير والمسافات والخوف من أن يأتي يوم تحتاج فيه إلى علاج ولا تستطيع الوصول إليه. ربّما تبدأ الرحلة بكتلة صغيرة، أو وخزة عابرة، أو حكة لا تبدو خطيرة. ثمّ تتوالى الفحوصات والصور والخزعات، حتّى تتحوّل الحياة إلى مواعيد طبّيّة وانتظار لنتائج لا تريد المرأة سماعها.

مع التشخيص، تجد المرأة نفسها أمام واقع جديد، وأسئلة لا تتعلّق بالصحّة وحدها: كيف ستؤمّن أموال العلاج؟ ماذا تفعل حين تعجز عن دفع الكلفة؟ وكيف تتعامل مع حالتها النفسيّة؟ خلف هذه الأسئلة تختبئ حكايات نساء لم يواجهن المرض وحده؛ حكايات تكشف الوجه الأقلّ ظهوراً للسرطان، إذ لا يكفي الأمل لمواصلة الطريق، ولا تنتهي المعاناة دائماً عند آخر جلسة.

حين تصبح الكلفة عبئاً

بسبب اندلاع الحرب، انتظرت زهرة الخطيب نحو شهرين بعدما أكّدت الفحوصات والخزعة إصابتها بسرطان الثدي، كي تتلقّى نحو خمس أو ستّ جلسات تفصل بينها 21 يوماً، قبل الانتقال إلى جلسات أسبوعيّة. لم يكن الطريق من شتورة إلى بعلبك تفصيلاً عابراً، استنزف وقتها وطاقتها ومالها، فيما لم تغطِّ المساعدة التي حصلت عليها من وزارة الصحّة كلّ الأدوية التي احتاجت إليها.

 تقول الخطيب لـ”مناطق نت”: “اضطررت إلى تفويت نحو جلستين بسبب عدم قدرتي على الدفع، وبعد انتهاء العلاج، تأخّرت شهرين إضافيّين عن موعد المتابعة الطبّيّة، لأنّني لم أستطع تأمين المال اللازم”.

من البقاع إلى الجنوب، وجدت ريهام جعفر نفسها أمام رحلة أكثر تعقيداً، بعدما أدّى تشخيص خاطئ إلى تأخير حصولها على العلاج الملائم أشهراً عدّة. كانت الكلفة اللازمة هي 20 ألف دولار أميركيّ، فسافر زوجها لتأمين الأدوية، وأنشأت هي رابطاً للتبرّعات.

“لم تقتصر النفقات على الأدوية؛ فأضافت الفحوصات والصور والتنقّل من الجنوب إلى بيروت أعباء أخرى، واضطررت أحياناً إلى تأجيل جلسات أو فحوصات، وزاد الأمر سوءاً حين تركت عملي بسبب الغياب المتكرّر والإرهاق”، تقول جعفر لـ”مناطق نت”.

يسجّل لبنان أكثر من 3800 حالة سرطان ثدي سنويّاً، ويشكّل المرض نحو 23 في المئة من مجمل حالات السرطان في البلاد.

الوضع الاقتصاديّ يُفاقم المرض

في حديثه لـ”مناطق نت”، يؤكّد الطبيب وجدي ضوّ، متخصّص أمراض الدم والأورام أنّ “تأخير العلاج أو عدم الالتزام بمواعيده قد يؤثّر في مسار المرض، إذ يمكن أن يؤدّي إلى تراجع فعاليّة الخطّة العلاجيّة أو إلى تقدّم المرض في بعض الحالات. هكذا، لا تتعلّق المشكلة دائماً بعدم توافر الدواء نفسه، بل أحياناً بعجز المريضة عن تحمّل المصاريف المحيطة في الحصول عليه ومتابعة علاجها”.

يضع ضوّ هذه المشكلة في سياق الظروف الاقتصاديّة الصعبة التي يعيشها اللبنانيّون. ويحذّر من أنّ “عدم القدرة على تحمّل الكلف ربّما يدفع بعض المرضى إلى تأجيل العلاج أو التوقّف عنه، على رغم وجوب أن يُعطى وفق جدول زمنيّ محدد”.

من يتحمّل الكلفات؟

يوضح ضوّ أنّ “وزارة الصحّة العامّة تؤمّن أدوية سرطان الثدي للمرضى المستفيدين من تغطيتها مجّاناً، بحيث يُخصَّص الدواء لكلّ مريض على اسمه، ولا يُصرف لمريض آخر. وفي حال لم يعد المريض بحاجة إلى دواء أو لم يستخدمه، يُعاد إلى الوزارة”، مضيفاً: “إنّ تأمين الدواء لا يعني بالضرورة تغطية جميع المصاريف المرتبطة بالعلاج. فهناك كلف أخرى تتحمّلها المريضة، تشمل بعض الفحوصات والصور الطبّيّة والمتابعة الدوريّة، إلى جانب كلف الاستشفاء التي تختلف بحسب المستشفى والخدمات المقدّمة”.

ويضرب ضو مثلاً على ذلك بفحص التصوير المقطعيّ بالإصدار البوزيترونيّ (PET scan)، موضحاً أنّ “كلفته قد تصل إلى نحو 450 دولاراً، وربّما تتجاوز ذلك لتبلغ 500 أو 600 دولار، فيما يمكن أن تنخفض إلى نحو 280 دولاراً في بعض الحالات التي تستفيد من مساهمة الوزارة”، ويشير إلى أنّ “الاستشفاء يشكّل عبئاَ إضافيّاً، إذ تختلف الكلفات بين مستشفى وآخر، وقد تكون المستشفيات الحكوميّة خياراً أقلّ كلفة لبعض المرضى. لكن حتّى عندما يتوافر الدواء مجّاناً، تبقى المصاريف الأخرى عائقاً أمام استكمال العلاج”.

وقد أعلنت وزارة الصحّة العامّة، في الثامن من تشرين الأوّل (أكتوبر) الجاري، إتاحة التصوير الشعاعيّ للثدي مجّاناً للنساء فوق سن الأربعين في المستشفيات الحكوميّة على مدار العام، ضمن برنامج الكشف المبكر. ويسجّل لبنان أكثر من 3800 حالة سرطان ثدي سنويّاً، ويشكّل المرض نحو 23 في المئة من مجمل حالات السرطان في البلاد.

صورة المرأة لجسدها

بدأت قصّة أماليا كسّاب بوخزات عميقة وحكّة، ثمّ اكتشفت كتلة تبيّن أنّها سرطانيّة. حاولت استيعاب الخبر سريعاً، لكنّها كانت تفكّر أيضاً في طفليها البالغين 11 و16 عاماً، أرادت أن تبدو قويّة أمامهما. خضعت للجراحة، ثمّ تلقّت ستّ جلسات من العلاج الكيميائيّ تفصل بينها 21 يوماً، تلاها علاج شعاعيّ يوميّ لنحو 30 يوماً.

“كانت الأيّام الأربعة التالية لكلّ جلسة هي الأصعب. عانيت الصداع ومشكلات في العينين وأعراضاً أخرى، وتحسّست من بعض الأدوية، تساقط شعري، وارتفع وزني من نحو 51 إلى 64 كيلوغراماً”، تصف كسّاب تجربتها لـ”مناطق نت”.

أماليا كسّاب: تساقط شعري، وارتفع وزني من نحو 51 إلى 64 كيلوغراماً.

وجع نفسيّ يرافق رحلة النساء

لم تنتهِ معاناة كسّاب بانتهاء جلسات العلاج. فبعدها، اشتدّ الصداع وبدأ الخوف يلاحقها، حتّى خشيت أن تكون قد ظهرت كتلة سرطانيّة جديدة. وبعد مراجعة الطبيب، تبيّن أن ما تعانيه مرتبط بالضغط النفسيّ، فبدأت بتناول دواء لعلاج الاكتئاب. تقول كسّاب: “اكتشفت أنّ الخروج من رحلة العلاج لا يعني الخروج من الخوف، وأنّ النفس قد تحتاج إلى وقت أطول كي تستعيد شعورها بالأمان”.

في حديثها لـ”مناطق نت”، تلفت الاختصاصيّة النفسيّة ريتّا إلى أنّ “تشخيص السرطان قد يثير مشاعر متداخلة، من الصدمة والإنكار إلى الحزن والغضب والخوف من المستقبل. وربّما تتغير علاقة المرأة بجسدها بعد تساقط الشعر أو الخضوع للجراحة، فتشعر بأنّ صورتها عن نفسها لم تعد كما كانت. كذلك تتداخل هذه المشاعر مع القلق على الأبناء والعمل والدخل، وقد تستمرّ آثار التجربة النفسيّة حتّى بعد انتهاء العلاج الطبّيّ”.

وتشدّد جحا على “ضرورة الاستماع إلى المريضة، وإتاحة المجال لها في التعبير عن خوفها من دون مطالبتها الدائمة بالقوّة والتفاؤل، فالإيجابيّة القسريّة ربّما تجعلها تشعر بأنّها مضطرّة إلى إخفاء ألمها حتّى لا تُقلق الآخرين، وما تحتاج إليه ليس كلمات تطلب منها الصمود، بل حضور يصغي إليها ويحترم مشاعرها، ومساندة تساعدها في استعادة توازنها، فالنجاة لا تعني أن تنتهي التجربة من داخل المرأة؛ أحياناً، ينتهي العلاج وتبقى المعركة الصامتة لاستعادة الحياة”.

ما لا تظهره التوعية

تُظهر حملات التوعية امرأةً تجري صورة شعاعيّة، أو طبيباً يشرح أهمّيّة الكشف المبكر، أو ناجيةً تستعيد حياتها. وهذه خطوات ضرورية، لكنّها لا تروي القصّة كاملة. فخلف الصورة ربّما تقف امرأة تنتظر المال كي تبدأ العلاج. وقد تقف أسرة باعت ما تملك.

تبدأ الحكاية بكتلة صغيرة، لكنّها سرعان ما تمتدّ إلى تفاصيل الحياة كلّها. ربّما تختلف تجارب النساء مع سرطان الثدي، لكن جميعهنّ يواجهن واقعاً واحداً: مرضاً يستنزف الجسد، وخوفاً يثقل النفس، وظروفاً قد تجعل مواصلة العلاج معركةً بحدّ ذاتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى