تخفيفًا لمعاناتهم القاع ورأس بعلبك تشرّعان مدارسهما للنازحين

لم تمرّ دقائق على بدء الغارات الإسرائيليّة مستأنفة بشكل عنيف الحرب التي لم تتوقّف أصلاً على لبنان، حتّى اختنقت الشوارع بالسيّارات حاملة النازحين من مناطق الجنوب والضاحية الجنوبيّة لبيروت وبعلبك- الهرمل بحثًا عن مناطق أكثر أمنًا، فأمضى النازحون ساعات طويلة على الطريق لا يعرفون أين يذهبون. وبسبب ذلك إضافة إلى الازدحام، أمضى قسم كبير منهم ليلته في السيّارة أو على حافّة الطريق ريثما يجد منزلًا أو مركز إيواء.
من أقصى الجنوب والضاحية، قصد النازحون البلدات الواقعة في البقاع الشماليّ كرأس بعلبك والقاع، فنزحوا إليها، حيث تمّ افتتاح مركزيّ إيواء في رأس بعلبك، أحدهما متوسّطة رأس بعلبك الرسميّة، والآخر بمبادرة فرديّة من أحد أبناء البلدة رفعت نصرالله الذي لم يتوانَ عن تحويل الشاليهات الخاصّة به إلى مكان لإيواء النازحين.
عن أعداد النازحين في متوسّطة رأس بعلبك الرسمية، تقول مديرة المدرسة نزيهة مراد، إنّ “المدرسة تضمّ حوالي 103 نازحين من مختلف أنحاء البقاع، لا سيما من زبود، التوفيقيّة، الهرمل، وحَوش السيّد علي”. تتابع في حديث لـ “مناطق نت”، “إن بعض هؤلاء يعود إلى منزله نهارًا لإحضار احتياجاته أو إلى أعماله ويعود ليلًا إلى المركز”.

القاع تستقبل النازحين
هذا في رأس بعلبك، أمّا في بلدة القاع، فقد افتتحت ثلاثة مراكز إيواء بشكل تدريجيّ. وفي هذا الإطار يلفت رئيس بلديّة القاع، بشير مطر، إلى أنّ “العدد الإجماليّ الذي نزح إلى البلدة بلغ 858 نازحًا، موزعين بين 360 نازحًا في المؤسّسات التربويّة الثلاث ونحو 498 نازحًا، بمعدّل 90 عائلة، في المنازل المتوافرة في البلدة”.
ولا يُخفي مطر في حديثه لـ “مناطق نت”، تخوّفه من زيادة العدد في حال تمّ تهديد الهرمل. مؤكّدًا في الوقت عينه أنّ “البلدة ستستقبل حتّى طاقتها القصوى، فلا نقبل أن يُشرّد أحد أو يجوع أحد بعيدًا من أيّ اعتبار آخر وبصرف النظر عن الموقف السياسي من الحرب”. ويُطالب مطر الدولة بـ “خطّة استجابة سريعة خصوصًا في حال الذهاب إلى تصعيد أكبر، فمن غير المقبول أن تشرّد الناس في الطرقات ولو لساعات ليتمّ التحرّك، بل من المفترض استباق واستدراك الأمور”.
في السياق عينه، تُشير مديرة متوسّطة القاع الرسميّة، نادين ذبياني، في حديث لـ “مناطق نت”، إلى أنّ “المدرسة تضمّ 12 غرفة، بات يقطن في كلّ منها من 18 إلى 20 نازحًا”. وتلفت إلى أنّ “نحو 40 في المائة منهم أطفال بالإضافة إلى عدد لا يستهان به من النساء”.
ليلة النزوح.. رعب وقلق!
حكايا النزوح داخل المدارس تحكيها جدران الصفوف قبل أن يرويها النازحون، تلك الصفوف التي بدّلت وجهتها من أماكن للتعليم إلى مراكز إيواء تغصّ بالحكايات، ولكلّ نازح مع المعاناة حكاية. فاطمة عيّاد، النازحة من منطقة الجاموس في الضاحية الجنوبيّة واحدة من هؤلاء، تروي لـ “مناطق نت”، أنّه “عند تهديد الضاحية نهار الإثنين خرجنا مع أطفالنا الثمانية من منزلنا سيرًا على الأقدام، إذ إنّنا لا نملك سيّارة، حتّى وجدنا ڤانًا متوجّهًا إلى البقاع، فصعدنا إليه ولجأنا إلى الهرمل في البداية، ولكن بعد الغارة على جمعيّة القرض الحسن هناك اضطررنا إلى النزوح مجدّدًا، لكن هذه المرة كانت الوجهة متوسّطة القاع”. تصف عيّاد تلك الليلة بأنّها “مرعبة”، مضيفةً “لم نكن نعلم إن كنّا سنصل أو لا”. وتختم حديثها مشيرةً إلى أنّ “المبنى الذي يقع فيه منزلها في الجاموس قصف يوم السبت”.
تتشابه قصّة فاطمة مع قصّة زهرة خريس، النازحة مع عائلتها من بلدة الخيام إلى متوسّطة القاع الرسميّة، حيث طوت لبنان برحلة واحدة من أقصى جنوبه إلى أقصى بقاعه الشماليّ. تُشير خريس إلى ” أنّنا بقينا في الخيام نحو سبعة أشهر، في كلّ يوم فيه كان يُفجّر منزلٌ، وعلى رغم ذلك بقينا وصمدنا، ولكن بعد الإنذار بالإخلاء خرجنا”.
حكايا النزوح داخل المدارس تحكيها جدران الصفوف قبل أن يرويها النازحون، تلك الصفوف التي بدّلت وجهتها من أماكن للتعليم إلى مراكز إيواء تغصّ بالحكايات
تتابع خريس لـ “مناطق نت”، لافتة إلى أنّهم لم يخرجوا من الإنذار الأوّل “ولكن مع الإنذار الثاني كان لا مفرّ من الخروج، وعند الساعة الـ 12 من منتصف الليل غادرنا البلدة. كُنت أقود السيّارة ومعي أولادي الأربعة، زوجي كان في خدمته العسكريّة، فاتّجهت إلى مدرسة في حاصبيا، ولكن لم نجد فيها مكانًا، فأمضينا ليلتنا في الطرقات”. تضيف خريس “لم أعد أعرف إلى أين أذهب، فجأة لمحت على إحدى مجموعات الواتساب أنّ هناك مدارس فُتحت أمام النازحين في مناطق البقاع، ساعتئذ توجّهت على الفور إلى هناك، أمضيت نحو خمس ساعات على الطريق حتّى وصلت إلى مدينة بعلبك، وهناك توجّهت إلى إحدى المدارس فيها، ولكن أيضًا لم يكن لديهم مكان، فنصحني صاحب أحد الأفران بالتوجّه إلى متوسّطة القاع وهذا ما حصل”.
مراكز الإيواء بلا أساسيّات
الحكايات تتشابه لكن الأسماء تختلف، هذا ما نلاحظه في أثناء الحديث مع النازحين في مراكز الإيواء، فالمعاناة لا تنتهي، ولكل واحد من النازحين حكايته ومعاناته. يروي محمّد أسعد الديراني، الذي نزح إلى معهد القاع الفنّيّ من برج البراجنة في الضاحية الجنوبيّة لبيروت برفقة زوجته وطفله البالغ من العمر سنتين ونصف السنة ووالده ووالدته، معاناته في ذاك اليوم الطويل.
يقول الديراني “خرجنا من منزلنا في البداية باتّجاه ساحة الشهداء، ثلاث ساعات من البرج إلى الساحة بسبب الزحمة. بتنا ليلة في السيارة بعد أن لجأنا إلى مدرسة في زقاق البلاط، لكن سرعان ما أخرجنا الجيش اللبنانيّ منها مطلقًا النار في الهواء”. ويلفت الديراني في حديثه لـ “مناطق نت” إلى أنّهم حاولوا “إيجاد مكان نأوي إليه لكن عبثًا، افترقنا أنا وعائلتي عن والدي ووالدتي، وتوجّهت أنا إلى بلدة النبي شيت في البقاع، لكن تبعنا الإسرائيليّ إلى هناك بالقصف والغارات، فخرجنا منها إلى بلدة القاع”.
يُشير الديراني إلى معاناته في مركز النزوح إذ “لا تدفئة وباب الغرفة مخلوع، ونضطرّ إلى أن نأخذ طفلنا كلّ ليلة لينام مع عائلة أخرى في المدرسة المتوسّطة حيث تتوافر التدفئة، فيقضي الليل صراخًا ومن دون نوم لأن أمّه ليست بجانبه”. ويوضح أنّ “المهنيّة تفتقر إلى عديد من الأساسيّات، عدا عن التدفئة، فالمياه في الخزّانات لا تكفي حاجة النازحين، ولا يوجد مولّد كهربائيّ، لذا نعتمد على فوانيس صغيرة يتمّ تشريجها عندما تأتي كهرباء الدولة لمدة ساعتين، كذلك فإنّ الجيش حظر التجول بعد السابعة مع العلم أنّنا نضطرّ أحيانًا إلى أن نقصد حمّامات المتوسّطة المجاورة”.
الخروج من مراكز الإيواء لن يكون بالتأكيد مثل الدخول إليها، فالنازحون الذين تتركهم في هذه المراكز، حكاياهم لا تتركك، ترافقك طويلًا، لكن عندما تبتعد قليلًا في الطرقات وترى مظاهر النزوح تتزايد وتتوسّع، وفي ظلال الحرب الوحشيّة، تُدرك أنّ البلد بدأ يتحوّل رويدًا رويدًا إلى مركز إيواء كبير ومفتوح.




