حبيبتي الضاحية… كلّ الشوارع تعيدني إليك

من بين كلّ مقاطع الحرب التي شاهدتها على مدار العامين الماضيين، في رأسي مقطع فيديو لا أنساه، يعود إلى حرب 2024، وتحديداً إلى اللحظات الأولى بعد قَصِف إسرائيل مبنى مطعم حرقوص قرب جسر صفير، وتغييرها ملامح الشارع بأكمله.

لم تكن تلك الضربة الأكبر في الحرب، ولم يكن الفيديو هو الأقسى مقارنةً بغيره، لكنّني لسببٍ ما، لا أزال أذكره جيّداً، بكلّ تفاصيله. ربّما لأنها كانت المرة الأولى التي أرى فيها ذلك الشارع صامتاً على هذا النحو، أو لأنّها كانت المرّة الأولى التي أشعر فيها كم أنّني أحبّ ضاحية بيروت الجنوبيّة.

حبيبتي الضاحية

قبل أيّام، صادفني منشور على إنستغرام يضمّ مجموعة صور تمّ التقاطها من قلب الضاحية، وعلى عكس الفيديو الكئيب الذي يسكن رأسي، كانت الصور مليئة بالحياة، بدايةً بشخص يحمل “سندويشاً” من مطعم الآغا، مروراً بعربة خضروات أصادفها دائماً عند حافة الطريق في منطقة الغبيري، وصولاً إلى واجهة دكّان في الحيّ نفسه الذي أقطن فيه.

أيقظ المنشور في داخلي حنيناً هائلاً تجاه الضاحية، وبمجرّد دخولي إلى قسم التعليقات، أدركت أنّني لم أكن وحدي، كان تعليق “حبيبتي الضاحية”، مصحوباً ببضعة قلوب حمراء، هو الأكثر تكراراً وحضوراً.

قد يبدو أمراً غريباً نوعاً ما أن يطلق أحدهم على منطقته وصف “حبيبتي”، لكنّه ليس غريباً على أهل الضاحية، الذين يعاملون منطقتهم كأنّها إنسان له وجوده وكيانه، ولا يخجلون من التباهي بحبهم تجاهها، فتسمعهم يقولون: “ما في مثل هوا الضاحية”، و”دخيل تراب الضاحية”، وغيرها من العبارات الرومانسيّة التي تختصر علاقتهم بها، وكأنّها المنطقة الأجمل في هذا العالم كله.

شاركت المنشور فور انتهائي من قراءة التعليقات، ولم أجد أنسب من عبارة “حبيبتي الضاحية” للتعبير عمّا أرغب في قوله فعلاً.

بعد انحسار الحرب، ذهبت فوراً في جولة كي أتفقّد شوارع الضاحية،كان الأمر قاسياً أن يتجوّل المرء في مدينته بعدما أفرغ عليها بضعة طيّارين لا يعرفهم مئات القنابل والقذائف.

لماذا أحبّها؟

يبدو الأمر بديهيّاً في ظاهره، أن يحبّ الإنسان منطقة ينتمي إليها، أو حيّاً أو شارعاً، لكن بالنسبة إليّ، كفلسطينيّ يعيش في الشتات، فالأمر مختلف قليلاً، إذ لا تربطني بالضاحية صلة دم، ولكنّني وُلدت وعشت فيها، من دون أن يكون لي خيار في الموضوع. ومع ذلك، فإنّني أقول عنها مثلما يقول أهل البلد وأكثر، ولا أرى في كلامهم مبالغةً على الإطلاق، فلا شعور يضاهي راحة العيش في منطقة لا تفرض عليك أن تكون مثاليّاً، ولا تحتاج فيها إلى أن تتظاهر بأيّ شيء لا يشبهك.

أذكر جيّداً، في بداية مراهقتي، عندما بدأ يكثر احتكاكي في العالم الخارجيّ، كنت أتردّد عند الإجابة على سؤال: “من وين أنت؟” ظنّاً بأنّ الإجابة ستجرّدني من الامتيازات التي أملكها في عين من يسألني، وستحوّلني إلى مجرّد غريب بالنسبة إليه وللمنطقة. لكنّني، في كلّ مرة كنت أجيب فيها، كنت أفاجأ بردّ فعل الناس، وترحيب أهل الضاحية الحارّ بي، كان ذلك يزيد من شجاعتي عند الإجابة في المرة التالية، حتّى صرت أقولها من دون أدنى تردّد.

لا أذكر، ولا حتّى لمرة واحدة، أن إجابتي غيّرت أمراً بالنسبة إلى من يسألني، فالناس في الضاحية لا يشبهون شيئاً ممّا يقال عنهم، ولا تعنيهم أيٌّ من المعايير التي يتّهمهم البعض في اعتمادها. يكفيك أن تزورهم مرّة، أو تعيش بينهم مثلي، لتعرف ذلك وتشعر به.

قبل مدّة، أخبرني صديق لي يعيش خارج الضاحية بأنّه اضطرّ إلى زيارتها كي يشتري غرضاً محدّداً، لكنّه فوجئ باهتمام كبير من البائع عندما أخبره بأنّه ليس من المنطقة، إلى درجة أنه منحه تخفيضاً في السعر لم يطلبه. قلت له يومها إنّه إذا توقّف عن الاستماع إلى ما تقوله نشرات الأخبار وأكاذيب مواقع التواصل، فسيجد هذا البائع من حوله في كلّ مكان في الضاحية.

بين شوارعها وأزقّتها

لا يختلف شكل الحياة في الضاحية كثيراً عن بساطة أهلها وعفويّتهم، فهي لا تزال على الحال نفسها التي عرفتها بها مذ أن كنت طفلاً: مريحة وحقيقيّة، وبعيدة كل البعد من تعقيدات العالم ومظاهر التصنّع فيه، على رغم أنّ فيها كلّ ما قد تحتاجه مدينة لتقوم بنفسها، وأقول مدينة لأنّها أقرب إلى أن تكون مدينة بالفعل.

لا يمكنك التجوال في أيّ شارع من شوارع الضاحية من دون أن تمرّ، في الأقلّ، بدكّان واحد، وبائع خضار، ومتجر ألبسة، ومقهى شعبيّ، وأيّ محلّ قد يخطر في بالك. هناك احتمال كبير في أن تكون هذه المتاجر كلّها متلاصقة عند رصيف واحد، في مشهد أعتبره بحدّ ذاته ميزةً لا تجد مثلها في أيّ مكان آخر.

فمثلاً، خلال نزوحِي الأوّل العام 2024، أذكر أنّني عانيت في العثور على مقهى واحد في المنطقة التي كنت نازحاً إليها، وبالصدفة وجدت دكّاناً لا يضطرّني إلى المشي مسافات طويلة، وكنت في قمّة سعادتي عندما دلّني أحدهم على سوبّر ماركت لا تقفل أبوابها قبل منتصف الليل. لم يكن أيٌّ من هذا أمراً أفكّر فيه قبل الحرب، إذ كنت أعتبر هذه المشاهد كلّها من البديهيّات، لكنّني اكتشفت لاحقاً أنّها ليست كذلك، وأنّ الحياة في الضاحية ليست نفسها في كثير من الأماكن الأخرى.

بالطبع، لم يغيّر هذا من امتناني للمنطقة التي احتضنتني في نزوحِي الأوّل والثاني، ولكنّه كان واقعاً مختلفاً لم أتمكّن من التأقلم معه، ولم أعتبره سوى سبب إضافيّ كي أتأكّد من أنّني لن أغادر الضاحية مهما حدث.

أحد شوارع الضاحية بعد الحرب
هل غيّرت الحرب شيئاً؟

بعد انحسار جولة الحرب الثانية، قرّرت عائلتي العودة إلى الضاحية، وبمجرّد وصولنا، ذهبت فوراً في جولة كي أتفقّد شوارع المنطقة، من برج البراجنة إلى الشيّاح. كان الأمر قاسياً، مثل كلّ مرّة، أن يتجوّل المرء في مدينته بعدما أفرغ عليها بضعة طيّارين لا يعرفهم مئات القنابل والقذائف، إلّا أنّني على غير المتوقّع، شعرت بارتياح كبير، إذ كان حجم الدمار أقلّ ممّا كنت أتخيّله، فحمدت الله على ذلك، ثمّ، لوهلة، ضحكت.

ماذا يعني أن تحمد الله لأنّ مبنى واحداً سقط في شارع بيتكم بدلاً من أن تسقط خمسة مبانٍ؟ ثمّ ماذا لو كان هذا هو مبنى بيتكم نفسه؟ هل سيكون الأمر مريحاً في الشكل نفسه؟ وهل سأحمد الله حينها للسبب عينه؟

حاصرتني تلك الأفكار كلّها دفعة واحدة، ثمّ تبدّدت في لحظة، بعد أن لاحظت أنّ الناس في الضاحية يملؤون الشوارع بالفعل، وأنّ الحياة التي أرادت إسرائيل اقتلاعها من هذا المكان عادت إلى كلّ زاوية فيه. حتّى في المناطق التي سقطت فيها عشرات المباني، وابتلعت القذائف معظم ملامحها، عاد الناس إليها، وكأنّ شيئاً لم يكن.

لهذا نعود دائماً

لم تعد الحياة خارج الضاحية فكرة سيّئة، بل على العكس تماماً، ربّما هي فكرة أكثر صواباً ومنطقيّة هذه الأيّام. فمن الذي يرغب في العيش في منطقة يحاصرها شبح الحرب، منتظراً فرصته كي ينقضّ عليها؟ ومن الذي يختار المجهول عن سابق إرادة وإصرار كي يكون مصيره؟ يبدو هذا ضرباً من الجنون.

لكن لأنّها الضاحية، بكلّ ما قلته عنها، وبمعظم ما لم أقله، فالجنون هو ضريبة أهون بكثير من كلفة العيش بعيداً منها. اختبرت البعد، وكنت في كلّ مرة أزداد يقيناً بأنّني سأظلّ أختار الضاحية كلّما سنحت الفرصة، وسأظلّ أُحبّ التجوال بين شوارعها المدمّرة، والسهر في مقاهيها الشعبيّة، والعيش غريباً وسط أهلها وناسها، الذين عانوا الويلات داخل حدودها، وفقدوا فيها ما فقدوا، ومع ذلك، كانوا في عزّ الفقد والموت يعودون إليها في كلّ مرّة كي يردّدوا عبارة: “ما في مثل هوا الضاحية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى