الألم… مجزرة دائمة بحقّ الجسد الموجوع

كم كان المؤرّخ والفيلسوف والجغرافيّ اليونانيّ بوسيدونيوس كاذباً حين خطّ العبارة الآتية: “خذ وقتك أيّها الألم، فمهما كنت لجوجاً ومزعجاً لن تقنعني أبداً بأنّك شرّ”.

فأن يكون المرء سجين جسد لا يتعرّف فيه على نفسه بسبب ما يعتريه من ألم، فإنّ الألم ساعتئذ هو شرّ، شرّ محض من أبرز صفاته سَوْق المتألّم إلى خلخلة الطابع العاديّ للعلاقات مع العالم ومع الذات بصورة رئيسة.

كم كان بوسيدونيوس كاذباً في عبارته أعلاه، وذلك على ضوء تلك الفعاليّة الغامضة للألم، وذلك التعسّف المضني الذي يمتاز به، فضلاً عن شهوته التي قد تصل إلى حدود القتل… إلى ما تحت التراب.

الألم وخلخلة العلاقة بالعالم

فمع الألم، وبصرف النظر عن تمركزه في هذا العضو المصاب أو ذاك، فإنّ بداهة التصوّرات الإنسانيّة حيال كلّ شيء تكون محلّ علامة استفهام ضخمة، محلّ انقلاب جذريّ، بل ومحلّ فوضى تراها في المشاعر والانفعالات، وهي فوضى تتقن عملها إلى حدّ الهلاك. إنّ الألم في بعده الأكثر عمومّية هو فكّ أواصر العلاقة مع العالم، ومن ثمّ اختزال الجسد في مشهدين، مشهد الرغبة في التخلّص من الألم عبر العلاج، ومشهد الرغبة في الموت إذا كان العلاج مستعصياً.

فليس هناك من وجع جسديّ لا يتردّد صداه في كلّ الأنحاء، بل وفي ما يتجاوز الجسد الموجوع، لنرى الألم في هذا الصدد غير متمركز في هذه الناحية الجسديّة أو تلك، بل في كلّ الأنحاء، وليس من قبيل العبث في هذا السياق تحديداً أنّ ثمة من كتب عن وجع الأسنان وقد أضناه هذا الوجع، العبارة الآتية: “إنّ وجع الأسنان لا يوجد في السنّ فقط، إنه يوجد في العالم”.

فضلاً عن متانته وقوّة شكيمته وتملّكه من الجسد إلى أقصى الحدود، فإنّ للألم تلك القدرة على رمي الإنسان في أبعاد غير منظورة، أبعاد تقتات على الحيرة والغموض وعلى نسف كلّ الطقوس اليوميّة للحياة العاديّة. فمع الألم يتحوّل الكائن البشريّ إلى مجرّد بَوْح صامت أو بَوْح صاخب لحقيقة أخرى، حقيقة أنّ هذه الحياة تجيد التشفّي من بداهة حضورنا العاديّ والمألوف في العالم لأسباب يراها البعض حقّة، والبعض الآخر يراها غامضة، وفي البال بهذا الصدد الجذر اللغويّ لكلمة (pain) ألم الإنكليزيّة.

فهذه الكلمة تحيل إلى دلالات تتجاوز محض الألم الجسديّ لنكون إزاء دلالات أخرى لها علاقة بالعقاب الإلهيّ والبلاء المبرّر، وما يعزّز هذه الدلالة الأخيرة الجذر اللاتينيّ لكلمة pain، والذي يحيل حرفيّاً إلى الجزاء والعقاب وصولاً إلى الطهارة الروحيّة poena!

مع تطوّر الطبّ والمسكّنات، ترى الألم قد خفّض من حدّة كبريائه.

سرّ البوح والفضيحة

إنّه الألم، ذلك السرّ الذي تراه يجيد البوح ربّما إلى حدود الفضيحة، وليست طقوس التعبير عنه إلّا تمظهرات لهذه الفضيحة التي في بعض المناسبات قد تكون مدويّة، وقد تكون معيبة، وقد تكون مرهقة لذوي المتألّم إلى حد الإنهاك.

صيغت كثير من العبارات التي حاولت شرح الألم أو وصفه أو وضع تعريف له، وهي عبارات تقوم بغالبيّتها الساحقة على المجاز والاستعارة والتخمين، بيد أنّ كلّ الكلمات تراها وقد مالت عن جادّة الصواب أمام مخالب الألم الحادّة، وربّما العبارة الأكثر فصاحة في هذا الصدد هي أنين المتألّم أو صمته المدوّي أو تحديق نظراته أو تطايرها.

فأن يصير العالم بمثابة الفائض عن الحاجة في حضرة هذا العضو الجسديّ المعطوب أو ذاك، فإنّ الكلام عندئذ هو رهن حيرة قاتلة. فالانغماس في ألم مبرّح هو بمثابة جرجرة الجسد للوقوف على أطلال وجوده السابق، دفع هذا الجسد إلى لملمة ما تبقّى له من جدران منتصبة، وفي كلّ هذه الحالات ستكون الكلمات محلّ تضعضع وغياب وحيرة.

الألم والمجزرة الدائمة

إنّ الألم في بعض مفاصله هو أقرب إلى تلك المجزرة الدائمة بحق الإنسان المتألم، وهي مجزرة بغاية الخبث والشدّة لا تملك حتّى فضيلة أن تكون حاسمة. وما يعزّز من هذا الخبث المضني وفاء الألم في علاقته مع هذا العضو الجسديّ المعطوب أو ذاك، وهو ما دفع نيتشه (الفيلسوف الألماني) إلى تشبيه ذلك الألم الذي قد ألمّ به في إحدى سنيّ عمره بالكلب الوفيّ، ذلك الكلب الشديد الوفاء والذي يأبى أن يترك صاحبه، بل تراه لشدّة وفائه ينخرط في علاقة تشابكيّة لا سبيل لانفكاكها.

إنّه الألم، حيث ذلك الاستدراج الفظّ للجسد كي يتوه عن كلّ لحظات الصحّة والعافية. إنّه الألم، حيث ذلك النسف المدروس لذاكرة الجسد المعافى. فأن يجد المرء نصيراً مخلصاً لموته عبر تلك الأوجاع الجسديّة المضنية، فإنّ معنى الحياة عندئذ تراه لا يستقرّ إلّا في تلك الرغبة العارمة بالموت.

ذاكرة الألم ومملكة المرضى

مع تطوّر الطبّ والمسكّنات، ترى الألم وقد خفّض من حدّة كبريائه، بيد أنّ ذكراه لا تني تردّد أصدائه المتشعّبة. فللألم تلك القدرة الهائلة على شحن الذاكرة بمآثره العويصة حتّى بعد التخلّص منه، إذ ليس من يسر الأمور التخلّص من موت تراه قد استعار المرء لأيّام ولشهور وربما لسنوات قبل أن يرحل بقوّة العمليّات الجراحيّة مثلاً أو المسكّنات والأدوية.

أراني في هذه النقطة بالذات محلّ رغبة لذكر عنوان الكتاب الرائع للفيلسوفة الأميركيّة سوزان سونتاغ عن الأمراض وآلامها: “المرض كاستعارة”، حيث تفتتح سونتاغ كتابها وإلى حدّ ما تنهيه بالعبارة الآتية: “المرض هو الجانب المظلم من الحياة. إنّه مواطَنة مرهقة وشاقّة… ومع إنّنا جميعاً نفضّل أن نحمل جواز سفر مملكة العافية، فنحن مجبرون عاجلاً أم آجلاً، في الأقلّ لمدّة من الزمن، أن نعدّ أنفسنا مواطنين في مملكة المرضى”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى