نزوح قسريّ وأمان مفاجئ حينما تُعيد القرية تشكيل الحياة

لم يكن الانتقال إلى القرية خيارًا تفضيليًّا للعودة إلى مسقط الرأس، ولا رحلة استجمام في الطبيعة، بل هو هروب قاس ومؤلم تحت ضغط الإنذارات والخوف.

خرجت عائلة خالد بحلق من منزلها في الضاحية الجنوبية – الحدث على عجل، تاركة وراءها تفاصيل الحياة اليوميّة، وعش الزوجية الهانئ، لتجد نفسها في قريتها عرسال البقاعيّة، تستقبلها بوجه مختلف عمّا عرفته قبل نحو رُبعِ قرن.

تقول الزوجة منال: “طلعنا غصب عنّا، كنّا مفكرين إنّو رايحين على مرحلة أصعب، بس اللي صار كان مزيجًا غريبًا بين الخوف والأمان”.

فمنذ اللحظة الأولى بدا المشهد مختلفًا. الأشجار مزهرة تحتفي بقدوم الربيع، وألوان الطبيعة خفّفت من وطأة الخوف. تراجع وقع الحرب، وبدت القرية وكأنّها مساحة موقّتة للنجاة.

مساحات مفتوحة

في الضيعة اكتشف الأولاد حياة لم يعرفوها من قبل. مساحات مفتوحة، حرّيّة كاملة في الحركة، وعلاقات اجتماعيّة بلا تعقيدات “ليس هناك حدود بين الناس، فالكلّ يعرف الكلّ، والتحيّات متبادلة، والزيارات تتمّ من دون مواعيد مسبقة” تقول منال، مشيرة إلى جانب إيجابيّ وآخر مزعج في الوقت نفسه، حيث تتضاءل نسبة الخصوصيّة لصالح الحياة المشتركة.

لكن الحياة لم تكن سهلة. التدفئة مثلًا شكّلت تحدّيًا يوميًّا، وغياب بعض مقوّمات الراحة فرض على العائلة التكيّف مع واقع جديد. على رغم ذلك تحوّلت جلسات “الصوبيا” ولمّة “عدّة المتّة” إلى مصدر دفء وجدانيّ يتجاوز البعد المادّيّ.

رائحة المناقيش والطلامي

مع الوقت، بدأت العائلة تكتسب مهارات جديدة فرضتها بساطة العيش القرويّ. تعلّموا إعداد اللبنة بالزيت والكشك البلديّ لتأمين الطعام اليوميّ. أمّا اجتماع النساء لإعداد خبز التنّور العربيّ وكعك الضيعة فتلك قصّة أخرى “تجربة لا تُنسى من قصص قرى لبنان الجميلة” بحسب الابنة الشابّة لميس “فريحة المناقيش والطلامي والخبز الساخن لا يمكن نسيانها، بتفتح النفس عالأكل” وتًضيف ضاحكة “أكيد بيزيد الوزن”.

الكَرَم القروي يُولد بالفطرة ومن البديهيّات المتوارثة. الجيران يصرّون على الاستضافة، حتّى لو على كوب ماء، والزيارات اليوميّة تحوّلت إلى سلوك روتينيّ متكرّر “إذا ما بتروح لعند حدا عزمك، تاني نهار لازم تروح تعتذر” تضيف منال.

في الأزقّة الضّيقة وساحة الضيعة، تعرّفت العائلة إلى شبكة علاقات جديدة، حيث يبدأ التعارف بسؤال تقليديّ: “أنت ابن مين؟”. سؤال يعكس طبيعة الانتماء في القرى، حيث الهويّة مرتبطة بالعائلة والجذور.

في الضيعة يبدأ التعارف بسؤال تقليديّ: “أنت ابن مين؟”. سؤال يعكس طبيعة الانتماء في القرى، حيث الهويّة مرتبطة بالعائلة والجذور.

تجربة جديدة

التجربة لم تقتصر على الكبار. فالأولاد احتكّوا بالحيوانات والطبيعة عن قرب، من الدجاج والماعز إلى الطيور، إلى “الكزدورة” على ظهر حمار، وتعلّموا التعامل معها برحمة، في مشهد مختلف تمامًا عن نمط الحياة اليوميّ في المدينة.

وعلى رغم كلّ الإيجابيّات، لم تغب التحدّيات: التداخل في الخصوصّيات، وصعوبة بعض تفاصيل العيش، شكّلا جانبًا من الواقع القرويّ. إلّا أنّ ما يبقى في الذاكرة هو مشهد التضام. “الناس احتضنونا بطريقة لا توصف، كانوا يروننا بأعينهم، ويحسّون بنا بقلوبهم” تقول منال.

العودة من النزوح

عند انتهاء فترة النزوح، لم تكن العودة إلى المدينة مجرّد انتقال جغرافيّ. فقد حملت العائلة معها تجربة ولّدت فيها خصالًا جديدة، صبرًا أكبر، هدوءًا أكثر، قدرة على التحمّل، وحنينًا إلى بساطة الحياة.

“ربّما لن نعود إلى الإقامة الدائمة في القرية، لكن بالتأكيد ستكون زياراتها أكثر، فقد حملنا في داخلنا كثير الكثير من قيم القرية وبساطة الحياة فيها” وتختم منال قبل أن تضيف بغصّة “لحظة الوداع ستعيش معنا إلى الأبد، لأنّها تختصر حقيقة الناس، بكل نبلهم وطيبتهم وإنسانيّتهم”.

في بلد تتوالد فيه الأزمات والمشاكل، ويفتقد الحلول العمليّة المستدامة. تتحوّل التجارب المرّة كالنزوح، إلى أكثر من مجرّد انتقال قسريّ، فتصبح فرصة لاكتشاف وجوه أخرى للبنان، حيث لا تزال القرى تحتفظ بشيء من إنسانيّة مفقودة في أماكن أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى