نازحو مدرسة عشقوت الكسروانية: بيوتنا مدمرة والآفاق مسدودة

لم يبقَ مكان في لبنان إلّا ولجأ إليه النازحون هربًا من أهوال الحرب وقساوتها. قطعوا مسافات طويلة بحثًا عن أمان افتقدوه في بلداتهم وقراهم. إلى بيروت والشمال وكسروان في جبل لبنان وصلوا، وتحديدًا إلى بلدة عشقوت الكسروانيّة التي ترتفع نحو 900 متر عن سطح البحر، حيث حلّوا في مدرسة اسكندر رزق الرسميّة.
منذ اليوم الأوّل لاندلاع الحرب في الثاني من آذار (مارس) الماضي بدأ النازحون يَتوافدون إلى هذه المدرسة، حتّى أصبح تعدادهم 177 نازحًا وزّعتهم إدارة المدرسة على 21 غرفة في الطابقين الأوّل والسفليّ.
لم تبدّد طبيعة المكان الجميلة التي تحيط بالمدرسة وهدوئه اللافت، قلق النازحين الذين تركوا خلفهم بيوتهم وأرزاقهم، لكن الجوّ والتعامل اللطيفين خفّفا من وحشة النزوح وقسوته.
تدريس ونزوح تحت سقف واحد
المدرسة التي تعتمد دوامَين للتدريس، الأوّل يبدأ من الثامنة صباحًا وحتّى الثانية بعد الظهر للتلامذة اللبنانيّين، والثاني يبدأ من الثانية بعد الظهر حتّى الخامسة والنصف مساء للتلامذة السوريّين، لم يمنعها من الاهتمام بالنازحين، فأمّنت كل ما يحتاجونه من مستلزمات الإقامة.
النازحون جاؤوا بمعظمهم مِن قُرى معركة والبازوريّة والبرج الشمالي ووادي جيلو وصريفا وبرج رحّال والعبّاسيّة (قضاء صور)، ومن الدوير وكفرتبنيت (قضاء النبطيّة)، ومن دير انطار (قضاء بنت جبيل)، ومن برج البراجنة (قضاء بعبدا)، وفق سَناء السيّد، وهي نازحة مِن وادي جيلو.

تنسيق ناجح بين الإدارة والنازحين
تُنسِّق سَناء كيفيّة توزيع الحصص الغذائيّة المقدّمة من وزارة الشؤون الاجتماعيّة وبعض الجمعيّات الخاصّة، وهي المُخَوّلة أيضًا بأن تكون صِلة الوَصل بين الإدارة والنازحين. سناء، التي تشكُر الإدارة لأنّها “استقبلتنا بحفاوة وآوَتنا داخل غرفها”. تقول إنّها تسكن حاليًّا في غرفة مع ثمانية أشخاص. تتابع لـ”مناطق نت”: “أتيتُ إلى هنا مع أولادي الثلاثة وأبي وأمّي وأخي وزوجته وأولادهما، وكان عددنا 14 شخصًا”.
تضيف: “هنا تعرّفتُ إلى عائلات جديدة، وأصبحنا عائلة واحدة. نقضي معظم أوقاتنا بعضنا مع بعض، نطبُخ سويًّا ونستفيد من مياه جبل لبنان التي تُضَخّ إلى المدرسة بمُعدّل ثلاثة أيّام في الأسبوع”.
وعن السبب الذي منعها من العودة إلى بلدتها بعد إعلان وقف إطلاق النار توضِح سناء “خلال الهدنة زرتُ البازوريّة وآلمَني دمار الحَيّ الذي أسكن فيه. أمّا بيتي فقد تصدّع جرّاء الغارات، ولا يصلح للعَيش يومًا واحدًا، أمّا بالنسبة إلى منزل أهلي في وادي جيلو فهو ما زال صالِحًا للسكن، لكنّهم لا يستطيعون الإقامة هناك بسبب إنذارات الاخلاء التي يصدرها العدوّ الإسرائيليّ باستمرار”.
سناء، التي كانت موظّفة في معهد خاص، وتدرس في الوقت نفسه اختصاص الإدارة والمحاسبة في جامعة خاصّة ببيروت، تروي كيف تفكّر بالمستقبل فتقول: “بعد نزوحنا القسريّ إلى هنا، فتّشتُ عن وظائف عِدّة لإعالة عائلتي ووالديّ، لكنّني لم أوَفّق، عُرِض عليّ السفر إلى البرازيل لأنّ أولادي الثلاثة يحملون الجنسيّة البرازيليّة، لكنّني رفضت”. سناء شكرت وزارة الشؤون الاجتماعيّة لأنّها “تُعنَى بغذائنا، والجمعيّات الخاصّة التي لم تَتوانَ يومًا عن مساعدتنا منذ نزوحنا إلى هنا”. وتعبّر “إنّنا لبنانيّون، ومُصَمّمون على البقاء في لبنان مهما قَسَت علينا ظروف العَيش”.

تَوحّد يُعرقِل طبيعة الحَياة
من جهته يروي حسن جواد الحسين، وهو من الهرمل ويسكن في الغبَيري معاناته مع ابنه المُصاب بالتوَحّد. يشرح الحسين حال ابنه لـ”مناطق نت” قائلًا: “ابني ليس عدائيًّا لكنّني لا أستطيع أن أتركه وحده. لذلك أتمشّى معه يوميًّا في ملعب المدرسة، و”نُكَزدِر” في السيّارة، خصوصًا حينما تدرس شقيقته أونلاين”. يضيف “نقيم هنا لأنّني لا أستطيع أن أدفع 900 دولارًا شهريًّا بَدل دخوله إلى مؤسّسة تُعنى به”.
ويردف “سابقًا، كان يدرس في مؤسّسة الهادي عند طريق المطار، وكنتُ أمتلِك سيّارة ‘بيك أب‘ أنقُل بواسطتها مَوادّ بناء إلى الورش في مختلف المناطق، لكن عندما بدأوا يستهدفون المركبات اضطررتُ إلى إيقاف عملي مَخافة أن يتمّ استهدافي”.
يروي حسن البالغ من العمر 55 عامًا أنّه “أثناء الهدنة تفقّدت شقّتي في الغبيري، فوجدتها مُتضرّرة، فبادرنا إلى تنظيفها ووَضع النايلون مَكان الزجاج المحطّم، لكنّنا لم نستطع السكن فيها سوى يَومَين اثنين، لأنّ حَيّنا أضحَى مدينة أشباح، لا حياة فيه ولا ماء أو كهرباء، لذلك عُدنا إلى هنا”.
أونلاين وهاجِس السنة الجامعيّة
من جهّتها، تقول آية عبدالله (22 سنة)، وهي من قرية دَير انطار (قضاء بنت جبيل)، “كنتُ أسكن في الضاحية، وأتابع تَحصيلي العلميّ في الجامعة اللبنانيّة – فرع الحَدث، حيثُ أدرس اختصاص إدارة أعمال ومحاسبة، ومع بداية الحرب المَشؤومة، انتقلتُ مع عائلتي إلى هذه المدرسة، فإذا بي في غرفة واحدة مع سبعة أشخاص”.
عن كيفيّة تمضية أوقاتها تتابع آية لـ”مناطق نت”: “أراقب شقيقَيّ اللذين يَصغرانني حين يَدرسان أونلاين، وبعد أن أساعد الصبايا في الطبخ، نتسلّى في ملعب المدرسة بالفوتبول (الطابة) والباسكت بول (كرة السلّة)”.
وردُّا على سؤالنا لماذا لم تَعد العائلة إلى بيتها بعد إعلان الهدنة؟ تجيب بحَسرة: “تفقّدنا شقّتنا في الضاحية، فوجدناها مُصدّعة والزجاج مُتناثر في جميع الأمكنة. ولقد تعَذّر علينا السّكن فيها لأنّنا لم نتلقّ تعويضًا لترميمها، لذلك عُدنا إلى هنا”.
آية، يَتملّكها هاجس النجاح في دراستها الجامعيّة، بيد أنّها تنتظر “بفارغ الصّبر أن تفتح الجامعة اللبنانيّة أبوابها من جديد، لكي نُعاوِد الدراسة وأتفَوّق في اختصاصي، كذلك أتمنى أن تنتهي الحرب تمامًا، وأن نعود ونَجول في القُرى الجنوبيّة ونُواكِب عمليّة إعمارها من جديد، فتعود أجمَل ممّا كانت عليه سابقًا”.

