مواسم الجنوب تحت النار والمزارعون بين فكي النزوح والديون

في الجنوب، حيث الخسارات لا تقدّر بثمن ويعجز الإحصاء عن تعدادها، لا تقصف الأرض وحدها بل يُستهدف توقيت الحياة ودورتها وفصولها.
أشهر من العمل المتواصل في الحقول تحضيرًا للمواسم وانتظارًا لجني المحاصيل ضاعت وأُتلفت بعد الانقطاع عنها، والنتيجة أنّ المزارع يواجه وحده معادلة قاسية، أرض بذل فيها جهده وتعبه وماله لم يتمكّن من الوصول إليها في أوقات الحرب، ومواسم ضاعت لم يستطع جنيها بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار. وبين فراغ الزرع والحصاد تتكشّف خسارة من نوع مختلف: اقتصاد كامل يُقتلع بصمت.
نزوح مستمرّ وخسائر فادحة
يروي علي غنّام، وهو مزارع من بلدة مروحين (صور) معاناته مع النزوح فيقول: “لم أعرف الاستقرار منذ اندلاع حرب الإسناد، يومها اضطررنا إلى ترك بلدتنا والنزوح إلى المنصوري (صور)، حاولت هنا أن أتابع عملي بالزراعة من خلال ضمان أرض جديدة أزرعها وأعتني بها كتعويض عمّا تركناه خلفنا من حقول، لكنّ تجدّد الحرب حال دون ذلك أيضًا”.
يتابع غنام لـ”مناطق نت”: “المفارقة أنّ حرب الـ 2026 جاءت لتكمل ما بدأته حرب الـ 2024، فوجدت نفسي مجدّدًا على طريق النزوح، لكن هذه المرة نحو مدينة صيدا، وتحديدًا في أحد المراكز التي خصّصت لإيواء النازحين، وبطبيعة الحال تركت خلفي بستانًا في ذروة عطائه”.
يضيف غنّام بحسرة: “هناك تركت الحامض والبرتقال والموز على الأشجار، ناضجًا دون قطاف ينتظر دون جدوى، وفي الأرض نفسها، بدأنا تحضيرات منذ أشهر لموسم البطّيخ والشمّام، زرعنا الشتول ومددنا النايلون، وتكبّدنا كلف اليدّ العاملة لموسم كامل”.
يؤكّد غنّام “لم يكن الموسم بالنسبة إلينا مجرّد زرع، بل هو مورد عيش وحيد لي ولعائلتي، خسارتي ربّما تصل إلى نحو 100 ألف دولار، والرقم لا يعكس المال فقط، بل هو أيضًا تعب أشهر وأمل سنة كاملة”.

مواسم قصيرة ومكلفة
لا تُعتبر زراعة موسم البطّيخ والشمّام في منطقة صور نشاطًا زراعيًّا عابرًا، بل تشكّل واحدًا من أعمدة الاقتصاد الزراعيّ الموسميّ في ساحل لبنان الجنوبيّ. ووفقًا للدراسات الزراعيّة في لبنان تعتبر هذه المنطقة من أبرز مراكز إنتاج الخضار والفاكهة الصيفيّة، ومنها البطّيخ والشمّام حيث تعتمد آلاف العائلات على هذه المحاصيل كمصدر دخل أساسيّ لها.
هذه الزراعات، على رغم مردودها المرتفع، تبقى شديدة الهشاشة، إذ تحتاج إلى استثمار كبير في الشتول والريّ والنايلون واليد العاملة، مقابل مدّة زمنيّة ضيّقة للقطاف. ما يجعل أيّ انقطاع عنها، كفيل بإسقاط موسم كامل، بكلّ ما يحمله من استثمارات وديون.
كلف كبيرة وضياع مواسم
أحمد عواضة ابن بلدة الناقورة وأحد كبار المزارعين في الساحل الممتدّ من مدينة صور وحتّى الناقورة، يقول: “زرعت هذا الموسم 450 دونمًا من البطّيخ والشمّام، إلى جانب عشرين دونمًا من الخضروات المختلفة، و60 دونمًا موزّعة في بلدات بيوت السيّاد والحمرا وسهل القليلة والعامريّة والمنصوري والحنّيّة وهي اليوم مناطق تشهد معارك محتدمة وتتعرّض لغارات وقصف عنيف بشكل يوميّ”.
ويتابع لـ”مناطق نت”: “تبلغ المدّة الزمنيّة لموسم البطّيخ والشمّام ستّة أشهر، وذلك بدءًا من زراعة الشتول وصولًا إلى القطاف، أيّ ستّة أشهر من العمل المتواصل، لذا نحن اليوم في منتصف الموسم، وعلى بُعد ثلاثة أشهر فقط من الحصاد، وما استثمرته حتّى الآن يناهز الـ 650 ألف دولار، وهو مهدّد بالضياع بشكل كامل”.
يضيف عواضة “نزحت إلى مدينة صور لأبقى قريبًا من الأراضي، أحاول الحفاظ على خيط تواصل معها، لكنّ اليوم ومع اشتداد المعارك، بات الوصول إلى أيّ دونم من تلك الأراضي مستحيلًا”. ويشير عواضة إلى أنّ “الفرصة الأخيرة لإنقاذ جزء بسيط من الموسم مرهونة بتوقّف المعارك في القريب العاجل”.
وعلى رغم كلّ ذلك لا يفكّر عواضة بالابتعاد، مؤكّدًا “أنّني لن أذهب إلى أيّ مكان أبعد من صور”، ثمّ يردف وبحزم “لن أترك وسأبقى قريبًا من رزقي وأرضي، أنا أنتمي إلى هذه الأرض”.

أرقام تكشف حجم الكارثة
في سهول الجنوب وبساتينه وأراضيه تختلف التفاصيل لكنّ الحكايا واحدة: مواسم تركت لتواجه مصيرها، وأراض تُحرث بالخوف بدل الأمل، فيما يقف المزارعون على تخوم الانتظار عالقين بين الحرب وما تبقّى من حياة، فقصّة مزارعَيّ الشمّام والبطّيخ، علي غنّام وأحمد عواضة ليست يتيمة، بل هي عيّنة ونموذج يختصر مأساة وانهيار قطاع زراعيّ محلّيّ كامل يشكّل مصدر رزق أساس لآلاف العائلات.
ووفق أرقام منظّمة الأغذية والزراعة لعام 2025، تكبّد القطاع الزراعيّ في لبنان خسائر تجاوزت الـ 586 مليون دولار، منها 118 مليون دولار أضرارًا مباشرة، تركّزت بشكل أساس في الجنوب والبقاع.
كذلك تشير بيانات وزارة الزراعة الواردة في خطّة الاستجابة لدعم القطاع الزراعيّ إلى أنّ المساحات الزراعيّة المتضرّرة بلغت نحو 49,564 هكتارًا، منها قرابة 47 ألف هكتار في الجنوب والنبطيّة، فيما أظهرت المعطيات أن 76.7 في المئة من المزارعين في الجنوب نزحوا من بلداتهم، وأنّ عددًا كبيرًا منهم لم يعد قادرًا على الوصول إلى أراضيه.
وزير الزراعة: نحاول تسهيل وصول المزارعين إلى سهل الماري مع الجيش اللبنانيّ، إلّا أنّ الاسرائيليّ استهدفهم أخيرًا وأصبح الوضع أصعب الآن
الوزارة وخطّة الاستجابة
من ناحيته يؤكّد وزير الزراعة نزار هاني “أنّ الأضرار لم تقتصر على المحاصيل، بل طالت قطاعات أساسيّة مثل الزيتون، الموز والحمضيّات والزراعات المحميّة، إضافة إلى تعطّل سلاسل الإنتاج، لذا يعبّر المزارعون عن حاجات ملحّة تشمل: المياه للريّ، المحروقات، الأدوية الزراعيّة، والدعم المالي المباشر”.
يتابع لـ”مناطق نت” أنّ الوزارة “تعمل ضمن خطّة الاستجابة على دعم المدخلات الزراعية وتأمين المساعدات الطارئة، بالتنسيق مع الجهات المانحة، بهدف الحفاظ على استمرارية الإنتاج وتعزيز صمود المزارعين”.
يضيف: “تمّ التركيز في الأسبوعين الماضيين أكثر على موضوع الثروة الحيوانيّة، نظرًا إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بها خلال الحرب الماضية (أبقار وأغنام ونحل)، ومحاولة إنقاذ هذه الثروة عبر تجميعها في مزارع أكبر ودعم أصحابها بمساعدة مادّيّة لشراء العلف ونقل عشرات المناحل، كذلك تمّ التواصل مع 20 ألف مزارع لتحديد الحاجات والأضرار”.
ويؤكد الوزير هاني أنّ “الحمضيّات في الخطّ الساحليّ ما زالت تحت السيطرة ونتابع هذا الأمر بشكل يوميّ مع نقيب مزارعي الحمضيّات في الجنوب محمد الحسيني”.
ويشير الوزير هاني إلى أنّ “الأضرار كبيرة في سهل الماري حيث سهول البازيلّاء والشمّام والبطّيخ، لذا نحاول تسهيل وصول المزارعين إليه مع الجيش اللبنانيّ، إلّا أنّ الاسرائيليّ استهدفهم أخيرًا وأصبح الوضع أصعب الآن”.
ما قاله الوزير هاني يتقاطع مع ما قاله المزارعون حول معضلة أساسيّة تكمن في مخاطر الوصول إلى الأراضي، ما يطرح تساؤلات حول فعاليّة أيّ خطّة دعم في ظلّ غياب القدرة على الوصول.
اقتصاد على حافّة التفكّك
“الرزق يعادل الروح”. لطالما ردّد المزارعون هذه الجملة التي تختصر بكلماتها الثلاث معنى الأرض والتعب والشقاء، والأهم من ذلك التعلّق الذي لا يضاهيه شيء. وما يعانيه المزارعون في الجنوب اليوم من عدم القدرة على الوصول إلى أراضيهم هو فقدٌ من نوع آخر، حيث الروح تنادي الرزق.
ما يجري اليوم في الحقول الجنوبيّة ليس مجرّد تعطّل زراعيّ موقّت بسبب الحرب، بل تفكّك صامت لاقتصاد كامل، ومع كلّ موسم يخسره المزارعون، تتراجع قدرتهم على العودة والاستثمار، ليس بسبب الخسارات المتكرّرة فقط، بل لأنّ الزراعة نفسها تتحوّل تدريجًا من مهنة قابلة للحياة إلى مغامرة غير مضمونة.