“لا حَياة في برج البراجنة”
من ناحيتها تروي آمِنة السباعي (36 سنة)، وهي نازحة من برج البراجنة، وتقيم مع والدتها وابنتها حكايتها فتقول: “عند إعلان الهدنة، تفقّدتُ شقتي في برج البراجنة، فوجدتها مُصدّعة غير صالحة للسكن جرّاء الغارات التي أصابت الحَيّ، فدَمّرت كلّ شيء بِما في ذلك التمديدات الكهربائيّة وقساطِل (أنابيب) المياه، أيقنتُ عندها أنّنا لا نستطيع الحياة هناك، خصوصًا أنّه لم يَعرض علينا أحد أموالًا للترميم”. تَكتم وجعها، ثمّ تتابع لـ”مناطق نت”: “ذهبتُ إلى شقّتي في التحويطة، فكانت مصدّعة أيضًا. رَمّمتُ، بما تَيَسَّر، غرفة فيها، لكنّنا لم نستطع المكوث سوى يومَين، ومن ثم عُدنا إلى هنا”.
وعن كيفيّة تجزية أوقاتها تقول: “أواكِبُ ابنتي يوميًّا وهي تدرس أونلاين، وأهتمّ بأمّي التي تقيم معنا في الغرفة نفسها، أمّا في المساء فنسهر مع النرجيلة وتتشَعّب الأحاديث عن القُرى المَنكوبة، ويَشدّنا الحَنين للرجوع إليها، ونتمنّى أن يَبقى اللبنانيّون مُتماسكين في هذه الحرب لكي ينتصروا على العَدوّين الاسرائيليّ والأميركي…”.
وتوضح آمنة أنّه “عندما تحين لنا فرصة للسفر فلن أفوّتها. يهمّني تأمين مستقبل ابنتي العِلميّ، لأنّها متفوّقة جدًّا في دراستها”.

دَمار مؤسّستَين خلال سَنتين
تتشابه ظروف النزوح، لكن خسائر الحرب تتباين بين نازح وآخر. محمد مَكّي (53 سنة) الذي خسر عمله واحد من هؤلاء. يقول مكّي وهو مِن صريفا (قضاء صور) لـ”مناطق نت”: “كان لديّ مؤسّسة في ‘فْرُون‘ بقضاء بنت جبيل تُعنى بميكانيك السيّارات. في حَرب العام 2024 دَمّر العدو الاسرائيليّ مؤسّستي دمارًا كاملًا، فأنشَأتُ مؤسّسة كبيرة في صْريفا، حيث كنتُ أشحَن مولّدات ديزل إلى الخارج، وأتعهّد تصليح آليّات للجيش اللبناني وغيرها”. يضيف “كان العمل يسير بنجاح في مؤسّستي، ولكن مع بداية هذه الحرب أصابها الدمار أيضًا”.
يعبّر مكي بأسى عمّا آلت إليه أوضاعه: “لقد أصبتُ بصدمة كبيرة لأنّ مؤسّستَيّ في الجنوب دُمّرَتا، ولم يَبق منهما ‘بِرغِي‘ واحد. وبعد أن كنتُ رجل أعمال ناجح، أصبحتُ الآن نازحًا داخل هذه المدرسة مع عائلة كبيرة تتألّف من 16 شخصًا، مُنتظرًا التعويضات الماليّة التي وَعدوني بها مِرارًا، لكنّني لم أقبض منها فِلسًا واحدًا حتّى هذه الساعة”.
دمار شامِل وآفاق مَسدودة
وعمّا إذا ذهب إلى بلدته وتفقّد منزله يوضِح مكّي: “لم أذهب إلى صريفا لأنّها مدمّرة بنسبة 50 في المئة، ولقد أدّى دمارها إلى نزوح معظم أبنائها ومنهم أقربائي ومَعارفي إلى مناطق كسروان، وأنا أطمئنّ إلى أحوالهم من خلال الواتساب”.
يتنهّد محمّد بعمق ويقول: “أنا ضِدّ مَبدأ الحرب، والمُنتصِر فيها يكون خاسرًا، فكَيف ستكون حَال الذي يخسرها؟ يجب أن نَنعَم باستقرار لكي نشعر بالأمان”.
عن المستقبل وآفاقه يجيب محمّد بحَسرة “لا أستطيع سوى انتظار انتهاء الحرب، أتابع من خلال الـ‘سوشيال ميديا‘، وأتحَسّر على الذين يَستشهدون يوميًّا، ومِنهم أشخاص أعرفهم جيّدًا… لقد نَكبتنا إسرائيل جَرّاء حربها، وأصبحت آفاقنا مَسدودة، ولا أعرف ماذا سيحلّ بنا في المستقبل؟”.



